التفسير الإجمالي للآيات المتعلقة بالبقرة

إن الله يأمركم أن تذبحوا” أخذ منه أن الذبح في البقر: أولى من النحر، لأنه الذي ذكره الله تعالى في كتابه (1).

“بقرة” هي أنثى البقر، مقابل الثور للذكر، وقيل: تطلق عليهما بصفتها واحد البقر، واشتقت من فعل (بقر) أي شق، لأن البقرة -عادة- تبقر بها الأرض، أي تشق، قصد الفلاحة، ومنه سمي الإمام أبو جعفر محمد بن علي زين العابدين بالباقر، لأنه بقر العلم، وعرف أصله، أي شقه (2).

“قالوا أتتخذنا هزؤا”: هذا جوابهم الأول لموسى، فقد سألوا منه أن يدعو الله لهم، ليعرف القاتل، فلما فعل، وأمرهم الله بذبح بقرة، وأجابهم بذلك، فاجأهم الأمر، ولم تستوعبه عقولهم، لبعده عما كانوا يتوقعونه، فحملوه على غير حقيقته، فاتهموه بالهزء بهم لبعد ما بين الأمرين في الظاهر ولم يدروا ما الحكمة فيه (3).
(وهزؤا): معناه: لعبا وسخرية، من هزأ به واستهزأ: سخر، قال الراجز (4)
قد هزئت مني أم طيسله قالت: أراه معدما لامال له
ولفظة (هزؤا) مفعول به ثان لقوله (أتتخذنا)، وهي اسم يدل على المعاني، فلا يمكن أن تخبر عن المبتدأ، وهذا ما يمنع أن تقع مفعولا به ثانيا هنا (لاتخذ)، ولذلك تأولوها على أسس نحوية (5):
– إما بتقدير مضاف، أي مكان هزؤ، أو أهل هزؤ.
– وإما بمعنى اسم المفعول، من باب تسمية المصدر باسم المفعول، أي تتخذنا مهزوءا بنا.
– وإما أن يجعلوا نفس الهزؤ مبالغة مثل رجل عدل، أي جعل الذات نفس المعنى على سبيل المبالغة، وذلك لفرط الاستهزاء.

_______________________________________________________
(1) تفسير القرطبي – ج:1 – ص: 445
(2) نفس المرجع
(3) أبو محمد الحسين أبي مسعود، البغوى تـ (516) هـ معالم التنزيل، نشر: دار طيبة للنشر والتوزيع ج106:1، ط: 2 1414هـ 1993م
(4) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ت(310) هـ جامع البيان في تأويل القرآن ج: 1-ص: 378 – نشر دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان ط: 1412 هـ 1992م.
(5) تفسير البيضاوي، وحاشية الخفاجي – ج: 2 – ص: 283

وقولهم (اتتخذنا هزؤا) إنما هو استبعاد لما قاله، واستخفاف به، وذلك ما يوحي به الاستفهام، أي أتسخر منا؟ فإن جوابك لا يطابق سؤالنا، ولا يليق.
إذ أنهم لما اختصموا، واشتبه أمر القاتل عليهم، ووقع بينهم الخلاف، وسمعوا منه ذلك الأمر بذبح البقرة، وليس في ظاهره جوابا عما سألوا عنه، واحتكموا إليه فيه عنده، قالوا: أتتخذنا هزؤا.

“قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين”: قيل لأن الخروج عن إجابة السؤال إلى الهزء جهل، فاستعاذ منه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لأن الجهل صفة منتفية عن الأنبياء (6)، لأنه نقيض العلم أصلا، إلا أن معناه هنا فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، فنفى عن نفسه ما رمى به على طريقة البرهان، والكناية، لأن مقام التبليغ والارشاد مقام شريف، لا يليق فيه الهزء، لأنه حينئذ جهل وسفه، فصدر نفيه ذلك عن نفسه في صورة استعاذة، استفظاعا له واستشناعا إلى درجة أنه استعاذ بالله منه (7) .
ونفيه أن يكون من الجاهلين: أبلغ من أن يقول إنه غير جاهل، إذ المعنى أنه ليس من زمرة معروفة بذلك، فالمقصود الابتعاد عمن ذلك وصفهم.

قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟” هذا تعنيت منهم وقلة طواعية، فلو امتثلوا الأمر كما هو وذبحوا أي بقرة لحصل المقصود، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم(8).
والمقصود بيبين: أي يظهر.
أما عبارة (ماهي) فهو سؤال عن ماهية الشيء، أي حقيقته وذاته التي هو عليها، والمعنى: ما حالها؟ ما صفتها؟
والأصل في (ما) أن يستفهم بها عن الصفة، فعندما نقول: ما زيد؟ فنعني ما صفاته، أي من كرم أو فضل مثلا، ومعلوم عند البلاغيين أن السؤال عن الصفة إنما يكون (بكيف) أو (أنى) ولم يسأل بهما هنا، لأنهم لما رأوا ما أمروا بذبحه، ليحيا الميت بضربه ببعضه، رأوا أنه لا يوجد في جنس البقر شيء بتلك الحال يعمل هذا العمل، فسألوا عن حالها وحقيقتها بما يسأل به عن الحقيقة في الغالب وهوما (9).

“قال إنه يقول” فيه إشارة إلى أن الأمر من عند الله، لا من عند نفسه.

_______________________________________________________
(6) الترطبي – ج: 1 – ص: 449
(7) حاشية الخفاجي ج:2 – ص: 283
(8) القرطبي ج:1 – ص: 449
(9) البيضاوي والخفاجي ج: 2 – ص: 284

“إنها بقرة لا فارض” الفارض: المسنة الهرمة، وقد فرضت -بضم الراء وفتحها- فروضا: أسنت، وكل قديم طال أمره: فارض، قال الراجز (10):
شيب أصداغي فرأسي أبيض محامل فيها رجال فرض
أي: هرمى
وقال خفاف بن ندبة يقصد العباس بن مرداس
لعمري لقد أعطيت جارك فارضا تساق إليه ما تقوم على رجل
وقال آخر (11):
يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقروء الحائض
أي قديم
ولفظه (فارض) مشتقة من فرض بمعنى: قطع:
إما لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها. أو لقطعها الأرض بالعمل(12)
“ولا بكر”: للبكر في اللغة عدة معان (13)
قيل الفتية الحديثة السن، كالفتاة في النساء
وقيل البكر الصغيرة التي لم تحمل.
وقيل التي لم يفتحلها الفحل، أي لم يطرقها.
والبكر من الأولاد: الأول، قال الشاعر:
يا بكر بكرين ويا خلب الكبد أصبحت مني كذراع من عضد
وقوله تعالى: (لا فارض ولا بكر) صفتان للبقرة، ولم يؤت بالتاء فيهما، لأمن اللبس، مثل حائض ومرضع.
واعترضت (لا) بين الصفة والموصوف وكررت، لوجوب ذلك مع النعت.
“عوان” نصف، متوسطة السن، لا هي صغيرة ولا هي مسنة (14) .
وقيل هي التي قد ولدت بطنا، أو بطنين (15) وهي أقوى ما تكون من البقر، وإذا كان هذا مدحا في البقر، فقد قالوا إنه عيب في الخيل (16)
قال الشاعر يصف فرسا:
كميت بهيم اللون ليس بفارض ولا بعوان ذات لون مخصف
وتطلق كلمة (عوان) على النساء، وتجمع على عون، قال الطرماح:
طوال مثل أعناق الهوادي نواعم بين أبكار وعون

_______________________________________________________
(10) القرطبي ج: 1 – ص: 449 – الكشاف ج: 1 – ص: 148
(11) القرطبي ج: 1 – ص: 449 – الكشاف ج: 1 – ص: 148
(12) الخفاجي ج: 2 – ص: 248
(13) القرطبي ج: 1 – ص: 448 والخفاجي ج: 2 – ص: 448
(14) الألوسي ج: 1 – ص: 453
(15) الألوسي ج: 1 – ص: 453
(16) القرطبي ج: 1 – ص: 449

