بسم الله الرحمن الرحيم

الفوائد التربوية والسلوكية المستخلصة من:

سورة البقرة

المحور: آداب السؤال والتلقي

الوحدة الثانية: السؤال عن الأهلة

مدخل: تنقسم الأسئلة إلى قسمين رئيسيين:

1- أسئلة تنطع وتعنت.

2- أسئلة مشروعة عن الاحكام الشرعية

وسيقع التركيز في هذه الوحدات بالتوالي على القسم الأول، لأسباب منهجية تتمثل في وحدة الموضوع، ومحاولة بلورة فكرة تشمل جميع حيثياته.

ولقد تكررت الأسئلة من الصنفين في سورة البقرة، وقد أوضح سيد قطب رحمه الله تعالى تلك الفكرة بجلاء (1) حيث علل ذلك التكرر، بأنه جاء نتيجة لمواقف مستجدة، عاشها المسلمون، فصاروا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فهم يسألون عن:

– الأهلة

– القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام.

-عن الخمر والميسر.

– عن المحيض.

– عن اليتامى.

ونورد -فيما يلي- ملخصا لما رآه رحمه الله سببا ودلالة لتلك الأسئلة (2):

 – فهي تدل على تفتح المجتمع الجديد، وبروز شخصيته المتميزة التي بدأت تتبلور نتيجة للأوضاع الجديدة.

– كما تدل على تيقظ الحس الديني، وتغلغل العقيدة الجديدة في النفوس، حيث تخلوا عن كل مألوفاتهم السابقة، متسعدين لكل توجيه جديد على أساس الدين الجديد.

_______________________________________________________

(1) في ظلال القرآن – ج: 1 – ص: 179

(2) نفس المرجع والجزء – ص: 180

– ثم إنه -أيضا- يدل على الاحراج الذي أصبح اليهود -في المدينة- يعانون منه، حيث أصبحوا يؤلبون كافة قواهم لمحاربة الإسلام ، بما في ذلك الحرب الفكرية التي تطرح الشبه والشكوك.

وهكذا يندرج السؤال عن الأهلة، ضمن هذه الأسئلة التي ترد في سورة البقرة.

نص الآية

يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج (الآية: 189).

لم يرد في الصحيح شيء من أسباب نزول هذه الآية، وإنما:

– أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنمة الأنصاريين -رضي الله عنهما- قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو، ويطلع دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير ثم لا يزال ينقص ويدق، حتى يعود كما كان، لا يكون على حالة واحدة، فنزلت هذه الآية (3) في حل دينهم، ولصومهم ولفطرهم وعدد نسائهم والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم.

– كما روى أن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا، ويكثرون مسألتنا عن الأهلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية (4).

– وروى أن قوما من المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال، وعن سبب محاقه (اختفاء الهلال ليلتين، فلا يرى غدوة ولا عشية) وإكماله ومخالفته لحالة الشمس (5).

شرح الآية إجمالا

يسألونك عن الأهلة: جمع هلال، مثل: رداء وأردية، وجمع مع أنه واحد، باعتبار تعدده في كل شهر (6).

ويعبر بالهلال عن الشهر أحيانا، لحلوله فيه، كقول الشاعر:

أخوان من نجد على ثقة              والشهر مثل قلامة الظفر

وسبب تسميته هلالا: أن الناس يهلون به، أي يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، وأخذ ذلك من قولهم:        استهل الصبي، أي صرخ حين يولد

                واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور

_______________________________________________________

(3) الدر المنثور – ج: 1 – ص: 367

(4) الألوسي – ج: 2 –  ص: 107

(5) القرطبي – ص: 2 – ص: 341

(6) الجوانب اللغوية كلها من: القرطبي – ج:2 – ص:341+342

الألوسي: ج:2-ص:107 والشوكاني-ج:1-ص: 2111


ومن قولهم:   أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية

وللفعل عدة صيغ، مثل أهللنا واستهللنا الهلال: دخلنا فيه

كما يقال:      أهل الهلال، واستهل، بالتركيب للمجهول.

كما يقال:      أهل واستهل، بالتركيب للفاعل

كل ذلك بمعنى: تبين

ويطلق الهلال على الشهر، لليلتين، أو ثلاث، من أول الشهر، ومن آخره، وقيل لثلاث من أوله.

وقيل حتى يبهر بضوئه السماء، وذلك ليلة سبع.

وقيل حتى يحجر، أي يستدير له كالخيط الرقيق.

كما سمي شهرا، لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية، يدلون عليه.

قل هي مواقيت للناس:

مواقيت: جمع ميقات، بصيغة اسم الآلة، والمقصود به:

الوقت

أو منتهاه

أو ما يعرف به الوقت

ولفظة (مواقيت) من منتهى الجموع، ولذلك لا تنصرف (7) والفرق بين الوقت والمدة (8):

إن المدة: إذا لم تقيد هي امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها.

أما الزمان: فهو مدة مقسومة إلى السنين، والشهور، والأيام، والساعات.

والوقت: الزمان المقدر، والمعين لأمر.

والمقصود من كون الأهلة مواقيت للناس، أنها بينت الحكمة الظاهرة اللائقة بشأن التبليغ، فذكرت بنعمة الله تعالى، ومزيد رأفته، حيث جعل للناس معا لم يوقتون بها أمورهم الدنيوية، فزال الإشكال في الآجال، والمعاملات (9).

والحج: بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، وقيل هما مصدران كالرد والذكر (10) .

وقد تدرج النظم القرآني، فذكر الخاص (الحج) بعد العام، فذكر أنها مواقيت للناس عموما، وخص الحج بالذكر دون غيره من العبادات، وذلك لمزيد اختصاصه، لأنه يحتاج فيه إلى معرفة الوقت المحدد، ولا يجوز تأخيره عنه، خلافا لما كان العرب يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يبدلون الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم (11).

