النظريات التربوية والسلوكية من: خلال سورة البقرة
المحور: التكافل الاجتماعي
الوحدة الثالثة: التعامل مع اليتامى
مدخل إلى الوحدة:
لقد ورد الحديث عن اليتامى في سورة البقرة، أربع مرات:
الأولى: ذكر التيامى ضمن عناصر الميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على بني اسرائيل.
الثانية: في مجال ذكر عناصر البر، حيث ذكر الله سبحانه وتعالى أن إيتاء المال لليتامى جزء من البر.
الثالثة: في مجال تعداد مصارف الانفاق، فذكر اليتامى من ضمنهم.
الرابعة: ذكر مستقل للأيتام، حيث سئل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم.
وسيقع التركيز على الحالة الأخيرة، إذ أنها خاصة باليتامى، وتحدثت عنهم استقلالا، بينما ورد ذكرهم في الآيات الأخرى، استطرادا، أو جمعا لنظائر يشتركون معها في نفس المواصفات.
وستكون الخلاصة التربوية -إن شاء الله تعالى- بعد نهاية الآيات كلها، في الخاتمة لتشمل جميع ما في هذه الآيات.
الآية الأولى:
وإذ أخذ الله ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولا للناس حسنا (الآية: 83):
لقد جاء ذكر الأيتام في هذه الآية الكريمة، مع غيره من العناصر التي تشكل الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني اسرائيل، فورد ذكر الأيتام في الدرجة الرابعة من ترتيب هذه العناصر، وهي:
– توحيد الله سبحانه وتعالى بالعبادة
– والاحسان للوالدين
– وذي القربى
– واليتامى
– والمساكين
– والقول الحسن للناس
ويتم الحديث عن كل عنصر من هذه العناصر -إن شاء الله تعالى- في الوحدة الخاصة به، إذ أن هذه الوحدة خاصة بالتعامل مع اليتيم.
ففي هذه الآية الكريمة ينبغي البحث عن المطلوب فعله لليتامى، ويتعلق ذلك بتحديد متعلقها، أي العامل الذي ترتبط به، فقد خاض فيه المفسرون كثيرا، واتفقوا -في البحث- أ،ها معطوفة على (وبالوالدين) إلا أنهم اختلفوا في متعلق (وبالوالدين).
ويقدر ما اتضح هذا المتعلق، بقدر ما اتضح ما يراد فعله باليتامى، إذ أنها معطوفة عليها، فيسحب عليهما نفس الحكم، ونلخص الآراء في هذا المتعلق في الاحتمالات الآتية:
– إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية، ثم الاحسان إلى الوالدين، وفي هذا الاحتمال فهي تابعة عطفا لافراد الله تعالى بالعبودية، وذلك بصفتها العنصر الثاني من عناصر الميثاق المتعاطفة، المفصلة المضمونة.
– كما يمكن أن تكون متعلقة بفعل (إحسان) محذوف، تقديره: أحسنوا، أو تحسنون.
– أو هي متعلقة بفعل (توصية) محذوف أيضا، تقديره: استوصوا أو وصيناهم.
وفي كل الاحتمالات، يتأكد التعامل الحسن مع اليتامى من خلال كل التقديرات، فهو يعطفه على (بالوالدين):
إما موصى بالاحسان إليه.
وإما مطلوب الاحسان إليه.
وإما مجعلول عنصرا من عناصر الميثاق الذي أخذه الله تعالى على نبي إسرائيل.
وقد علل أبو حيان (2) ترتيب هذه العناصر، تعليلا منطقيا، بأنه اعتناء بالأوكد، فنعد:
إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة.
ثني بالوالدين، لأن حقهم أكبر من غيرهم.
ثم أتى بذي القربى، لتأكيد صلة الرحم.
ثم أتى باليتامى لأنهم لا قدرة لهم تامة على الاكتساب إلى آخر العناصر.
وقد أعطى الطبري -رحمه الله- مضمونا لكل عنصر، فحدد المطلوب فعله لليتامى في هذه الآية بقوله: “أن تعطفوا عليهم بالرأفة والرحمة” (3).
ونخلص إلى التأكيد على العناية التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لليتامى في الإسلام، وفي الشرائع السابقة له، وهي عناية ينبغي أن تتجسد في تربيتهم ومعاملتهم معاملة حسنة تسموا إلى هذا المستوى.
الآية الثانية:
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (الآية: 177):
سنقتصر لأسباب منهجية على ما يتعلق باليتامى، فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن من البر إعطاء المال لليتامى، وجعلهم جل شأنه -عناية بهم- في الدرجة الثانية بعد ذوي القربة، كما وقع في الآية الأولى.
الآية الثالثة:
قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين (الآية: 215):
سنقتصر -أيضا- في هذه الآية على ما يعنى اليتامى، فقد جاء ترتيبهم في نفس الترتيب السابق بعد ذوي القربى.