وحرب عوان إذا كان قبلها حرب بكر (17) قال زهير:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ضروس تهز الناس أنيابها عصل

“بين ذلك” أي بين الفارض والبكر، ولذلك أضيفت (بين) إليه، لأنها لا تضاف إلا إلى متعدد، أي عوان بين ذلك وهذا أي بين الفارض والبكر (18)
وأشير بكاف الخطاب، وهو يدل على الإفراد والتذكير إلى (ما ذكر) من الفارض والبكر معا، وذلك للاختصار في الكلام.

“فافعلوا ما تؤمرون”: أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به، على حذف الجار والمجرور، وهو (به) على تقدير أنه عائد الموصول المنصوب بفعل، أي ما تؤمرون (19). وهذا تجديد للأمر، وتأكيد، وتنبيه على ترك التعنت (20)، أي اذبحوا البقرة ولا تكرروا السؤال، ولاتتعنتوا، وهذه الجملة إما من كلام الله تعالى أو من كلام موسى (21)

“قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها” اللون واحد الألوان، وهو هيئة، كالسوادوالبياض والحمرة.
والتلون: التنوع، وفلان متلون إذا كان لا يثبت على خلق واحد، وحال واحد قال الشاعر:
كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل (22)

“قال إنه يقول إنها بقرة صفراء”: أجمع جمهور المفسرين، على أنها صفراء اللوان بالصفرة المتعارف عليها، أي أن الصفرة على ظاهرها، وهو رأي ابن عباس وقتادة، وجل اللغويين (23).
والقول الثاني، وهو مرجوح، أن المقصود بالصفرة السواد، وهو مروي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى، (24) واستدل أصحاب هذا القول ببيت الأعشى:
تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفرا ولادها كالزبيب

_______________________________________________________
(17) القرطبي ج: 1 – ص: 449
(18) الألوسي ج: 1 – ص: 453
(19) البيضاوي والخفاجي ج: 2 – ص: 286
(20) القرطبي ج: 1 – ص: 450
(21) الألوسي ج: 1 – ص: 455
(22) القرطبي ج: 1 – ص: 450
(23) القرطبي ج: 1 – ص: 450
(24) ابن الجوزي ج: 1 – ص: 83، والزمخشري ج:1 – ص:150

قالوا وأعز ألوان الإبل عندهم سواد ترهقه صفرة.
وقد رد هذا الرأي من عدة أوجه (25)
– أن الأول هو الظاهر، والمتعارف في اللفظ، فلا يعدل عنه بدون سبب.
– أن استعمال الصفرة بمعنى السواد: شاذ، لا يستعمل إلا مجازا في الإبل، قال تعالى: “كأنه جمالاٌتٌ صفر”، لأن سواد الإبل تشوبه صفرة.
– لو أريد السواد لما أكد بالفقوع الذي هو نعت مختص بالصفرة ولايوصف به السواد ، وليس من تأكيدات الألوان المعروفة عند العرب، وهي (26):
أصفر: فاقع
أسود: حالك وحائك وحلكوك ودجوجي وغربيب وحانك
أبيض: يقق ولهق ولهاق وناصع
أحمر: قان وذريجي
أخضر: ناضر ومدهام
أورق: خطباني
أرمك: رداني
وينبه كثير من المفسرين هنا (27) -رواية عن عبدالله بن عباس- إلى أن الصفرة لون سار ويروى عن علي رضي الله عنه أنه كان يرغب في النعال الصفر، وأنها مدعاة للسرور.
ورووا أن عبدالله بن الزبير كان ينهى عن النعال السود، ويقول إنها تبعث على الغم، والله تعالى أعلم.

