بقلم الشيخ د. جاسم مهلهل الياسين
اهتمام موقوت:
تنصب اهتمامات الأسرة هذه الأيام على أبنائها، فهي تحسن رعايتهم، وتحافظ على مواعيدهم، وقد تبقى الأم إلى جانبهم حتى يناموا، وتكون هي الموقظة لهم من نومهم حين يستيقظون، ولا تتركهم حتى تطمئن على إفطارهم، وحسن هندامهم. وقد تصحبهم إلى مدرستهم، أما لماذا هذا الاهتمام الآن بالأبناء؟ فلأنهم يذهبون إلى الامتحانات، التي باجتيازها يتخطى الطالب أو الطالبة سنة دراسية، يخفّ عبؤها عنه وعن أسرته، ويضيفها إلى رصيد سنواته الماضيات، ويرتفع بها درجة في سلم التدرج التعليمي، الذي أصبح -تقريبا- السلاح الوحيد الذي يتسلح به أولادنا من أجل أن يواجهوا المستقبل بمفاجآته، ويتغلبوا على أعبائه.
ولا يكاد بيت واحد في الكويت يخلو من أن يكون أحد أبنائه أو أكثر في إحدى مراحل التعليم المختلفة ابتداء من رياض الأطفال إلى الجامعة، ومعنى ذلك أن كل فرد كويتي ما بين الرابعة من عمره إلى ما فوق العشرين هو الآن في موضع الاهتمام الأسري، وفي مقعد التلقي العلمي، ونستطيع أن نقول إنه في معسكر يطول أو يقصر من أجل أن يخرج منه إلى خدمة الكويت التي احتضنته صغيرا ورعته وعلمته يافعا وناشئا، وحافظت عليه شابا فتيا، وهي تستقبله بعد ذلك واحدا من العاملين في بنائها، الحريصين على تحقيق عزها، ورفعة شأنها.
الضمير الخلقي:
فكم عدد هؤلاء الذين يتلقون العلم بالنسبة لعدد السكان الكويتيين؟ نقول ونحن مطمئنون: إن عددهم لا يقل بحال من الأحوال عن ثلث السكان بل قد يزيد، وحين يحظى هذا العدد برعاية الأسرة واهتمامها في هذا الوقت، فإن ذلك قد يخفف من رهبة الامتحان، ويعطي الثقة والقدرة في التغلب على صعوباته -إن وجدت- وقد يوجه الآباء أبناءهم إلى التمسك بالمبادئ والفضائل ليتعاملوا مع غيرهم في ضوء الشرف والأمانة، فلا إيذاء للآخرين، ولا امتهان لكرامة المدرسين، بل لهم -من أبنائنا- كل الاحترام والتقدير، ولا اعتداء على حق الآخرين، وهذه بعض القيم الأخلاقية والروحية الموجهة للفرد نحو التوازن النفسي السليم. وإنما يكتسب الإنسان هذه القيم من خلال (عملية التنشئة الاجتماعية عن طريق تقمصه لقيم والديه، ولأوامرهما ونواهيهما وأفكارهما عن الصواب والخطأ، وعن الخير والشر، وعن الحق والباطل وعن العدل والظلم، وكذلك عن طريق توحده مع الجو الاجتماعي السائد في أسرته .. وتتبلور في نفسه هذه القيم السائدة على شكل “سلطة داخلية” تقوم مقام الوالدين حتى في غيابهما فيما يقومان به من نقد وتوجيه وإثابة وعقاب. وهكذا تؤدي به التربية الأخلاقية إلى أن يقيم على نفسه حارسا من نفسه: هذا الحارس أو “الرقيب النفسي” هو ما نطلق عليه “الضمير”.
فالإنسان بعد أن كان يعمل المباح ويمتنع عن المحظور خوفا من سلطة خارجية، هي سلطة الوالدين: أصبح يحمل بين جانبيه “مستشارا خلقيا” يرشده إلى ما يجب عمله، وينهاه عما لا يجب عمله، ويحكم له بالصواب إن أصاب، وبالخطأ إن أخطأ، ويجزيه راحة وسرورا إن فعل ما يرضاه، ويعذبه بوخز الضمير -وهو الشعور بالذنب- إن حاد عما يريد) (الصحة النفسية – د. مصطفى فهمي بتصرف)، ومن حق الآخرين ألا يغتصب جهدهم، أو يسرق سعيهم الذي سهروا من أجله، وغالبوا أهواء أنفسهم لتحقيقه، وليذكر الجميع قول رسولنا صلى الله عليه وسلم “من غشنا فليس منا”.
وهل يكون الغش إلا حين يموت الضمير أو يغيب تحت أستار كثيفة من الإعراض عن الدين، وإهمال الأبوين للناشئين، وتزيين الزيف من خلال صحبة الفاسدين، بعد أن يتخلى الآباء عن دورهم، ويعرضون عن أبنائهم ولا يهتمون بغير أنفسهم، مع أن الفطرة السليمة تأبى هذا المسلك مع الأبناء أشد الإباء؟ ونحن (نرى آباء تقوم تربيتهم لأبنائهم على مفاهيم غامضة: بعضهم يعتقد أن القسر هو التربية المفضلة، وآخرون يعتقدون أن الحرية هي خير هاد لأبنائهم، وبعضهم يفخر بتجاربه فيصبح مربيا بالتجربة، وغيرهم يؤمن أن ما ربي عليه هو أفضل طريقة).
