بقلم الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين

التطلع نحو المستقبل، والمحاولة المستمرة لاستشراف معالمه، والوقوف على خطوطه العريضة، دأب الإنسان من قديم، وقد كان تطلعه في الماضي دافعا ذاتيا محضا، يحاول به أن يزداد مما يحب، وأن يتجنب ما يكره، وما تزال هذه الرغبة دافعة له لتمحيص النظر في الرؤية المستقبلية، من خلال ما وضعته بين يديه النظم الحديثة في مجال الآلات والاتصالات ووسائل الرصد والكشف، أو من خلال المؤسسات القائمة على تحليل المعلومات، وضع الخطط الخمسية والعشرية لبناء العمران المنشود، والمحافظة عليه بحيث يكون في الحسبان تحديد أماكن القوة والضعف بين الدول، ورصد أماكن القوة الدولية التي يمكن أن تبرز وتتقدم وتسبق غيرها من الدول ذات التأثير الحاضر … وليس في الأمر غرابة ولا ابتداع ولا رجم بالغيب، لأن أمور الحياة -في معظمها- موكولة إلى السنن الإلهية والنواميس التي وضعها الله في الكون، وهي سنن لا تتخلف ولا تتبدل، “فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة تحويلا” فالشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب منذ خلق الله السموات والأرض وسوف تبقى كذلك.

هل تسلم البشرية في القرن القادم من الحروب العالمية والتفجيرات النووية والأخطار البيئية؟

والأمم الجادة العاملة تنهض، والأمم المترفة الكسولة تتأخر، ومن يأخذ بأسباب الحياة يرقى، ومن يهملها يتأخر ويتقهقر. ولسنا هنا بحاجة إلى دليل وبرهان فلا ينكر عاقل شيئا من ذلك، يشهد بذلك الأميّ والمتعلم على السواء، وقد نطقت بذلك ألسنة الجميع، فجاء في المأثور الشعبي: من جد وجد، ومن زرع حصد.

والمهم أن من الخصائص الإنسانية التعلق بالمستقبل بالتطلع والأمل، أو التخوف والحذر، والعمل على تحقيق الأمل والتوقي من الفشل.

والدراسات التي يطل منها الإنسان على المستقبل أثناء عبوره من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين دراسات متنوعة، تطل علينا حينا بعد حين من الشرق ومن الغرب، وتجد لها بعض الصدى في البلاد الإسلامية، فتعلق على دراسة هنا، أو تبشر بالقضاء على بعض المشاكل البشر في القريب، أو تحذر من كوارث يمكن أن تظهر نتيجة تصرفات كثيرة خاطئة.

وإذا كنا -بحمد الله- غير متشائمين مما يحدث في المستقبل، فإننا ينبغي أن نكون -نحن المسلمين- حذرين في تفاؤلنا، لأن المستقبل غير مبنيّ على فراغ، إنه غرس الحاضر، ومبني عليه، فالحاضر المشاهد مقدمة للمستقبل الغائب، وإذا كانت النتائج مبنية على المقدمات، فإننا لا نستطيع أن ننظر في صفحة المستقبل من غير أن نستصحب معنا أجندة اليوم، لنرى ما فيها مما يمكن أن يؤثر في حياة البشرية في القرن القادم.

إن الحاضر مليء بالآلام التي تثير الخوف من المستقبل، والتي تستدعي التغلب عليها وإزالتها أو التخفيف من آثارها ونتائجها قبل أن نستصحبها معنا إلى القرن القادم، الذي نطمع أن تكون آماله كثيرة وآلامه قليلة، ومتاعبه غير عسيرة.