“فاقع لونها”: أي خالص لا لون فيها سوى لون جلدها (28) والمقصود به هنا نصوع الصفرة وخلوصها (29).
وهو تأكيد للصفرة بيانيا، والفائدة من ذكر اللون: التأكيد، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها (30) أو كأنه قيل: صفراء ولونها شديد الصفرة (31) من قبيل: جد جده، وقد ورد وصف الصفرة بالفقوع، كما ورد لفظ فاقع بعد صفراء غير مؤنث، قال الشاعر:
وإني لأسقي الشرب صفراء فاقعا كأن ذكي المسك فيها يفتق

_______________________________________________________
(25) القرطبي ج: 1 – ص: 450
(26) الزمخشري: ج: 1 – ص: 150، القرطبي ج: 1 – ص: 450، ابن الجوزي ج: 1 – ص: 83
(27) القرطبي ج: 1 – ص: 450، الألوسي ج:2 – ص: 457
(28) القرطبي ج: 1 – ص: 450
(29) الخفاجي ج: 1 – ص: 287
(30) الزمخشري ج: 1 – ص: 69
(31) الألوسي ج: 1 – ص: 456

وفي إسناد الفقوع إلى اللون مع أنه من أحوال الملون لملابسته: ما لا يخفى من تأكيد على أن (لونها) فاعل لا مبتدأ كما يتبادر إلى الوهم، وقد جوز ذلك بعضهم(32).

“تسر الناظرين”: أي تعجب الناظرين، وذلك من جهتين :
في سمتها .
ومنظرها .
قال وهب بن منبه: كان شعاع الشمش يخرج من جلدها (33)، أو هي شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد (34) .
والسرور، الفرح، ولذة في القلب عند حصول النفع، أو توقعه أو رؤية أمر معجب رائق، أو دفع مضرة ما .
واستعمال السرور بمعنى الاعجاب، للزومهَ غالبا: مجاز (35)

“قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟” سؤال رابع بعد أن بين لهم البيان اللازم ولم يمتثلوه.
وجملة (ماهي) تكرير للسؤال الماضي عن حالها وصفتها واستكشاف زائد لأوصافها، ولزيادة البيان.

“إن البقر تشابه علينا”: أي أن جنس البقر الموصوف بالتعوين والصفرة تشابه علينا، لكثرته، فميز لنا هذه البقرة، وجلها لنا .
ووجوه البقر: تتشابه ، يقول القرطبي (36): ومنه حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر (فتنا كقطع الليل تأتي كوجوه البقر)، يريد أنه يشبه بعضها بعضا.
والدليل على أن لفظة (البقر) هنا تدل على الجمع أنه لم يقل في النظم إن البقر تشابهت، إيذانا بأن النعوت صادقة على سائر أفراد الجنس .
وفي قولهم “إن البقر تشابه علينا” تعليل لقوله تعالى “ادع لنا ربك”، كما فيه نوع من الاعتذار عن تكرير السؤال (37)

_______________________________________________________
(32) البيضاوي، والخفاجي ج: 2 – ص: 486
(33) القرطبي ج: 1 – ص: 451، ابن كثير ج: 1 – ص: 115
(34) ابن كثير ج: 1 – ص: 115
(35) الخفاجي ج: 2 – ص: 288
(36) ج: 1 – ص: 452
(37) الألوسي ج:1 – ص: 457

“وإنا إن شاء الله لمهتدون”: أي إلى عين البقرة المأمور بذبحها .
أو إلى أمر القاتل .
أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا .
فهذا إنابة وانقياد منهم ودليل ندم على عدم موافقتهم الأمر (38)
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا معضلا وسعيد عن عكرمة مرفوعا مرسلا، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعا موصولا: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد) (39)
وتقدير الكلام: وإنا لمهتدون إن شاء الله، فقدمت المشيئة على الاهتداء اهتماما بها (40)
وعبارة (إن شاء الله) تسمى استثناء، لصرفها الكلام عن الجزم وعن الثبوت في الحال، من حيث التعليق على ما لا يعلمه إلا الله.
ورغم أن الصيغة، صيغة شرط، فهي تؤدي معنى الاستثناء، فقولك مثلا: لأخرجن إن شاء الله، يؤدي معنى قولك: لا أخرج إلا أن يشاء الله (41).

“قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول”: لا ذلول نعت بقرة، ومعناها: لم يذللها العمل، أي بقرة صعبة غير ريضة، لم تذلل بالعمل، يقال: بقرة ذلول بينة (الذل) بالكسر، أي لم تستعمل بإثارة الأرض للحرث، كما يقال في الآدميين رجل ذلول، بين (الذل) بضم الذال (42)
و(لا) بمعنى (غير) فهي صفة لبقرة، لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها على ما بعدها (43)

“تثير الأرض”: تحركها وتقلبها للزراعة، من أثاره إذا هيجه، ومنه قوله تعالى: “وأثاروا الأرض” أي قلبوها للزراعة، وجملة تثير صفة لبقرة، أي بقرة لا ذلول مثيرة، وهذا أصح من كونها جملة مستأنفة (44)

“ولا تسقى” أي لا يسنى بها لسقي الزرع، ولا يسقى عليها.
والفعلان: تثير، وتسقي، صفتان لذلول: كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
_______________________________________________________
(38) الألوسي ج:1 – ص: 457
(39) نفس المرجع، ثم ابن كثير ج: 1 – ص: 115
(40) القرطبي ج: 1 – ص: 452
(41) الخفاجي ج: 2 – ص: 290 بتصرف
(42) القرطبي ج: 1 – ص: 453
(43) الخفاجي ج: 2 -ص: 290
(44) القرطبي ج: 1 – ص: 453

“الحرث”: ما زرع وحرث
“مسلمة”: – أي سلمها الله تعالى من العيوب، وهذا التفسير هو الأشهر عن ابن عباس وغيره
– أو سليمة القوائم لا أثر فيها للعمل.
– أو أن لونها خالص لا يشوب صفرته لون آخر، وعلى هذا القول، فعبارة (لاشية فيها) توكيد له.
– أو مطهرة من الحرام لا غصب فيها ولا سرقة.
“لا شية”: لا لمعة في لونها من لون آخر، غير الصفرة، فهي صفراء كلها، حتى قرنها وظلفها.
والشية: مصدر وشيت الثوب: نسجته على لونين مختلفين، وشيا، فحذفت فاء الكلمة على غرار ما فعل في: عدة وزنة وصلة، ومنه قيل للنمام: واش، إذا غير كلامه وزينه.
ومن التوابع المعروفة في هذا المجال:
فرس أبلق
كبش أخرج
تيس أبرق
غراب أبقع
ثور أشيه، كل ذلك بمعنى البلقة (45)
“قالوا الآن جئت بالحق”: الآن بقطع ألف الوصل، كما يقال: يا ألله، وحكى فيه التسهيل، وهي ملازمة للبناء على الفتح، ولا تجرد من الألف واللام، بل استعمالها بغيرهما: لحن وتقتضى الحلل، وتخلص له المضارع غالبا.
وآل فيها للحضور عند بعض .
وزائدة عند بعض.
وسبب بنائها:
تضمنها لمعنى الإشارة
أو لتضمنها معنى أل التعريفية (46).
وجئت بالحق: أي بينت الحق، أي الحقيقة، حيث ميزت البقرة من جميع ما عداها، ولم يبق لنا فيها اشتباه، واختلفوا في دلالة (الحق) هنا (47) .
فقيل حقيقة الوصف والبيان التام الذي تحققتنا به البقرة .
وقيل حقيقة البقرة نفسها لبيان مشخصاتها.
وقيل الحق بمعنى الأمر المقضي، أو اللازم .
وقيل بمعنى القول المطابق للواقع.
_______________________________________________________
(45) القرطبي ج: 1 – ص: 453، والألوسي ج: 1 – ص: 460
(46) الألوسي ج: 1 – ص: 460، الخفاجي: ج: 2 – ص: 292
(47) الألوسي ج: 1 – ص: 460، الخفاجي: ج: 2 – ص: 292

