الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين
يجرى في الأمم والجماعات ما يجري على الأفراد، فهؤلاء يتفاوتون في أفهامهم وأعمالهم، أو في تشددهم وتساهلهم، أو فى ترخصهم أو أخذهم بالعزائم فى أمور الدين والدنيا، وأولئك (الجماعات والأمم) يحدث لهم ما يحدث بين الأفراد، فتجد في الجماعة الواحدة هذا التفاوت داخل التيارات الموجودة على الساحة.
والجماعة الواعية، والأمة المتدبرة هي التي تمزج عناصر الخير والقوة المستمدة من جميع التيارات أو من بعضها لتأخذ بهذا المزيج نفسها، وتضعه أمام غيرها، فتكون بذلك قد استمسكت بالوسطية بين التساهل والتشدد، أو بين الافراط والتفريط، وهذه الوسطية تمد في عمر الجماعة أو الدولة، وتعطيها شيئا من المرونة فلا تكون متصلبة فتكسر، ولا لينة فتعصر، وهذا ما أوصى به أبو جعفر المنصور الإمام مالك بن أنس حين أراد أن يؤلف كتابه “الموطأ” فقد قال القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك: “إن أبا جعفر المنصور قال لمالك: ضم هذا العلم يا أبا عبدالله، ودونه كتبا، وتجنب فيه شدائد عبدالله بن عمر، ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود، واقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة” (1).
وهذه وصية رجل الدولة الذي يريد أن يجمع الأمة ولا يفرقها، فهو لا يميل إلى أحد الطرفين، وإنما هو يعمل على الوصول إلى أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة، حتى يظل هذا المحور هو القطب الذي يدور من حوله المتشددون أو المتساهلون، لأنك لن تستطيع أن تجعل كل الناس على وتيرة واحدة، ولا على نمط واحد بعيدا عن الوسط الذي يميل إليه كثير من الناس.
وطالما بقى هذا التوجه (الوسطية) قائما فلا ضير إن اشتد أحيانا بعض الناس في بعض الأمور أو تساهل أحيانا بعض الناس في أمور أخرى، لأن الأغلبية تمزج بين هذا اللين وتلك الشدة، والضرر كل الضرر في أن تميل الجماعة أو الدولة إلى أحد الطرفين، فيختل الميزان ويتأخر البناء والعمران (المادي والمعنوي) وبعض الدول المعاصرة حين اشتدت في أقوالها، وبعض أعمالها اكتسبت عداوة بعض من كانوا لها محبين، ولنجاحها طالبين مستبشرين، فلما عادت إلى الوسطية والاعتدال مالت الكفة إليها، وسعت الدول نحوها، والأمل قريب في صلاح العلاقات بينها وبين غيرها.
والحركات الإسلامية الموجودة اليوم على الساحة يأخذ بعضها نفسه بتغليب الجانب السياسي، على فقه الفروع ويأخذ بعضها الآخر بتغليب فقه الفروع على غيره، وغير هذين الفصلين قد يأخذ نفسه بمبدأ يتشدد فيه أو رأى يتعصب له، ومن ثم تظل هذه الحركات قائمة على أرض الإسلام وكأنها جزر منفصلة لا يصل بينها غير الماء الذي لا يثبت إلا إذا تجمد، وتظل الفرقة بينها كاملة، وهذا الموقف ضرره أعظم من نفعه وغيه أكبر من رشده، لا يرضى به الحريصون على وحدة أبناء الإسلام، فلماذا لا يتم المزج بين هذه الآراء الفكرية بما تقوم عليه من أصول دينية، بحيث تؤدي في النهاية إلى نوع من الوسطية، يختار الناس من بينها ما يشاؤون، بحيث لا يعوقهم عن الوحدة -ولو في الاتجاه- عائق، ولا يمنعهم من الأخذ ببعض بالمبادئ المستخلصة مانع مع المحافظة على الوحدة في الأمة أو في الجماعة بحيث لا يشذ أحد عن الطريق التي تتسع للمسرعين وللمتباطئين، طالما أن الناس فيها يسيرون في اتجاه واحد، أما إن تعاكس اتجاههم فإنك لا تأمن أن يكون بينهم صدام قد يؤدي إلى التعثر والتأخر، وعدم المضي في الطريق.
والمحاولات التي ترد الناس إلى منهج الوسطية بحيث يبتعدون عن التشددات والتساهلات كثيرة وقديمة في تراثنا، وقد قرأنا من قبل جزءا من وصية أبي جعفر المنصور للإمام مالك بن أنس، فلنقرأ أيضا جزءا مما حرص على بيانه الإمام الأوزاعي، يقول: “يجتنب أو يترك من قول أهل الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق خمس“.
من قول أهل الحجاز:
1- استماع الملاهي
2- المتعة
3- ……
4- ……
5- الجمع بين الصلاتين بغير عذر
ومن أقوال أهل العراق:
1- شرب النبيذ
2- تأخير العصر حتى يكون ظل الشيء أربعة أمثاله
3- الفرار من الزحف ..
4- ……
5- ……
وروى عبدالرزاق عن معمر قوله: “لو أن رجلا أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر كان شر عباد الله” (2).
ونعود لنؤكد أن وسطية المنهج هي الطريق القويم وأن وحدة الاتجاه والهدف ينبغي أن تجمع المتفرقين، وتؤلف بين المختلفين، حفاظا على القوة من التبدد وعلى العمل من التبعثر وعلى الجهد من الضياع.
_______________________________________________________
1- موطأ الإمام مالك برواية القعنبي، تحقيق عبدالحفيظ منصور، المقدمة ص9 نقلا عن ترتيب المدارك للقاضي عياض 1/193
2- تلخيص الحبير: لابن حجر العسقلاني ص187