إن القرن العشرين حققت فيه البشرية لنفسها من الآلام ما لم يتحقق من قبل في التاريخ البشري المعروف، فقد نشبت فيه حربان عالميتان استمرتا قرابة عقد من الزمان، شغل فيهما الناس بالتدمير والخراب، وهلاك الإنسان، والقضاء على الحرث والنسل، وظهرت فيه الأسلحة الفتاكة التي تقضي على الأخضر واليابس، وعرف ثورة المواصلات والاتصالات، وسهولة انتقال الآلام والأمراض، وتلوثت فيه البيئة، وظهرت الأمراض التي لم تكن معروفة من قبل، والتي استعصى علاجها، وبرزت فيه الزلازل والبراكين والأعاصير والعواصف وغير ذلك من ألوان الفيضانات والجفاف والتصحر وغيرها، وكلها تصب في النهاية في الأجندة اليومية الحاضرة التي لا نستطيع إغفالها ونحن نتطلع إلى المستقبل.

فماذا نطالع في أجندة اليوم، إننا نرى ثلاثة أمور تلاحق الناس:

أولها: الصراع بين البشر.

ثانيها: صراع البشر مع القيم الأخلاقية والمحاولات المستمرة للتفلت منها.

ثالثها: الصراع مع مظاهر الكون من حولنا.

وسنتناول كل واحد منها بشيء من التفصيل.

 

1- الصراع البشري:

لا خلاف في أن أحد مسببات القلق والاضطراب والخوف في العالم هو الصراع البشري الذي يتمثل في:

أ- صراع النصارى مع المسلمين:

وهو صراع يشنه النصارى -ولا يزالون- منذ طرد المسلمين من الأندلس مرورا بالاستعمار الغربي لبلاد الشرق الإسلامي، واستمرار الكيد للإسلام والمسلمين بغرس إسرائيل في قلب العالم الإسلامي، وحمايتها وتمكينها ومدها بأسباب البقاء والتمكن، لتتوسع على حساب المسلمين، وتستولي على مقدساتهم.

أبرز ما تميز به القرن العشرون الصراع بين البشر ومع القيم ومع مظاهر الكون، فبماذا يتميز القرن القادم؟

ويتخذ هذا الصراع مسارات مختلفة من صراع السلاح إلى صراع الدبلوماسية، ومن مكان إلى آخر، وقد كان آخر ما تمخض عنه هذا الصراع هو النزاع المسلح بين الفريقين (النصارى والمسلمين) في منطقة البلقان، حيث شن النصارى أعنف الحروب التي تستهدف إخلاء الأرض من المسلمين فيما سمي وقتها بسياسة الأرض المحروقة، في البوسنة والهرسك، فشردت مئات الألوف من المسلمين، وظهرت إلى الوجود -من جديد- المقابر الجماعية، ودمرت مدن ولم يتدخل العالم الغربي -القادر على إيقاف الحرب- إلا بعد أن حقق الصرب أهدافهم على حساب المسلمين … ولم يهنأ مسلمو البلقان بوضع الحرب أوزارها في البوسنة والهرسك حتى شبت من جديد في إقليم “كوسوفا” على يد الصرب الذين يلقون الدعم والتأييد من الكنائس الشرقية والغربية، ويجدون من السياسيين التغطية الإعلامية اللازمة، حيث يقدم حلف الأطلسي تهديداته الكلامية لهم، وينتقل المندوب الأمريكي من بلد إلى آخر دون أمل يرتجى في إيقاف الحرب، التي سببت هجرة أكثر من 250ألفا إلى الجبال والغابات انتظارا للشتاء القارص القادم حيث يموتون دون أن تمتد يد بالعون لهم، ودون أن يأسى عليهم أحد، فالمسلمون اليوم في أي أرض لا بواكي لهم، وفي الوقت الذي يحدث فيه ذلك تظهر التحرشات في العالم الإسلامي لينشغل بما يحدث فيه عما يدور حوله، وقد أخذ هذا الانشغال يتركز حول بوادر أزمة بين السنة والشيعة في أفغانستان وإيران.