ولم يريدوا أن ما سبق لم يكن حقا، بل أرادوا أنه لم يظهر لهم الحق به كحال الظهور.
وقال قتادة: الحق هنا مقابل الباطل، أي أن ما جئت به من قبل كان باطلا -أي عندهم- فكفروا به، وقد ضعفوا هذا القول (48)

“فذبحوها”: في هذه العبارة بعد بلاغي، هو الاختصار، أي فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف السابقة، وحصلوها، فذبحوها .
والفاء الداخلة على الفعل هنا، تسمى: الفاء الفصيحة، وهي عاطفة على محذوف، أي أن الذبح لا يمكن أن يكون بمجرد الأمر به، والمحذوف دل عليه الذبح، كما في قوله تعالى: “فانفجرت” أي فضرب فانفجرت (49).
وقد اضطربت الأقوال في كيفية الحصول على هذه البقرة، ولم يرد في الصحيح من ذلك شيء:
– فقيل اشتريت بملء جلدها ذهبا وثمن مثلها يومئذ ثلاثة دنانير.
– وقيل كانت وحشية واستطاعوا القبض عليها.
وقد علل بعض المفسرين تعيين البقرة بالذات لاحياء هذا الميت بأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يريدونه من تعظيمه (وأشربوا في قلوبهم العجل) ثم بعدما تابوا أراد الله أن يمنتحنهم بذبح ما حبب إليهم ليكون حقيقة لتوبتهم (50)

“وما كادوا يفعلون” اخبار عن: تثبيطهم في ذبحها. وقلة مبادرتهم إلى أمر الله. وهو استثقال لاستقصائهم. واستبطاء لهم. وأنهم ما كادت تنتهي أسئلتهم، وخيط إسهابهم فيها، وتعمقهم، وذلك لتطويلهم المفرط، وكثرة استكشافهم (51).
وقد سمى البلاغيون هذا الأسلوب بالاعتراض التذييلي، وهو كناية عن كل ما ذكر، مما يدل على التباطؤ في امتثال أمر الله سبحانه وتعالى.
وكنى عن الذبح بالفعل، أي وما كادوا يذبحون، والمعنى أنهم ما قاربوا ذبحها حتى انقطعت تعللاتهم فذبحوا كالملجأ أو للائتمار (52).

_______________________________________________________
(48) الألوسي ج: 2 – ص: 460
(49) نفس المرجع، ثم الخفاجي ج: 2 – ص: 292
(50) الألوسي ج: 1 – ص: 461
(51) الزمخشري ج: 1 – ص: 288
(52) الألوسي ج: 1 – ص: 461

وقد وردت عدة تعليلات في بطئهم عن الذبح، قال ابن كثير: (53) راويا عن الضحاك، عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها، يعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة، والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد.
وفي هذا ذم لهم وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت فلهذا ما كادوا يذبحونها، وقد استصوب ابن كثير هذا التعليل دون غيره من التعليلات الأخرى مثل:
– غلاء ثمنها
– الخوف من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم

“وإذ قتلتم نفسا”: أي شخصا أو شخصا ذا نفس. وقد نسب القتل إلى الجماعة، وذلك:
إما لوجود القاتل فيهم، وكانت العرب تنسب الأشياء إلى القبيلة إذا فعل فرد منهم ما يذمون به أويمدحون.
وقيل فيه إشارة إلى الكل، حيث تورطوا جماعيا، فقد روى أنهم اجتمعوا على قتله، فنسب القتل إلى ضمير الجمع (54)
وهذا كما اسلفنا بداية القصة.
“فادارأتم فيها” أصله من الدرء، وهو الدفع، والمعنى: اختلقتم وتنازعتم واختصمتم،
لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا، أي يدفعه ويزحمه وله وجهان:
إما مستعمل في حقيقته، بأن طرح كل منهم قتلها عن نفسه إلى صاحبه، فكل
واحد منهم يدفع عن نفسه التهمة .
أو يدفع صاحبة عن البراءة إلى التهمة.
أو هو كناية عن الاختلاف والاختصام على سبيل الكناية مجازا، إذ الدفع من روادف الاختصام ولوازمه، وهذا القول رجحه بعض المفسرين (55).
والضمير في (فيها) عائد على التهمة أو القتلة المفهومين من السياق.