____________________________________________________

(7) القرطبي: ج: 2 – ص: 341 + 343

(8) الألوسي: ج: 2 – ص: 108 + 109 والخفاجي: ج: 2 – ص: 478

(9) القرطبي: ج: 2 – ص: 342 + 343

(10) القرطبي: ج: 2 – ص: 342 + 343

(11) القرطبي: ج: 2 – ص: 342 + 343

ولهذه الآية دلالة بلاغية، يسميها أهل المعاني (بالأسلوب الحكيم) ويسمونها أيضا (القول بالموجب) وهذا الأسلوب البلاغي هو تلقي السائل بغير ما يتطلب من الجواب، وذلك بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها على أنه الأولى بحاله (12).

فهم سألوا عن السبب في اختلاف حالات القمر، وزيادة نوره مرة، ونقصانه مرة أخرى، وكان الأولى لهم أن يسألوا عن الحكمة من ذلك فقط، لأن السؤال عن السبب لا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان ذلك.

فأجيبوا إجابة هادفة، بين فيها الشارع الغرض والحكمة من زيادة القمر ونوره ونقصانه، على غير ما كانوا يتوقعونه، وأن الحكمة من ذلك زوال الإشكال عن الناس، رأفة بهم ورحمة، بها يعرفون أوقات:

-الحج

– آجال البيوع

– أنواع المعاملات

– الأيمان

– العدد، وأيام الحيض

– الصوم بأنواعه

– الفطر

– مدة الحمل

– الإجارات

– الأكرية

إلى غير ذلك من مصالح العباد.

فإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام، وكل وقت فيه أداء أو قضاء، أو تأجيل لمعاملة معينة، أو ربطها به.

وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما (13).

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله (مواقيت للناس)، قال: في عدة نسائهم، ومحل دينهم، وشروط الناس، قال وهل تعرف العرب ذلك، قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول:

والشمس تجري على وقت مسخرة           إذا قضت سفرا استقبلت سفرا (14)

وخلاصة القول: أن الإجابة اتجهت إلى واقع حياتهم العملية، مثل وظيفة الأهلة في واقعهم وحياتهم، بدلا من الحديث عن الدورة الفلكية للقمر وكيف تتم.

_______________________________________________________

(12) الخفاجي:  ج: 2 – ص: 477

(13) الدر المنثور: ج: 1 – ص: 368

(14) الدر المنثور: ج: 1 – ص: 368

الدروس التربوية والسلوكية المستخلصة

في هذه الآية تنبيه على أن الأولى للناس أن يسألوا عن المسائل، لا عن السبب والعلة، إذ أن الاطلاع على دقائق الأمور وعللها لا يفيدهم في حياتهم اليومية.

كما تضمنت هذه الإجابة معاني نبيلة سامية، وهي أن كل ما يفعله الله عز وجل لا يكون إلا لحكمة بالغة ومصلحة لعبادة، فليترك السؤال عنه، وفي ذلك توطين للنفوس، وربط للقلوب على أن جميع أفعال الله تعالى حكمة وصواب.

ولا ينبغي أن تختلج شبهة في النفوس، أو يعترضها شك في ذلك حتى لا يسأل الله عنه، لما في سؤال الله تعالى من سوء الأدب، قال تعالى: “لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ولقد أجاد وأفاد العلامة إبراهيم بن موسى  اللخمي الغرناطي (تـ 790هـ) رحمه الله تعالى في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة) (15) حيث عالج هذا الموضوع علاجا قيما، فقال في مقدمته الخامسة “كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي”.

“والدليل على ذلك: استقراء الشريعة، فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد مكلفا به، ففي القرآن الكريم “يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج” فوقع الجواب عما يتعلق به العمل إعراضا عما قصده السائل من السؤال عن الهلال: لم يبدو في أول الشهر دقيقا كالخيط، ثم يمتلئ حتى يصير بدرا، ثم يعود إلى حالته الأولى”.

إلى أن يقول: “والبر إنما هو التقوى، لا العلم بهذه الأمور التي لا تفيد نفعا في التكليف ولا تجر إليه”.

ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن الساعة قال للسائل: “ما أعددت لها؟”، إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق بها بما فيه فائدة، ولم يجبه عما سأل”.

وقد سأل ابن الكواء علي بن أبي طالب عن (الذاريات ذروا فالحاملات وقرا) فقال له علي: ويلك “سل تفقها ولا تسل تعنتا” ثم أجابه، فقال له أبن الكواء: أفرأيت السواد الذي في القمر، فقال أعمى سأل عن عمياء “وقد كان مالك يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، ويحكي كراهيته عمن تقدم”.

وقد لخص الشاطبي مضار هذا النوع من الأسئلة في نقاط مفيدة فلتراجع ثم خلص إلى نتيجة مفيدة هي”أن ما لا ينبني عليه عمل ليس مطلوبا في الشرع”.

ثم نختم الحديث بقول سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسيرة الآية، حيث اتجه هذا الجواب للسائلين “إلى واقع حياتهم العملي، لا إلى مجرد العلم النظري”.

____________________________________________________

(15) ج: 1 – ص: 46 فما بعدها – نشر الأزهر – شرح الشيخ عبدالله دراز

“إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية، ولم يجيء ليكون كتاب علم فلكي، أو كيماوي، أو طبي كما يحاول بعض المتحمسين له، أن يلتمسوا فيه هذه العلوم، أو كما يحاول بعض الطاغين فيه أن يتلمسوا مخالفة لهذه العلوم..”

“وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن، الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها، كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه” (16)

انتهت الوحدة ولله الحمد من قبل ومن بعد

 ____________________ (16) الظلال: ج: 1 – ص: 181