بقلم الشيخ/ د. جاسم مهلهل الياسين

 

طرق مسدودة:

لن يفتر البحث عنها والجري وراءها حتى قيام الساعة.

الجميع يبحثون عنها، ويحاولون أن يلتمسوا طريقها، وأن يرتوا من ينبوعها، وأن يجعلوها نصب أعينهم، وملء قلوبهم وحياتهم، يبحث عنها الأمير، ويبحث عنها الوزير، يبحث عنها النائب، ويبحث عنها المواطن، يبحث عنها الكبير والصغير، والرجل والمرأة والغني والفقير… بحث عنها الأقدمون، ودأب في البحث عنها المحدثون، وأكثروا من المخترعات والمبتكرات كي يصلوا إليها وينعموا بها … ولن يفتر البحث عنها والجري وراءها حتى قيام الساعة.

وهناك عروض من جهات عديدة لتيسير الوصول، وكل جهة من الجهات تعرض ما تراه محققا للغرض بالطريقة التي تراها مناسبة، بحسب ثقافتها وأفكارها وحظها من التربية والتعليم. ولكنها -في معظمها- طرق مسدودة، يتوقف فيها السالكون وتزداد حيرتهم واضطرابهم، لضياع الطريق من أقدامهم، ونضوب الأمل في قلوبهم، فلا هم يصلون إلى هدفهم، ولا هم قادرون على أن يرشدوا غيرهم، فيَضلون ويُضلون.

إنما كل الناس يبحثون في كل زمان وفي كل مكان عن “السكينة والسعادة”

إنها ليست تلك الغانية السمراء التي بحث عنها أحد المطربين في بلاد الشام، حين قال: “أبحث عن سمراء، قامتها هيفاء، تسكن في قلبي” تلك الأغنية التي كنا نسمعها ونحن في المدرسة المتوسطة. لا ليست هذه التي يبحث كل الناس، لأن الكثيرين منهم لا يعنيهم في شيء شأن هذه السمراء، سواء كانت هيفاء القامة أم لم تكن … وإنما كل الناس يبحثون في كل زمان وفي كل مكان عن “السكينة والسعادة” إنها سكينة القلب وسعادة الحياة، التي لا يمكن أن تتحقق بالأعراض المادية، لأنها ليست مكسبا ماديا يمكن شراؤه أو الحصول عليه، وليست سلعة متداولة في أسواق العرض والطلب، يستطيع أن يصل إليها من يشاء متى ملك ثمنها، وصمم على اقتنائها … ليست السكينة والسعادة شيئا من ذلك، وإنما هي منحة ربانية يسوقها الله لبعض عباده، الذين أحسنوا العبودية، وأخلصوا قلوبهم لله، وأحسنوا علاقتهم به في عباداتهم القلبية منها قبل البدنية “فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا لقد تنزلت على هؤلاء السكينة وفاضت عليهم السعادة بعد أن باعوا لله أنفسهم، فأثبتوا صدق العبودية، وسلامة النية، وأنهم مستعدون للقدوم على ربهم، تاركون الدنيا خلف ظهورهم، حيث بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الموت في سبيل الله “لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فأنزل الله عليهم السكينة ليزدادوا بها إيمانا، ويزدادوا بها يقينا في النصر، وثقة في الله “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا وحين أصاب الفزع أبا بكر رضي الله عنه وهو في الغار مع الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يراهما أحد المشركين إن نظر أسفل قدميه، قال له الرسول: ما ظنك باثنين الله ثالثهما. وجاء القرآن الكريم ليبين أن السكينة قد نزلت لتربط على القلوب، فلا تجزع للخطب الجليل والحدث المهول: “إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا“.