ب- بوادر الصراع بين السنة والشيعة:

فجّر استيلاء حركة “طالبان” على مزار شريف عاصمة الشمال في بلاد الأفغان واختفاء عدد من الدبلوماسيين والصحفيين الإيرانيين، هذا الصراع وأبرزه على وجه الأحداث، وحشدت إيران لهذا الصراع مظاهر القوة فحركت من جيشها 70 ألف جندي إلى الحدود الشمالية الشرقية المواجهة لأفغانستان في مناورة كبيرة الحشد، مع تهديد إعلامي واضح من جانب إيران يقابله شيء من التحدي من جانب طالبان، ونأمل ألا يزيد الأمر عن هذا الحد، وأن يقضي على أسباب النزاع، وأن يدرك الطرفان أن الحرب لا تأتي بخير وأن كليهما خاسر، وأن قوتهما ينبغي أن تدخر لما هو أسمى وأعظم.

ج- الصراع القبلي:

وهذا لون آخر من ألوان الصراع البشري بقي مع الناس منذ عرفت الحروب حتى وقتنا الراهن، وهو نزعة مسلحة تريد أن تحيي العصبية العنصرية، وتظهر الميول العرقية، ولا تنظر إلى معنى الآية القرآنية: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وقد أخذت هذه النزعة العنصرية بوسائل الحرب الحديثة فقضت على الأمن والإنتاج، وأوقفت حركة النماء، وزرعت في قلوب الناس الخوف واليأس والقنوط.

والصومال والكونغو مثالان مشاهدان لهذا الصراع الدموي القبلي، الذي ما يكاد يهدأ حتى يثور من جديد، متخذا موجة جديدة من العنف والقتل والدمار والخوف والاضطراب تنشر في وهجها الجوع والعرى والفقر والمرض، وتجعل الناس يستغيثون فلا يغاثون، ويطلبون الإنقاذ فلا يُستنقَذون.

وأخوف ما أخاف أن ينتشر هذا اللون من الصراع في عالمنا الثالث فيقضي على ما قد يكون فيه من مقومات الحياة.

الحاضر مليء بالآلام التي تثير الخوف من المستقبل، فهل نستطيع أن نتخلص من آلامنا حتى لا نستصحبها معنا في القرن القادم.

د- الصراع بين اليهود والمسلمين:

ولا نستطيع أن نغفل هذا النوع من الصراع، المعروف الخطوات، الواضح القسمات، الذي يزداد فيه العرب كل يوم -بفعل أنفسهم- تشرذما، وتزداد فيه إسرائيل -بفعل الأعداء- تمكينا، وقد أسفر هذا الصراع -أخيرا- عما أسموه -ظلما- السلام، وما هو في الواقع إلا استسلام يطلبه العرب في كل يوم، وتتمنع إسرائيل عنه في كل حين، ومع حرص السلطة الفلسطينية على الوصول إلى هذا السلام بأي ثمن إلا أن الصلافة الإسرائيلية تأبى ذلك وتصر على تمزيق كل ورقة تمنع استعادة الأرض، وتعمل على أن تظل الأرض المرتجعة تحت سيطرتها أمنيا، لتظل لها الهيمنة والسطوة التي تستطيع بها أن تفعل ما تشاء.

وإلى جانب هذه الألوان من الصراع التي تطوق عالمنا العربي والإسلامي تجد الاستعداد التام بين البشر لمزيد من الصراع، ومزيد من العنف والتدمير القائم على إيجاد الأسلحة النووية وانتشارها بعد تمزق الاتحاد السوفييتي السابق، ومحاولة دوله التخلص من الترسانة العسكرية لمواجهة العجز الاقتصادي … وأدى انتشار هذا النوع إلى انتشار نوع آخر من الأسلحة أقل تكلفة وأكثر انتشارا بين الدول هو الأسلحة البيلوجية التي يمكن لأي دولة أن تحصل عليها وأن تستعملها ضد غيرها، ما دام هذا العالم أمسى غابة يدب في ظلامها الأقوياء على جثث الضعفاء.