والآية تبين وجوه الانفاق ومصارفه في صدقة التطوع (4) وقد نكرت كلمة (خير) لتتناول القليل والكثير، كما جاء ترتيب المصارف مبتدأ بالأقرب فالأقرب، ثم الأحوج فالأحوج (5).
الآية الرابعة:
ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فأخوانكم والله يعلم الفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (الآية: 220):
أسباب النزول: قال السيوطي (6): أخرج
أبو داود
والنسائي
وابن جرير
وابن المنذر
وابن أبي حاتم
وأبو الشيخ
وابن فردويه
والحاكم، وصححه
والبيهقي في سننه عن ابن عباس، قال:
لما أنزل الله:
“ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن“ (الاسراء: 34)
و
“إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما” (النساء: 10)
انطلق من كان عنده يتيم:
فعزل طعامه عن طعامة وشرابه عن شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيجلس له حتى يأكله، أو يفسد، فيرمى به.
فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: “ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم“.
فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
واقتصر القرطبي (7) على:
أبي داود
والنسائي
ونقل السيوطي (8) أيضا، ما يعضد هذا السبب، عن:
عطاء
وقتادة
وسعيد بن جبير
وأضاف ابن الجوزي (9) إليهم، مقاتل بن سليمان.
كما أضاف (10) رأيا ثانيا في سبب النزول، وكذلك القرطبي (11) عن:
السدي، عن الضحاك
وهو أن العرب كانوا يشددون في أمر اليتيم حتى لا يأكلون معه في قصعته، ولا يستخدمون له خادما، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن مخالطتهم، فنزلت هذه الآية.
أما الذين سألوا عن ذلك (12) فقيل هم:
ثابت بن رفاعة الأنصاري، وهو رأي مقاتل
وقيل عبدالله بن رواحة، وهو رأي أبي سليمان الدمشقي
قالوا (13): لما نزلت هذه الآية، خلطوا طعامهم وشرابهم بما عندهم.
وروى ابن كثير (14) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.
تفسير الآية
ويسألونك: محتوى السؤال هنا عن (15):
القيام بأمر اليتامى
أو التصرف في أموالهم
أو عن أمرهم وكيف يكونون معهم
عن اليتامى:
جمع يتيم، مثل: ندامى ونديم
واليتيم في الآدميين (16) يكون بفقد الأب، وللماوردي قول في إطلاقه على فقد الأم.
ولفظة اليتيم لها -في كلام العرب- معان، منها:
-الانفراد (17) فصبي يتيم، أي منفرد عن أبيه، قال الشاعر (18):
أفاطم إني ذاهب فتبيني ولا تجزعي كل النساء يتيم
ويستعمل هذا المعنى في الأدب مجازا، فيقال: بيت من الشعر يتيم، أي منفرد، لا يروى بيت آخر قبله أو بعده، وأنشد ابن الأعرابي: (18):
ثلاثة أحباب فحب علاقة وحب تملاق وحب هو القتل
فقالوا له: زدنا، فقال: اليتيم يتيم.
وقالوا درة يتيمة، أي ليس لها نظير.
وفي اشتقاقه آراء:
– منها أنه يطلق في الأصل على الإبطاء، فسمى به اليتيم لبطء البر عنه.
– ومنها أن أصل معناه الفغلة، فسمى به اليتيم، لأنه يتغافل عن بره.
أما التعرف الاصطلاحي، فعرف ابن كثير (20) الأيتام بأنهم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم، وهم ضعفاء دون البلوغ، والقدرة على الكسب.
أما المرحلة الزمنية لليتيم، فتمتد من موت الأب حتى يبلغ الصبي، فإذا بلغ زال عنه يتيم.
وقد أخرج عبدالرزاق بسنده عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا يتم بعد حلم (21)
وبالنسبة للمرأة، فإنها تدعى يتيمة ما لم تزوج، فإذا تزوجت زال عنها اسم يتيم، وقيل لا يزول عنها اسم اليتيم أبدا (22)
قل إصلاح لهم خير: فسر الاصلاح هنا بعدة أوجه:
تثمير أموالهم وتنزه من وليها عن أكلها (23)
مداخلتهم مداخلة يترتب عليها إصلاحهم وإصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ، وأن ذلك خير من مجانبتهم (24)
إصلاح أموالهم دون أخذ عوض أو أجرة، لما في ذلك من الثواب للولي، ولما فيه من توفر المال على اليتيم.
وقال مجاهد: يوسع عليهم من طعام نفسه، ولا يوسع من طعام اليتيم (25) كما أن الاصلاح لليتيم يتناول إصلاحه بالتعليم والتأمين وإصلاح ماله بالتنمية والحفظ (26).
قال أبو حيان (27): (خير) لفظ شامل للإصلاح المتعلق بالفاعل والمفعول، فتكون الخيرية للجانبيين معا، وقيل لأحدهما دون الآخر، فلفظ (خير) مطلق، فتخصيصه بأحد الجانبين يحتاج إلى مرجح، والحمل على الاطلاق أحسن.