وقد اتجه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربهم بالدعاء والضراعة أن ينزل عليهم السكينة، يوم أن حزبت الأحزاب جموعها، وأحاطت بالمدينة جيوشها، وجاء من أعلى المدينة ومن أسفلها من يريد تدمير المسلمين، وبلغ الخوف مداه فزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وزلزل المؤمنون زلزالا شديدا، وأظهر المنافقون ما في قلوبهم فأعلنوا: “مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا هنالك اشتد البرد واشتد البلاء والكرب، وكان مصير دولة الإسلام في مهب الريح، وخاف المسلمون خوفا شديدا، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين طلب منهم قائلا: “من يأتيني بخبر القوم وله الجنة” لم يقم حد، ولم يندب نفسه لهذه المهمة الجليلة أحد، حتى عيّن الرسول صلى الله عليه وسلم لها حذيفة. وحين بلغت حالة المؤمنين ما بلغته لم يكن التجاؤهم وملاذهم وتضرعهم إلا إلى الله يطلبون منه:

فأنزلن سكينة علينا                وثبت الأقدام إن لا قينا

فالسكينة منحة من الله يعطيها لمستحقيها، ليربط بها على قلوبهم، ويثبت بها عند النزال والقتال أقدامهم، ويذهب عنهم الخوف والفزع، وبغير هذه المنحة الرابية التي ينزلها الله على عباده الصادقين من صالحي المؤمنين، فإن أحدا من الناس مهما بلغ من القوة لا يستطيع أن يحقق لنفسه السكينة والسعادة، ويذهب عنها الضيق والكآبة. بغير هذه الرحمة يكون الصراع ويكون الضياع، وإن أوتي الإنسان كثيرا من حظوظ الدنيا ومتاعها. بغير هذه السكينة المنزَّلة من الله يكون الشقاء ويكون العذاب والخسران والهوان.

 

المال والجاه لا يسعدان الناس:

المال لا يسعد ولو كان مال قارون، والجاه لا يسعد ولو بلغ به سدة الحكم في أقوى دولة في العالم.

إن المال لا يسعد أحدا، وإن الجاه لا يسعد أحدا، وإن فرح الناس بالمال والجاه، وقد فهم المسلمون الأولون هذا المعنى جيدا فطبقوه في حياتهم، ونصحوا به إخوانهم، وتأمل هذه المكاتبة التي حدثت بين صحابيين جليلين لتدرك كم كان فهمهم عظيما، وتوجههم سليما.

كتب أبو الدرداء -وقد سكن الشام في عهد عثمان- إلى سلمان الفارسي وكان قد سكن العراق:

سلام عليك. أما بعد.

فإن الله قد رزقني مالا كثيرا وولدا. وإني أعيش في الأرض المقدسة.

فرد عليه سلمان بقوله:

سلام عليك أما بعد.

فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حِلمك، وأن ينفعك الله بعلمك، واعلم أن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا. فاعمل كأنك ترى، وعدَّ نفسك في الموتى.

المال لا يسعد ولو كان مال قارون، والجاه لا يسعد ولو بلغ به سدة الحكم في أقوى دولة في العالم.

فكم من ثري يبحث عن السعادة بحبوب مهدئة، وكأس خمر محرمة، ومصاحبة غانية، فلا يزداد هذا الثري الشقي إلا شقاء، ولا يحقق لنفسه غير التعاسة، لأنه لم يسلك الصراط المستقيم، بل سلك سبيل الضالين الآثمين، وساعده ماله على الضلال والغيّ، فكان من الأشرار الأشقياء. وكم من صاحب جاه يهرب من تعاسته وشقائه حيرته، محتميا بالجاه والسلطان والنفوذ والصولجان، فلا يغني عنه ذلك فتيلا ولا يحقق من السعادة قطميرا، وها هوذا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أكبر وأغنى وأقوى دولة عصرية يحاصره الشقاء، ويجري وراءه الخزي، وتفضحه كل صباح وسائل إعلام ما عرفت يوما الحياء، ويذكر هو أنه عاش حتى الأربعين في قلق وانقباض حتى كان يفكر في الانتحار.

