الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين – مكة

حفظ الله كتابه من التحريف أو التغيير، وجعله صراطا مستقيما، لا تزيغ به الأهواء وتوعد الذين يتركون العمل به بأن يقصمهم ويذلهم (من تركه من جبار قصمه الله) ومن حاد عنه وانحرف عن سبيله ضل وغوى (من ابتغى الهدى في غيره أضله الله) وكفى بهذا الكتاب فخرا لهذه الأمة أن نزل بلغتها، وأحيا مواتها، وصنع منها خير أمة إن تمسكت به، وجاهدت في سبيل إعلاء كلمته، وسيادة شريعته، وأخذت نفسها بتعاليمه، واستقامت على هداه.

وحملة القرآن الكريم من بيـــن الناس أرقهم أفئدة، وأعظمهم أخلاقا، وأقومهم طريقا -أو هكذا ينبغي أن يكونوا- لقربهم من القرآن، وعملهم بتعاليمه، ويقينهم بأقواله، وثقتهم في تحقيق ما جاء فيه من وعد أو وعيد، ولذا حين رأى عمر رضي الله عنه كاهنا يجتهد في العبادة بكى، قيل يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في كتابه “عاملة ناصبة، تصلى نارا حاميةفذاك الذي أبكاني. (مختصر تفسير ابن كثير 3/632).

هكذا إحساس المتدبرين للقرآن، التالين لآياته، يفرحهم الثواب والخير والهدى والنور فتنشرح صدورهم وصدور قوم مؤمنين، يسمعون تلاوتهم ويعايشون كتاب الله معهم.

ومن هؤلاء -إن شاء الله- إمام الحرم المكي الشيخ / عبدالرحمن السديس -ولا نزكيه على الله- الذي عايشنا معه كتاب الله في ليالي رمضان في الحرم الشريف، وهو يتمثل معاني الآيات حين يقرأ بصوت جهوري وهبه الله إياه، فأحسن استخدامه فيما ينفع الناس، فالآيات تمر من لسانه إلى قلوب المصلين خلفه في الحرم، فإذا تأثر بالمعاني وسالت منه الدموع، وجدت كثيرا من المصلين يبكون.

لقد اعتاد عامة الناس أن يبكوا عند ذكر الموت أو الجنة أو النار، وخاصة الناس من الدعاة يبكون عند ورود هذه الآيات على لسانهم، وتمثلهم لها بقلوبهم وعقولهم، ويزداد بكاؤهم على معاناة أمتهم، وتفرق شملها، وتحزب بنيها، واتجاه هؤلاء شرقا، واتجاه اولئك غربا، ولقد ذكرنا في العام الماضي صورا من هذه المعاني مع الآيات التي كان يتلوها في الحرم الشيخ / سعود الشريم، حين قرأ علينا من قصة نوح: “يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين وفي ليالي رمضان هذا عايشنا آيات الله مع الشيخ / عبدالرحمن السديس وهو يقرأ علينا آيات من سورة المائدة “وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا..الآيات من 20-25

وفيها طلب موسى عليه السلام من قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهيم “يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولكنهم أبوا دخولها مظهرين استخزاء مذلا “إن فيها قوم جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها وهنا انبرى رجلان يخافان ربهما ويخشيان عقابه فقالا: “ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا..” ولكنهم أصروا على استخزائهم “لن ندخلها أبدا ما داموا فيهاوأظهروا قسوة قلوبهم وجفوة طباعهم، وسوء أدبهم مع الله ومع رسوله فقالوا لموسى عليه السلام: …فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدونفدعا موسى ربه “..فافرق بيننا وبين القوم الفاسقينفجاءهم العذاب الأصغر عذاب الدنيا حين كتب الله عليهم التيه أربعين سنة، قبل أن يدخلوا الأرض المقدسة، بعد أن لم يكن بينهم وبين دخولها إلا أن يعبروا الباب، فنكصوا عن طاعة الله ورسوله فشردوا أربعين سنة، جزاء وفاقا على جدلهم العقيم وسوء أدبهم الذي بلغ مبلغا عظيما وكان البكاء على أحوال هؤلاء المذنبين الذين استحقوا عقاب الله في الدنيا، فتأخروا أربعين سنة مشردين خائفين مذعورين لا يعرفون الأمان، ولا يدركهم اطمئنان.

وهكذا العصاة يتأخرون عن الركب وإن ظنوا أنهم متقدمون، ويؤخرون الأمة وإن زعموا أنهم طليعيون ويسيرون في الظلمات وهم لا يدرون، وتتوالى عليهم المصائب وهم سادرون في غيهم، لا يضرعون إلى ربهم ولا يتوبون من ذنوبهم، ولا يعملون على نفع أنفسهم وأمتهم.

وهكذا من يشقون الصف المرصوص، فيزلزون أركانه، ويهدمون بنيانه، دون أن يتمكن أحد من رأب صدعه إلا بعد سنين عددا، تتغير فيها الأحوال، وتظهر فيها أجيال تسير إلى ربها في عبودية ظاهرة، وتتمسك بمنهجه في رضا كامل، لأنها ترى فيه عزها، وترى فيه فلاحها وفوزها في الدنيا والآخرة “فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى“.

والدعاة يؤلمهم التأخر والتقهقر، ويخافون عذاب ربهم ويرجون رحمته ولذلك يبكون ويألمون حين تمر على قلوبهم وألسنتهم آيات القرآن تبين جزاء الناكصين، وعقاب الله للمكذبين، ويخشون على أمتنا أمة الإسلام أن تسير سيرهم فتنال عقابهم “ولا يظلم ربك أحدا“.

إن قلوب الدعاة تنفطر وأحزانهم ترتفع، وتتساقط منهم الدموع على حال الأمة، وهم يدعون الله أن ينقذ الأمة من محنتها، وأن يرشدها سواء السبيل.