بقلم الشيخ د. جاسم مهلهل الياسين
بينا -في المقال السابق- أن موقف الناس من الأحداث المؤثرة في حركة الحياة ارتفاعا أو هبوطا عزة أو ذلة، قوة أو ضعفا يتمثل في ثلاثة:
1- ملاحق للأحداث، يلهث وراءها وتعتبر تصرفاته رد فعل نحوها، فهو مشغول بما يأتيه منها لا يكاد يبصر غيرها ولا يستطيع أن ينفذ من خلالها ليرى ما تحجبه خلفها من آثام وشرور، وهؤلاء هم عامة الناس.
2- مسابق للأحداث يتوقع حصولها، ويبني مواقفه عن ألا تمسه بشواظها ولهبها، فيتجنب طريقها، ويبتعد عن شررها إن كانت ضارة، أو ينتفع بخيرها ويأخذ من ثمارها إن كانت نافعة وهؤلاء قلة.
3- صانع للأحداث يود أن يحقق لنفسه أهدافها دون كد أو عناء، من غير أن يبدو أن الأمر مقصود لذاته أو أن أحدا سعى إليه أو هدف لتحقيقه، ونكمل حديثنا قائلين:
إن المعول عليه في ذلك بالنسبة لهؤلاء جميعا هو عملية استشعار الأحداث عن بعد -زماني أو مكاني- ومدى صدق هذا الاستشعار، المبني على السنن الجارية في خلق الله وفي كونه، وعلى التجارب التاريخية التي تتكرر بصورة من الصور في كثير من الأحيان، وعلى معرفة طبائع الشعوب والأمم والمؤثرات التي تؤثر فيها، وتدفع بها إلى صنع الأحداث أو تلقيها، ومدى ظهور ذلك أو خفائه، حتى يبدو وكأنه قدر من الأقدار، لا مجال فيه لصناعة بشرية، أو مكيدة دولية، وكل ذلك يؤثر في الصنفين الأول الذي يلاحق الأحداث، والثاني الذي يسابقها ويحاول أن يتوقع حصولها قبل أن تهب ريحها، ليبتعد عن عواصفها ورعودها، أما الصنف الثالث (صانع الأحداث) فإنه صاحب نظرة أبعد، وفكرة أعمق، ورؤية للحياة أشمل، يدرك عوامل التأثير في الآخرين، ويعلم متى يحين قطاف هذه الأحداث وأين .. ولذا فهو يعلم متى ينطلق بدعوة من الدعوات ومتى يعلو صوته، ومتى يخف أثره، ومتى يظهر بوضوح على الساحة، ومتى يكمن خلف الستور … فأين موقع الحركة الإسلامية المعاصرة من هذه الأصناف الثلاثة؟
لقد انتقلت الحركة بين هذه الأصناف الثلاثة انتقالا غير مبرمج، فكانت في بدء ظهورها على الساحة وإعلان مبادئها، واتساعها وامتدادها في عديد من المجالات، وكثير من المؤسسات، وانتقالها من بلد إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، كانت في هذا صانعة للأحداث على المستوى العام حينا وعلى المستوى الخاص أحيانا، وكانت المؤسسات الأخرى تحاول أن تلاحقها أو تسابقها أو توقف جريها وانهمار غيثها في أودية الناس فلا تستطيع منعها، وإن وضعت عقبات في طريقها.
ثم في نهاية الأربعينات وما بعدها حتى السبعينات كانت الحركة ملاحقة للأحداث، تلهث من خلفها وتأتيها الأحداث بالضربات من حيث لا تحتسب، وفقدت روح الاستشعار -أو قل أغفلتها- اعتمادا على مالها من رصيد في نفوس الجماهير، ظنا منها أن هذه الجماهير درع تقيها الشرور والإيذاء، فأغفلت بذلك تجربة قديمة دون أن تستفيد منها أية فائدة.
لقد سأل الحسين بن علي الشاعر الفرزدق عن حال الناس في الشام، فقال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك، والنصر في السماء، وهكذا كانت أغلبية الجماهير متعاطفة مع الحركة الإسلامية، دون أن تمد يدا لمناصرتها أو منع الأذى عن أن يلحق بها اللهم إلا في أقل الأحوال وتتالت الضربات إثر الضربات للحركة الإسلامية، وتوالت الفتن عليها من بعض أبنائها تارة، ومن المتربصين بها تارات، حتى ظن البعض أن الحركة لم تعد تلاحق الأحداث فقط، بل توقفت تماما، وغيبت عن الساحة.
ثم منذ منتصف السبعينات وحتى الآن، والحركة تلاحق الأحداث وتسابقها وتحاول ألا تتأخر عن ركبها، فتنجح في ذلك حينا وتخفق أحيانا.
ومن الأهمية التي تأخذ حكم الوجوب والإلزام أن تظل الحركة الإسلامية -في الفترة الحالية- مسابقة للأحداث على الأقل، ليظل لها شيء من الحضور الواعي في الساحة الإسلامية، فلا يغيب دورها الفاعل عن الوجدان، ولا يغيب صوتها عن الآذان، حتى يأذن الله لها بصنع الأحداث النافعة للأمة وللبشرية.

