الشيخ/ د. جاسم مهلهل الياسين

الشورى فريضة إسلامية:

صدق عمر بن الخطاب في قوله:

إن الذي ينتفع بمشورة الآخرين لأقدر ممن يشير عليه.

وشاورهم في الأمر” آية في كتاب ربنا تلزم الحاكم المسلم أن يستشير رعيته في كل أمر ذي بال، يؤثر على الأمة أو على مجموعة من أبنائها، وألا يغفل رأي العقلاء الناصحين حتى وإن خالف رأيه، كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد التي نزلت الآية المتقدمة عقبها إشعارا بأن نزول الرسول صلى الله عليه وسلم على رأي الكثيرين ممن كانوا يرون خروج جيش المسلمين لملاقاة جيش المشركين خارج المدينة، وإصابة المسلمين في الغزوة بهزيمة موجعة، لا يستلزم التخلي عن الشورى، وإهمال رأي الأغلبية، لأنها واجبة على من يتولى أمر جماعة من الجماعات أو دولة من الدول.

ثم يأتي قول الله: “وأمرهم شورى بينهم” ليبين أن الشورى إحدى خصائص الجماعة المسلمة صغرت هذه الجماعة أم كبرت، لأن التخلي عن الشورى له أضراره القريبة والبعيدة المرئية الآنية وغير المرئية المغيبة.

وكانت الشورى دأب المسلمين الفاقهين، الحريصين على تطبيق أوامر الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول في المواقف الصعبة: “أشيروا عليّ أيها الناس”.

وسار على نهجه المسلمون فكانت الشورى هي الفيصل في كثير من الأمور الهامة كبيعة أبي بكر مثلا.

وكان عمر بن الخطاب كثير المشاورة، فكان يستشير أهل (الحنكة والخبرة) وهم أهل الذكر أصحاب العلم والدراية والمعرفة في كل فن، وكان يستشير عامة الناس، وكان يستشير أولى الأحلام والنهى، وكان يستشير الشباب ذوي النشاط والحدة والذكاء، وكان يقول: إن الذي ينتفع بمشورة الآخرين لأقدر ممن يشير عليه، فكان يستشير الصغير والكبير، وكان له مجلس خاص للشورى والاسترشاد بالأوامر الشرعية في المستجدات، كان يحضره ابن عباس وهو فتى صغير السن.

 

مم العجب والغرابة؟

هذه الدعوة لا ينبغي ردها ولا الخوف من آثارها.

ولقد جرى العرف في عصرنا الحديث على اتخاذ مكان بعينه تتم فيه المشاورة والمحاورة بين مجموعة مختارة، هم النواب الذين يمثلون جمهور الناس وبين المسئولين، هذا المكان يسمى (مجلس الأمة) أو بيت الشعب، أو غير ذلك من المسميات العديدة، لكن هذا العرف الشائع لا يمنع أن تكون هناك شورى عامة لا تقتصر على النواب وحدهم، تتم في أي مكان يختار، وفي أي مناسبة من المناسبات، وتحت أي اسم من الأسماء، فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

والمهم أن تتم المشاورة حيثما تيسرت في أي مكان، وقد عرف الإسلام الشورى في المسجد، وفي ميادين القتال، وفي أي مكان يضم الناس “سقيفة بني ساعدة) مثلا.

ومن هنا فلا عجب ولا غرابة في أن يدعو سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى عشاء في قصر بيان، تتم فيه مشاورة العديد من وجوه الناس والمقدمين فيهم في بعض القضايا التي تهم الأمة، وتؤثر على شعبها وعلى مستقبل أبنائها، دون أن يفهم أحد من ذلك أن مثل هذا اللقاء بديل عن مجلس الأمة، لأن الفرق كبير بين الأمرين:

فمجلس الأمة يقتصر الحديث فيه على النواب وحدهم، ولا يسمح لأحد غيرهم بالحديث، وهم -بغير شك- ممثلو الأمة، الراغبون في مصلحتها، العاملون على خدمتها، الذين لا يمر قانون ولا تشريع إلا بعد أن يبحثوه ويوافقوا عليه .. ودعوة سمو ولي العهد تضم أعداد غفيرة من وجهاء الناس ومن المفكرين والمثقفين والإعلاميين، ومن الشخصيات العامة، التي لا ينكر دورها في خدمة الكويت، وقد يكون بعض هؤلاء ليسوا نوابا في المجلس، ولا يمنع ذلك من الاستماع لآرائهم والأخذ بنصائحهم، ومحاورتهم في مهمات الأمور العامة .. ثم هي اطلاع على نبض الشعب وكشف عن أحاسيسه تجاه ما يجري في البلد، وقد فتح سمو ولي العهد هذا الباب أمام جمهرة الناس توسيعا لدائرة الشورى وبيانا عمليا منه بأهميتها، وعملا على التواصل الأخوي والأبوي بأبناء الكويت، وسعيا لمعرفة أقوم السبل وأوضح الطرق للوصول إلى المصلحة العامة، ومعرفة آمال الشعب وتطلعاته، واطلاعهم على هموم الدولة، وما تقتضيه في هذه المرحلة الهامة من عمر الكويت، خاصة ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين، الذي يقترب فجره، وفي الخليج ما فيه من معضلات لا تخفى على ذوي الأبصار.

 

سنة حميدة:

وإنها لسنة حميدة يقتدي فيها سمو ولي العهد بسموّ أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد حفظه الله الذي لا يكاد يمر عام إلا ويلتقي مع عديد من أصحاب المهن والحرف، وأذكر أنه كان له لقاء في العام الماضي مع رجال البحر الأوائل ليسمع منهم أخبارهم، ويحل مشكلاتهم.

دعوة سمو ولي العهد توسيع لدائرة الشورى وتواصل أبوي وأخوي بأبناء الكويت

إن مثل هذا اللقاء الذي دعا إليه سمو ولي العهد يعبر عن روح الأسرة الواحدة التي تجمع كل أبناء الكويت، للتشاور فيما يهم الجميع، بحيث يقوم كل شخص بالدور المنوط به، في إطار الدين والقانون، دون تجاوز لأحد، ولا تهاون في حق أحد. ودون منع رأي من الآراء حتى وإن عارض السلطة واشتد في معارضتها، ثم إنها دعوة ينبغي أن يجيبها المدعوّ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في حق المسلم على المسلم: “وإذا دعاك فأجبه” ولا ينتظر من مثل هذه الدعوة إلا أن يكون وراءها خير عام لجميع أبناء الكويت، فلماذا يتخوف المتخوفون؟ وفي أي شيء يرتابون؟