فماذا كان مخرجه من هذه التعاسة؟ إنه الخروج المدمر الذي ظن به أنه يجوز متعته ويقضي نهمته في أي وقت شاء طلبا للسعادة، فلم يحقق لنفسه غير الإيذاء والشقاء، وتطاول عليه الصغير والكبير والعظيم والحقير. ومثل هذا الرئيس في حيرته وشقائه بعض الذين بعدوا بأنفسهم عن الدين في عالمنا العربي والإسلامي، أما أمثاله في عالم الغرب فلا يحصون كثرة، ولذا فإن القلق والضيق والضياع والتشرد أمور منتشرة في حياتهم رغم كثرة أموالهم، وتعاظم نفوذ دولهم، فذلك لا يجدي ولا ينفع إن ضاقت الصدور، وضاعت معالم الطريق، واعتبر الإنسان ذاته إلها، فلم يعرف عبودية، ولم يسبح الله أويحمده في بكرة أو عشية.

 

عروض كثيرة:

إن السكينة والسعادة طريقها حسن الصلة بالله، والتعامل الصحيح مع آيات الله وأسمائه وصفاته

إننا نبحث عنها والعروض أمامنا كثيرة، والمعارض متعددة، ولكنها تعرض الزيف والزور، لأنها تعرض متاعا قد يخلف الشقاء، ويلقي أصحابه الغيَّ “فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّاإن الدواء المغشوش لا يشفي من الأسقام، وإن الطعام الفاسد لا يصح معه الأبدان، وإن الشهوة المحرمة والمتعة المزيفة لا تزيل التعاسة، ولا تذهب ضيق الصدور وكمد القلوب، فما الذي يذهب ذلك كله؟

أخي القارئ، أخي المحب، أختي المسلمة، إن كنتم تبحثون معي عنها وتجدون في البحث فإني بها خبير، وسأخبركم خبرها، وأدلكم على معرضها وطريقها، وهناك ستجدونها غير بعيدة عنكم، لا تخفى عليكم. وسترتوي منها قلوبهم، وتظل ناضرة بها حياتكم، تتقلب الأحوال وأنتم ثابتون، ويشقى الناس بالمتاع الزائف وأنتم تسعدون بحقائق الحياة وبسلوككم الطريق الموصلة إلى النعيم في دار القرار.

إن السكينة والسعادة طريقها حسن الصلة بالله، والتعامل الصحيح مع آيات الله وأسمائه وصفاته، والثقة فيما عنده والطمع في رحمته والخوف من عذابه والرجاء في عفوه، واستصحاب ذلك للنفس، لقد سمع أحد الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لقد ضحك ربنا من صنيع فلان، فقال ذلكم الصحابي: لن نعدم خيرا من رب يضحك.

ووجد آخر من الصحابة نفسه في آخر الركب لا يأبه به أحد، فعلم أن له ربا يرفع ويخفض، ويعطي ويمنع، ويقسم الأرزاق بين عباده بما جرى في علمه، فاتجه إلى الله بالدعاء أن يرفع درجته في الدنيا والآخرة، فعل ذلك وهو راض بقضاء الله وقدره، مستسلم لأمر الله غير ساخط ولا غاضب، فَلان قلبه وشعر بطمأنينة نفسه، والرضا والسكينة بما حباه الله وأعطاه.

وضاق آخر فاتجه إلى الله بالتهليل والتسبيح والدعاء فاستجاب الله دعاءه، وأذهب كربه، وفرج ضيقه “وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ورابع اجتمعت عليه الهموم فضاق بها ضيقا شديدا ولم يجد مخرجا فالتجأ إلى كتاب يرتل آياته، ويتأمل فيه، ويأخذ لنفسه عظات وعبرا، يقرأ ويرتل ويجمل صوته بالقرآن، فإذا الضيق يزول، وإذا الأسارير تنبسط، وإذا النفس راضية، والسكينة بادية، والسعادة قريبة ظاهرة.

إنها هدية أقدمها إلى الأحباب، هدية ناصح إلى نفسه وإخوانه، من أجل تحقيق سلامة الصدر وطمأنينة النفس وسكينة الفؤاد، لنأخذ بعد ذلك في التفكير والإبداع والعمل والانتاج.