“والله مخرج ما كنتم تكتمون”: أي مظهر لا محالة ما كنتم تغيبون من أمر القاتل والقتيل والجملة الأسمية هنا تفيد تأكيد الحكم وتقويته.
كما أن اعتراضها أيضا يفيد أن كتمان القاتل لا ينفعه وأنه سيظهر لا محالة، وهو نوع من التقريع (56)

_______________________________________________________
(53) ج: 1 – ص: 116
(54) الألوسي ج: 1 – ص: 462
(55) الألوسي ج: 1 – ص: 462
(56) الخفاجي ج: 2 – ص: 294

قالوا وعلى القول أنه قتله طلبا لميراثه، فلم يرث قاتل عمد من حينئذ ، وقد روى القرطبي عن الموطإ أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه كانت السبب في ألا يرث قاتل، ثم ثبت الإسلام ذلك (57)
ولم يرد نقل صحيح في القاتل، ففيه أقوال ذكرها المفسرون، فليرجع إليها من أراد الاطلاع عليها (58)

“فقلنا اضربوه ببعضها”: وهو أي عضو من أعضائها على الأشهر، ولم يأت من طريق صحيح بيانه ولا داعي إلى تتبع الأقوال فيه لكثرتها (ستة أقوال) (59)
وفي التعبير (ببعضها) إيماء إلى أنه لا فائدة من تعيينه(60)
فلما ضرب به حيي وأخبر بقاتله، ثم عاد ميتا كما كان، فحصلت المعجزة، وخرقت العادة.
والضمير في اضربوه، راجع:
إلى النفس، وذكر على أنه مؤول بالشخص .
وإما إلى القتيل لأنه دل عليه: ما كنتم تكتمون.

“كذلك يحيي الله الموتى”: في النظم حذف يدل عليه السياق، وذلك السياق هو الإشارة، لأن (كذلك) اسم اشارة إلى مدخول الفاء وهو الحياة الحاصلة بالضرب، أي (فضربوه فحيى) و في هذه الحالة حذفت الفاء الفصيحة (61).
وقد نبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى، بما شاهدوه من أمر القتيل، فكما أحيى هذا القتيل بعد موته، يحيي كذلك من مات، إذ أن من قدر على إحياء نفس: قدر على إحياء الأنفس كلها.
والخطاب موجه لمن حضروا حياة القتيل، أي وقلنا لهم (كذلك يحيي الله الموتى) يوم القيامة.
ويمكن أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

_______________________________________________________
(57) القرطبي ج: 1 – ص: 456
(58) ابن الجوزي ج: 1 – ص: 86
(59) ابن الجوزي ج: 1 – ص: 86
(60) الألوسي ج: 1 – ص: 464
(61) الخفاجي ج: 2 – ص: 295

“ويريكم آياته”: جمع آية، أي قدرته وعلاماته ودلائله على أنه تعالى قادر على كل شيء، والتعبير بجمع الآيات إنما هو لاشتماله على أمور بديعة من:
– ترتب الحياة على الضرب بعضو ميت.
– إخبار الميت بقاتله.
– ما يلابس الأمر من المسائل الخارقة للعادة.
– صدق موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
– براءة من لم يكن قاتلا.
– تعين التهمة على من باشر القتل.

“لعلكم تعقلون”: لتعقلوا الحياة بعد الموت، والبعث، والحشر، فهو قادر جل جلاله على إحياء جميع الأنفس، قال تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ). وقيل لعلكم تمتنعون من عصيانه (62)