تلك كانت أهم ألوان الصراع بين البشر، ألقينا عليها نظرة خاطفة، قبل أن نلقي كذلك نظرة سريعة على أهم ألوان الصراع مع القيم.

 

2- صراع البشر مع القيم الأخلاقية:

محاولة التفلت من الضوابط الأخلاقية، والقيم السلوكية، والفضائل الإنسانية محاولة قديمة قدم الإنسانية، وقد كانت من مهمات المرسلين رد الناس إلى هذه القيم والفضائل بالترغيب والترهيب، فكلما عتا البشر، فتجبروا في الأرض وعبدوا غير الله، وخرجوا على منهج رسوله أرسل الله لهم رسولا جديدا يبلغهم دعوته، ويردهم إلى طاعته، ويحضهم على الدخول في دائرة الأخلاق، التي تحمي سائر البشر من الوقوع تحت سطوة الاعتداء على الآخرين، إن أمنوا العقاب البشري، وتساعد هذه الأخلاق على غرس المعاني النبيلة بين الناس، بحيث يكف البشر أنفسهم عن الظلم والعدوان بنفس القدر الذي يحاولون به أن يردوا عن أنفسهم البغي والشر.

وقد كان للجانب الخلقي ركن ركين في الرسالة الخاتمة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، حتى كأن هذا الركن الأصيل هو الهدف الكبير من رسالة الإسلام فقال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”

ومع أهمية هذا الركن في استقامة الحياة البشرية إلا أن الناس يتفلتون منه، وينحرفون عنه، وينجرفون في تيارات الشهوات والأهواء إرضاء لنفوس انحرفت، وأمزجة التوت.

ومن مظاهر هذا الانحراف الذي نراه اليوم:

أ- الإيدز:

ذلك الاسم الكريه الذي ينفر منه الناس ويفرون من المصاب به فرارهم من الأسد، لإحساسهم بالخطر المميت، والوحش المهلك، الذي يحمله من أصيب بهذا الداء الوبيل، من جراء كسب يده، ودناءه نفسه، واتباعه شهوته القاتلة، التي تورده موارد الهلاك.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم -وأعوذ بالله أن تدركوهن- لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم..” الحديث.

وقد سرى طاعون العصر بين الناس حتى لا تكاد تجد بلدة تسلم من شره وخطره وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد المصابين حاليا بهذا الداء بما يقرب من 30 مليون شخص، ينتظر أن يزيدوا مع نهاية القرن إلى 40 مليون شخص، وتقدر عدد الإصابات اليومية بحوالي 16 ألف حالة منهم 1600 طفل، وترسم التوقعات صورة مخيفة لهذا المرض في المستقبل، خاصة مع استعصائه على العلاج بعد أن أنفق العالم لمقاومته ما يقدر بـ 175 مليار دولار حتى الآن، دون تقدم يذكر، اللهم إلا ثبات بعض أرقام الإصابة به في بعض البلدان، وقد بلغت حالة الإصابة الرسمية بهذا المرض في سنة 1997م 1.736.958 إصابة، وتقول مقررة لجنة التوعية والإعلام بالحملة الوطنية لمكافحة الإيدز: إن الأمهات المصابات بالإيدز سيلقون حتفهم خلال 5-10 سنوات تاركين خلفهم حوالي 5 ملايين طفل، وتذكر أن الإيدز مرض يعتمد على السلوك الشخصي، وأن تحسين سلوك الفرد كفيل بانحسار هذا المرض، ويقول الدكتور محمد زكريا مطر: “ويأتي العلم من الغرب ليؤيد ما جاء به الإسلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا، ويثبت من خلال بحوثه بالدليل القاطع انه علاج للإيدز، ولا نجاة منه إلا باتباع أوامر الإسلام وتجنب نواهيه، والالتزام بمبادئه، فالحل الأمثل لكارثة الإيدز هو باتباع مبادئ العفة والطهارة، فذلك هو العلاج الشافي والناجح ولا علاج غيره”. (المجتمع العدد 1292 ص53).