وإن تخالطوهم فإخوانكم: أي فهم إخوانكم، وحكمكم في ذلك حكم إخوانكم، فهم إخوانكم في الدين، ومن حق الأخ على أخيه أن يخالطه، وألا يجتنبه، فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم، وتكافئهم على ما تصيبون من أموالهم وهكذا، فالمقصود هو الحث على المخالطة المشروعة بالإصلاح مطلقا:
في النفقات
والمسكن
والخدم
والدواب (28)
وهذا ما يليق بمستوى الأخوة، كما شمل التفسير المصاهرة عند البعض (29)، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن المخالطة:
أن يشرب من لبنك وتشرب من لبنه
ويأكل من قصعتك وتأكل من قصعته
ويأكل من تمرتك وتأكل من تمرته (30)
وقيل: هي خلط المثل بالمثل، كالتمر بالتمر، فيخلط طعامه بنفقة عياله، مع التحري، كمثل فعل الرفقاء في السفر، يخلطون أزوادهم، وبعضهم أكثر من بعض.
والذي يظهر أن المخالطة لم تقيد بشيء، فلم يقل: في كذا، فتحمل على أي مخالطة كانت، مما فيه إصلاح اليتيم.
وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، ودلالة ذلك -بلاغيا- الاقبال على المخاطب ليتهيأ لسماع ما يلقى عليه، وقبوله والتحرز فيه (31)
والله يعلم المفسد من المصلح: لقد تضمنت لفظة (يعلم) معنى: يميز (32) فهو معنى المعرفة المتعدية لواحد، أي يعلم من يفسد في أمورهم عند المخالطة، ويقصد الخيانة والإفساد، مميزا له من يصلح فيها، ويقصد الإصلاح، فيجازي كلا منهما بعمله، ففيه:
وعد
ووعيد (33)
وقدم المفسد، تأكيدا لإدخال الروع على قلبه، فمعنى الجملة: التحذير، إذ أن العلم -غالبا- عندما ينسب إلى الله تعالى، فمعناه: التحذير، فهو تعبير -إذا- بالسبب عن المسبب.
وفي الأخبار بالفعل (يعلم) عن المبتدأ (والله): دلالة بلاغية، هي اقتضاء التجدد، ولو أن علم الله لا يتجدد، لأن المقصود به الثواب والعقاب، وهما وصفان يتجددان، فتكرر ترتيب الجزاء عليهما لتكررهما (34).
ولو شاء الله لأعنتكم: العنت في اللغة يطلق على مسائل، منها:
– المشقة التي يخشى معها الهلاك، أو التي لا تطاق ثقلا (35)
– التشديد، يقال فلان يتعنت فلانا ويعنته، أي يشدد عليه ويلزمه المشاق (36)، واشتقاق اللفظة احتمالات منها:
– عنت العظم عنتا: إذا أصابه وهن، أو كسر بعد جبر
– أو من قولهم: أكمة عنوت، إذا كانت شديدة شاقة المصعد، فجعلت هذه اللفظة مستعملة في كل شدة
– أو من عنتت الدابة، عنتا: إذا حدث في قوائمها كسر بعد جبر لا يمكنها معه جري
فالمعنى، على هذا: لحملكم على العنت، وهكذا -حسب مفاهيم الاشتقاق- رويت معان متقاربة بشأن (أعنتكم) منها: (37)
– ابن عباس والسدي: لأحرجكم وشدد عليكم
– أبو عبيدة: لأهلككم
– ابن عباس: يجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا
– الزجاج: لكلفكم ما يشق عليكم
– عطاء: لأثمكم بمخالطتهم، أو لضيق عليكم الأمر في مخالطتهم
– ابن جرير: لحرم عليكم مخالطتهم
– وجل المفسرين يقول: لضيق عليكم وأحرجكم
ومفعول (شاء): محذوف، للدلالة عليه، اختصارا، تقديره: لو شاء الله إعناتكم لأعنتكم
وفي الجملة الشرطية هنا: إعلام وتذكير باحسان الله وإنعامه على أولياء اليتامى، إذ أزال إعناتهم، ومشقتهم في مخالطتهم لهم والنظر في أحوالهم وأموالهم (38)
إن الله عزيز حكيم:
عزيز: لا يمتنع عليه شيء، ولا يعجزه أمر ما، بما في ذلك إعناتكم
حكيم: فاعل لأفعاله، حسبما تقتضيه الحكمة، وتتسع له الطاقة، التي هي أساس التكليف
وفي الجملة أسلوب بلاغي هو: التذييل، وذلك لتأكيد ما تقدم من حكم النفي والاثبات، أي ولو شاء لأعنتكم لكونه غالبا، لكنه لم يشأ لكونه حكيما (39)