انتهى التفسير الاجمالي بحمد الله تعالى وعونه

_______________________________________________________
(62) الألوسي ج: 1 – ص: 464

تلخيص للفوائد التربوية المسخلصة من القصة

أولا: ينبغي أن نتقبل أوامر الوحي كما هي، ولو كانت مداركنا العقلية لا تستوعبها.
ثانيا: في الصدود عن أوامر الوحي، والبحث عن عللها وأسبابها: مدعاة إلى غضب الله سبحانه وتعالى، وعقوبته، وهكذا كلما جاء سؤال جديد وإعراض كلما جاء تكليف جديد.
ثالثا: إذا جاءت الأوامر مخالفة لهوى الإنسان، فيجب أن يتقبلها، لأنها قد تكون امتحانا له.
رابعا: يقول القرطبي (63): قولهم (أتتخذنا هزوا) هذا القول يدل على فساد اعتقاد من قاله .. ولا يصح إيمان من قال له نبي ظهرت معجزته: إن الله يأمرك بكذا: أتتخذنا هزؤا، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره.
خامسا: في الآية دليل على أن الجهل قبيح ومفسد للدين (64)
سادسا: فيه دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين، وكل من يجب تعظيمه، وفي ذلك وعيد (65)
سابعا: التعمق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم، وقد يفضي إلى نتائج غير محمودة.

تحليل مفصل للجوانب التربوية والسلوكية في القصة

لقد ورد في القصة طرفان (66):
أحدهما: مرب، موجه، معلم، كأحسن من يربي ويوجه ويعلم، يسوس السائلين بحكمة ويوجههم إلى امتثال أوامر الله تعالى صابرا على أذاهم واتهاماتهم وتنطعاتهم في الأسئلة، وتعنيتهم.
ثانيهما: طرف متنطع متعنت، لا يقتنع بأي توجيه وكلما وجد إجابة استفسر استفسارا آخر.

_______________________________________________________
(63) ج: 1 – ص: 447
(64) نفس المرجع
(65) نفس المرجع
(66) استخرج هذا التحليل أساسا من الظلال في تفسير قصة البقرة ج: 1 – ص:

النماذج التربوية والسلوكية في إجابات موسى على نبينا وعليه السلام

1- اسناد الأمر لله تعالى وأنه ليس من عنده، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام يفعلون حيث كانوا أمناء في تبليغ ما يوحى عليهم.
وفي هذا فائدة عظيمة للدعاة اليوم، حيث ينبغي أن يبتعدوا في دعوتهم عن الاعتماد على الأفكار الوضعية عند توجيه الناس ودعوتهم للإسلام، بل عليهم أن يقفوا عند نصوص الوحي المعصومة.
2- مقابلة الاتهام بحكمة (قالوا أتتخذنا هزؤا)، فنفى تلك التهمة عن طريق الاستعاذة.
وهكذا كل داعية عليه أن يعتمد على الله، ويسأله أن يعيذه مما يرميه به أعداء الإسلام.
3- الصبر الدائم، حيث لم يصدر من موسى على نبينا وعليه السلام ما يتناسب مع سلوكهم الشاذ.
وهكذا ينبغي أن يكون المربي الناجح في مواجهة من يبتليه الله بهم، من السفهاء والجهلاء ، فعليه أن يتحمل إعراضهم وصدودهم وتعنتهم وتنطعهم.
4- ثم النصح (فافعلوا ما تؤمرون) إذ أن ذلك هو الواجب تجاه التلقي من الله تعالى.
وهكذا حتى وصلوا إلى الامتثال المطلوب وتحققت المعجزة.
أما بالنسبة لاسرائيل، وهي الطرف السائل المتلقي، فقد كان سلوكهم تجاه الوحي غريبا كما أسلفنا، مطبوعا بصفات سلبية، هي:
– الاستهزاء بالأوامر الشرعية والسخرية.
– الاستقصاء في السؤال على سبيل التعجيز والتعنت.
– ترك المسارعة إلى الامتثال.
– سوء الأدب مع الله حيث يتهمون رسله بالجهل.
– عدم الاقتناع بالأوامر كما وردت.
ازدياد التكاليف عليهم كلما رفضوا وسألوا.
أعاذنا الله من حالهم وجعلنا ممن تقبل وحي الله وعمل به كما أمر.
انتهت الدروس التربوية المستخلصة بعون الله .
والحمــــد لله.