الدين الإسلامي حدد صلة الإنسان بربه بالعبودية، وصلته بالكون من حوله بالتسخير والتعمير لا بالقهر والصراع.

ب- التفكك الأسري:

الأسرة خلية المجتمع الأولى،التي بتماسكها يتماسك المجتمع وبانفراط عقدها يتفكك ويتحلل، ولا ينفرط عقد الأسرة إلا إذا دبّ إليها الشقاق والخلاف وتمزقت بين أفرادها رابطة الحب، فلم تعد تجمع المتقاربين، وبدأ كل عضو من أعضائها يأخذ طريقه في اتجاه مضاد للآخرين. وحين يحدث ذلك تكون أبواب الشر قد فتحت أمام هؤلاء، فقد يصبحون مشردين، وقد يصبحون مدمنين، وقد يصبحون لصوصا آثمين، يبثون في المجتمع شرورهم، وقد تسير الفاحشة في ركابهم، فيجنون بتصرفاتهم على الأخلاق والفضائل، وينشرون الإثم والفسوق والعصيان.

وآثار التفكك الأسري لا تقف عند حد، فكثير من جرائم السرقات، والمخدرات، والاغتصاب، والتعدي على المال العام، مردها إلى التفكك الأسري والتنشئة غير السويّة، وليس من غرضنا التصدي لهذا الموضوع بقدر ما نود أن نشير إلى أن هذا السبب واحد من أهم العناصر التي تدفع إلى التحلل من الأخلاق والدخول في صراع مع القيم والفضائل.

ولا يقف الصراع الإنساني عند صراع البشر مع بعضهم أو صراعهم مع القيم التي تحفظ عليهم حياتهم وإنما يتخطى هذين النوعين إلى نوع ثالث هو:

3- صراع البشر مع الكوارث الكونية:

وهو ما يسميه غير المسلمين ثورة الطبيعة، ويجعلون التغلب على آثار هذا الصراع نوعا من قهر الطبيعة واستغلالها واستخراج كنوزها، وكف شرها، بينما يرى المسلمون أن هذه الطبيعة مخلوقة لله وأن الله سخرها للبشر واستعمرهم فيها، وأمرهم بالمشي في مناكبها، واستخراج مكنوناتها التي أودعها الله فيها وساقها رزقا للناس، والمسلمون يعتبرون ما يحدث من خروج للطبيعة على مألوفها إنما هو من أقدار الله التي يسوقها لعباده امتحانا وابتلاء لعلهم يتعظون ويعتبرون. وقد أخبر الله بذلك في قوله: “ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله” وتتنوع هذه القوارع التي تصيب البشر ما بين جفاف وتصحر، إلى فيضانات مغرقة وسيول طينية عجيبة تغطي قرى بأكملها وتطمسها من الوجود، ومن حرائق في الغابات تستمر أياما وأسابيع إلى تفجيرات نووية، إلى نضوب للخيرات في باطن الأرض، إلى تلوث بيئي خطير يهدد حياة الكائنات وينشر ألوانا من الأمراض والأخطار التي يستعصي شفاؤها، ومن الزلازل والبراكين إلى اختراق في طبقة الأوزون، وكل هذه أمور ما زالت عالقة بالحياة الإنسانية فهل ستبقى معها وتنتقل إلى القرن القادم؟ وسنشير إشارة عابرة إلى بعض الآيات الجارية في الكون حولنا لنعتبر ونتعظ ونعمل على تسخير هذا الكون بحسب ما أراده الله، دون أن يقر في أذهاننا قهر الطبيعة أو غير ذلك من صور التغلب والصراع.