والحقيقة أن كلمة عمر بن الخطاب: “ربوا أولادكم لجيل غير جيلكم لأنهم خلقوا في زمان غير زمنكم” تعتبر خير مثال يحتذى (آباء وأبناء لمؤلفيه كامل بنقسلي وخالد قوطرش)، فلا قسر ولا قهر ولا إفراط ولا تفريط في التأديب أو الحب.
حب الأبناء فطرة في الأحياء:
فحب الأبناء فطرة في الإنسان وفي الحيوان، وفي الحديث أن الله جعل في الأرض جزءا واحدا من رحمته فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق “حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه”، وفي القرآن الكريم: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا” (الكهف: 46) “إنما أموالكم وأولادكم فتنة” (التغابن: 15).
ولم يغب هذا المعنى عن أذهان الشعراء فقال بعضهم:
وإنمــا أولادنـا بيننــا أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيناي عن الغمض
فأين يذهب حب الأبناء المفطور في النفوس في معظم أيام السنة؟ وكيف يغيب عن الأجيال التالية لنا والوارثة لمواريثنا والحاملة أسماءنا من بعد رحيلنا عن هذه الأرض؟
لماذا لا يتواجد هذا الاهتمام دائما ليشب الصغار وهم محاطون بالحب والرعاية، يشعرون بعناية الأمهات ورحمتهن، وتعاطف الآباء وعنايتهم، فيكون هذا الابن أو هذه البنت محاطا بسياج يحميه من الآفات الضارة. إن الصغير نبتة غضة طرية إن حافظنا عليها بالرعاية والسقي والحفظ من الحشائش الضارة والآفات الجائحة، نمت وأورقت وأزهرت وأثمرت، وصارت تسر الناظرين، وإن أهملناها اجتاحتها الآفات، وأصابها الجفاف فلا ورق ولا ظل ولا زهر ولا ثمر، بل هي قذي في أعين المبصرين. هكذا الأبناء. فلماذا لا نجعلهم أول اهتمامنا ومحور حبنا نحفظهم بالدين، ونحوطهم بالنصح الأمين، ونبعد عنهم وسوسة شياطين الإنس. ونفتح لهم قلوبنا فنسمع همومهم ونمسح آلامهم، ونزيل شكايتهم، ونعينهم على الحياة، بأن نبث فيهم الإخلاص والصدق والوفاء والبر، وغير ذلك من الفضائل والمكارم التي من نشأ عليها شب عليها وشاب ولم يفارقها، ومن نشأ على غيرها فلا ندري أين متجهه؟ وما هي غايته؟
مشكلات اجتماعية:
إن مجتمعنا اليوم يشكو ويئن تحت وطأة بعض المشاكل الاجتماعية، التي تكاد أن تصل إلى درجة (الظاهرة) ومن هذه المشاكل انتشار المخدرات، التي تفتك بكل ما يقترب منها فلا تتركه إلا حطام جسد، قد تيبست روحه، وتبلد إحساسه، ولم يعد له هم في الحياة إلا طلب المزيد، ولو كان ذلك على حساب شرفه وزوجته وماله وأبنائه وحتى وطنه وأمته.
ولا ننكر أن من بين المدمنين بعض كبار السن، ولكننا لا ننسى أن أغلبية المدمنين من بين الشباب. فما الذي دفعهم إلى بحر الأوهام هذا ليسبحوا فيه؟
إن هناك أسبابا عديدة وراء هذه الظاهرة لا نتعرض لها الآن ونحن بصدد الحديث عن الأبناء ورعاية الأبناء، ولكنا نقول: إن الإعراض عن الأبناء والانشغال عنهم، وعدم معرفة أمورهم وإغفال متابعتهم، هو من أكبر الأسباب المؤدية إلى طريق المخدرات أو طريق الهاوية التي لا خروج منها إلا بصعوبة شديدة. فلماذا يدفع بعض الآباء أبناءهم إلى هذا الطريق؟ وإذا ما كانت الدابة ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبة، رحمة به ورفقا أفلا يرفق الآباء بأبنائهم، باحتضانهم في الأسرة وعدم التخلي عنهم والانشغال بغيرهم من متاع الدنيا؟
وهذه ظاهرة واحدة من ظواهر كثيرة قد ينجرف نحوها الشباب وينحرف، إن ترك بلا عناية ولا رعاية ولم نتعهده بالتربية اللازمة والتوجيه السديد، وخاصة من أقرب المقربين الذين لا هم لهم في الحياة إلا صلاح أبنائهم وإصلاحهم ليكونوا ممن ينطبق عليه قول الله تعالى: “وأصلح لي في ذريتي” وقوله سبحانه: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين..”
والأمر بيد الآباء يفعلونه -إن أرادوا- بغير عسر أو ضيق، لأنهم يفعلونه بعناية واهتمام زمن الامتحان. فلماذا لا يكون هذا الاهتمام موجودا على مدار أيام السنة، ليكون خير معين، وأعظم دليل يقود إلى المستقبل الذي نتخلى فيه عن دورنا لأبنائنا بعد أن نطمئن على حسن تربيتهم وحسن سلوكهم؟
فهل نعدهم ليقطعوا شوطهم في الحياة أو نتركهم يتساقطون دون أن تلحق بهم قوافل النجاة؟