أ- التصحر آفة الزرع والضرع:

زحف الصحراء نحو الأرض الزراعية واستقطاع أجزاء منها لا يمكن زراعتها هو ما يطلق عليه التصحر، وهو يسير ببطء ويزحف بتؤدة، ولكنه يلتهم ما يلتهم من الأراضي الزراعية ويأخذها من أيدي البشر، وقد أخذت هذه الظاهرة تلتهم نحو 70% من الأراضي الجافة المستخدمة في الزراعة في العالم وتبلغ مساحة هذا النوع من الأراضي 5.2 مليار هكتار ويكلف التصحر العالم 42 مليار دولار سنويا، ويتعرض لخطر العيش بسبب هذه الظاهرة أكثر من مليار نسمة ويواجه أكثر من 135 مليون شخص النزوح من أراضيهم مهاجرين إلى بلاد أخرى، قد لا تقبلهم ولا ترحب بهم، فما مصير هذه الملايين؟

ولبيان أهمية هذه الظاهرة نذكر بعض مظاهرها في العالم العربي:

تبلغ المساحة الأرضية للوطن العربي حوالي 13.69 مليون كيلو متر مربع، يشكل حوالي 10.15% من سكان العالم، ويشير توزيع أراضي الوطن العربي إلى أن 11% فقط من هذه الأرض هي بيئات ملائمة نوعا ما للإنتاج الزراعي يزيد فيها معدل هطول المطر السنوي عن 100 ملم، في حين أن 20% منها مناطق هامشية يتراوح معدل الهطول المطري فيها من 100-400 ملم سنويا، وتعتبر مناطق مهددة بالتصحر، في حين أن 69% من أراضيه مناطق جافة وحادة الجفاف يقل معدل الهطول المطري فيها عن 100 ملم سنويا، وتعتبر مناطق متدهورة أو صحراء.

ويعتبر تدهور التربة وتصحرها من أخطر المشاكل التي تهدد بقاء المواطن العربي في أرضه وعدم هجرته، كما أنه من أخطر المشاكل التي تهدد الأمن الغذائي العربي، خاصة أن أغلب أراضي الدول العربية هي مناطق أكثر تعرضا للتدهور عند استثمار مواردها الطبيعية استثمارا غير رشيد. (الشرق الأوسط – العدد 6424)

ب- حرائق الغابات:

وهذا لون آخر من القوارع التي تصيب الإنسان، فيقف أمامها حائرا عاجزا، يود أن يسلم من شرها الذي يلاحقه حتى بعد أن يبتعد عن أماكنها، وهذا ما حدث في أندونيسيا في بداية هذا الصيف حيث اندلعت النيران في الغابات، وعجز الإنسان عن إخمادها والتصدي لها، وأصبح أكبر همه أن يبتعد عن أضرار الدخان الذي يلاحقه في كل مكان، ويكاد يخنقه ويقضي عليه، هذا فضلا عن أن هذه الحرائق تهديد جديد لم يكن معروفا أو شائعا من قبل لأنها تؤدي إلى إتلاف واختفاء خمسة آلاف من الأصناف الحيوانية والنباتية كل عام، ويشكل ذلك كارثة بيئية حقيقية تلاحق الإنسان وتسبب له الخسائر والبلاء.

ج- الفيضانات المدمرة والأعاصير:

وهي تظهر في مناطق عديدة من العالم لا تستطيع دولة -وإن زادت قوة مقاومتها- التحكم فيها أو الهرب من طريقها، لقد شردت الفيضانات في العام الماضي في غرب الولايات المتحدة الأمريكية وحدها 100 ألف شخص، وزادت خسائر الأعاصير التي تهب على الولايات المتحدة على مئات الملايين من الدولارات. ولم تستطع الولايات المتحدة عمل أي شيء سوى تهجير السكان الذين يخترق الإعصار ديارهم إلى أماكن أخرى لتقلل من الخسائر البشرية وحدها، دون أن تملك وسيلة للتقليل من الخسائر المادية.

فإذا انتقلنا مع الفيضانات إلى شرق آسيا لوجدنا ألف شخص قد قتلتهم الفيضانات في الصين، وشردت ملايين من الأشخاص، وبلغت الخسائر المادية مليارات من الدولارات. وفي بنغلاديش دمرت الفيضانات كثيرا من القرى وكذلك في السودان وفي غير ذلك من الأماكن. وبينما تغرق الفيضانات الناس في مناطق فيموتون، فإن الجفاف في أماكن أخرى يلاحقهم فيموتون كذلك.

إن هذه المؤشرات التي تحدث في الطبيعة ما هي إلا إنذارات للناس ليرجعوا إلى ربهم: “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون”

السنن الإلهية في الكون سنن ثابتة لا تتحول ولا تتغير، من عرفها وأحسن استغلالها سلم ونجا.

د- الزلازل والبراكين:

ومن حين لآخر تسمع عن زلزال هنا وبركان هناك، يهز الديار، ويدمر البيوت، ويخرب العمران، ويدفع بآلاف الناس لينزحوا عن أماكنهم ويتركوا مواطن عيشهم؛ ليعيشوا عبئا على غيرهم، وهناك في العالم 1500 بركان خامد قابل لأن يثور بعضها في أي لحظة ويهدد البشر، ومنذ عام 1980م قتلت البراكين أكثر من 30 ألف شخص، وأرغمت أكثر من مليون شخص على إخلاء منازلهم، وقد كبدت الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات، وثورة البراكين تؤثر بشكل كبير على المناخ العالمي، والعجيب أن العلماء متحيرون لأن البركان قد يخمد قرنا أو قرونا ثم يثور بغير مقدمات، ليدمر ما حوله ويهدد الناس في حياتهم وأرزاقهم.

هـ- نضوب معادن الأرض:

وإلى جانب كل ما تقدم فإننا نجد نضوبا كبيرا في الثروة التي في باطن الأرض، وفي مقدمتها البترول، لقد استنزفت هذه الثروة استنزافا متواصلا في الخمسين سنة الماضية، مما يوحي بأن هذا المخزون الأرضي سوف يكون مجالا للصراع، كما كان في هذا القرن، وقد تزيد حدة الصراع كلما قل المخزون منه، مما يوحي بأن أهيمة هذا المخزون تزداد قيمة وأهمية.

الحــل:

هذه ألوان من الصراع طبعت العقود الأخيرة من القرن العشرين، فهل تنتقل مع الإنسان إلى القرن الحادي والعشرين؟ وكيف يمكن التغلب عليها وتقديم الحل المناسب لها؟

أما انتقالها مع الإنسان إلى القرن القادم فهذا لا شك فيه إن استمر حال الإنسان على ما هو عليه، وأما كيفية التغلب عليها وتقديم الحل المناسب لها فقد شهد به المفكرون الغربيون فبرناردشو يقول: (إن مشاكل العالم الحالية لو اجتمعت أمام محمد صلى الله عليه وسلم لحلها وهو يرتشف فنجانا من القهوة)

وهذا يقيننا بهدي نبينا وثقتنا في الدين الذي جاء به، ليضع ويحدد العلاقة والصلة بين الله والإنسان والكون والحياة، ويبين أن الله خالق كل شيء ورب العالمين، وأنه جعل الإنسان سيدا في هذا الكون، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، وأن هذه الحياة مرحلة في حياة هذا الإنسان الممتدة إلى الدار الآخرة، وأن على الإنسان أن يتبع أوامر الله، التي رسمت التوسط في كل شيء وحققت التوازن في كل أمر، مما يوحي بالاعتدال بين الإنسان والكون وينعكس من الإنسان العابد لله ليتضح في الطبيعة المسخرة بأمر الله وصدق الله إذا قال: “تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية (وإنه لمشهد كوني فريد، حين يتصور القلب، كل حصاة، كل حجر، وكل حبة، كل ورقة، كل زهرة وكل ثمرة، كل نبة وكل شجرة، كل حشرة وكل حيوان وكل إنسان، كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء … ومعها سكان السماء … كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه.

وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه وكلما همت يده أن تلمس شيئا، وكلما همت قدمه أن تطأ شيئا، سمعه يسبح الله، وينبض بالحياة … يسبح بطريقته ولغته ولكن لا تفقهون تسبيحهم … وحين تشف الروح وتصفو فتتسمع لكل متحرك أو ساكن وهو ينبض بالروح، ويتوجه بالتسبيح، فإنها تتهيأ للاتصال بالملأ الأعلى، وتدرك من أسرار هذا الوجود ما لا يدركه الغافلون).

فالعلاقة بين الإنسان والبيئة ليست علاقة صراع، البقاء فيه للأقوى، بل علاقة عبودية لله تستلزم التكامل والاتساق في التوجه إلى الخالق الواحد سبحانه، والسعي في تحقيق مراده.

وقد جعل الله هذا الكون مسخرا للإنسان، يسخره بسنن الله التي خلقها في الكون وجعلها تسير وفق نظام لا يختل ولا يتغير، واستخلف الله الإنسان في الكون ليعمره “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه وجعل الله هذا الاستخلاف أمانة في عنق الإنسان يسير فيه بحسب التكاليف الشرعية “إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ومع هذا التسخير والاستخلاف فإن الأمور مقدرة، قدرها العليم الحكيم يوم خلق السماء والأرض “وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام”.

وهذه الأمور حين يؤمن بها الإنسان ويسلك بها طريقه في الحياة تجعله في تواؤم مع الحياة من حوله، لأن كل ما حوله مسبح لله مسخر للإنسان ينتفع به من غير ضرر ومن غير إحساس بالصراع أو الضياع فيتجنب بذلك الصراع الناشب بينه وبين الطبيعة.

وما عليه في الصراع الناشب بينه وبين القيم إلا أن يلتزم بالأخلاق لتسلم له نفسه من الأمراض والقلق والاضطراب والشقاء: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا قال ابن كثير: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

والالتزام بقيم الحرية والعدل والحق والشورى وغيرها معلم لانتفاء الصراع البشري، الذي لا يقوم إلا على الظلم والبغي والعدوان، وقد جاءت الآية الكريمة الفذة جامعة لكل خير ناهية عن كل شر لتحقق للحياة البشرية العدل والحق في ظل الحرية الكاملة: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

وبعد هذه اللمحات الخاطفة في تشخيص آلام البشر ومحاولة تقديم العلاج لها فإننا ندعو مفكري الإسلام في جميع الفروع المعرفية أن يعملوا على إشاعة الحل الإسلامي لحلول البشر المستعصية وصراعاتهم المتواصلة، وفي ذلك قيام بحق الدعوة وواجبها على المسلمين مع نهاية القرن العشرين، الذي يشهد بأن كل دعوة فيه تصل إلى الأسماع في أي بقعة في الأرض حين ينادي بها المنادي. فهل نجد من علماء المسلمين من يتحقق فيه القول: “ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا”؟

مانشيتات

1-هل تسلم البشرية في القرن القادم من الحروب العالمية والتفجيرات النووية والأخطار البيئية؟

2- أبرز ما تميز به القرن العشرون الصراع بين البشر ومع القيم ومع مظاهر الكون، فبماذا يتميز القرن القادم؟

3- الحاضر مليء بالآلام التي تثير الخوف من المستقبل، فهل نستطيع أن نتخلص من آلامنا حتى لا نستصحبها معنا في القرن القادم.

4- الدين الإسلامي حدد صلة الإنسان بربه بالعبودية، وصلته بالكون من حوله بالتسخير والتعمير لا بالقهر والصراع.

5- السنن الإلهية في الكون سنن ثابتة لا تتحول ولا تتغير، من عرفها وأحسن استغلالها سلم ونجا.