قيم الإسلام تصون الإنسان:

مع بداية الصيف وانتهاء الطلاب من امتحاناتهم، تستعد أسر كثيرة للسفر خارج البلاد، حيث يذهبون إلى بلاد قريبة منا دينا ولغة، أو إلى بلادٍ بعيدة تدين بغير ديننا، وتتكلم بغير لساننا، وتشيع فيها أعراف وعادات وتقاليد تخالف ما نشأنا عليه ودرجنا، مما صار يشكل جزءا من حياتنا، لا نستطيع أن نتخلى عنه، أو أن نستبدل به غيره إلا إذا فعلنا كما فعل الغراب في القصة الرمزية المعروفة، حيث أراد الغراب أن يقلد الطاووس فما استطاع، فأراد أن يعود إلى طبيعته الأولى فما استطاع، فلا هو صار طاووسا ولا بقي محتفظا بأصله وطبيعته .. ولسنا والحمد لله نرضى بهذا السلوك المشين الذي نقلد فيه غيرنا، ونتخلى عن طباعنا الأصيلة، لأن هذا -حتى لو أردناه- غير مستطاع، فديننا وتربيتنا وأخلاقنا وبيئتنا .. كل ذلك يأبى علينا أن نكون شيئا آخر غير ما نحن عليه. فحيثما وجدنا وجدت معنا هذه العوامل، التي تشكل الوجدان، وتصون الإنسان، فلا ينجرف في تيار العصيان، ولا ينساق وراء الانحرافات العديدة والموبقات الشديدة، التي تعج وتمتلئ بها البلاد غير الإسلامية، وتيسرها لطالبيها، بل وتغريهم بها وتشدهم إليها.

 

أنت تمثل دينك وقومك:

وقد كان من فضل الله على المسلمين أن صانهم بهذا الدين، الذي أوجب عليهم العفة، وحدد لهم مسالك الاستمتاع بالنساء عن طريق الزواج الصحيح وحده، دون أن يكون هناك طريق آخر، صانهم الله بهذا التشريع من أن تشيع فيهم أمراض العصر الفاتكة، التي ما يكاد يذكر اسمها حتى يستعيذ الناس من شرها، ويطلبون من الله الوقاية منها .. أسمعت عن الايدز الذي لا علاج له؟ أيسرك أن تجعله هديتك لأهلك وولدك عندما تعود من سفرك المنكود؟ أنا لا أعتقد فيك ذلك، وأربأ بك أن تعرض نفسك لمثل هذا الشر أو حتى لما هو أخف منه، بل إني أعتقد أنك تستشعر دَيْناً في عنقك نحو دينك، ودَيْناً في عنقك نحو بلدك، ولذا فإنك أثناء سفرك سفير متجول بين الناس لبلدك، داعية بسلوكك وتصرفك وحسن أخلاقك لدينك الذي تحمله في قلبك، وتمارس شعائره في سفرك وفي إقامتك، والناس في غير بلاد المسلمين لا يودون أن يعرفوا شيئا عن الإسلام، لأن كثيرا من المنتسبين إليه لا يمثلونه خير تمثيل، بل إن بعضهم ليشوّه صورته أعظم تشويه أمام الآخرين، فينفرهم منه، ويصدهم عنه، ويضيف بذلك آثاما إلى آثامه، وأوزارا يحملها فوق ظهره حين يلقى ربه.

 

غرس أثمر:

وما كان المسلمون الرحالون إلى البلاد الأخرى في العصور السابقة إلا دعاة إلى الله بسلوكهم وأعمالهم لا بألسنتهم وأقوالهم .. والمسلمون اليوم في جنوب شرق آسيا الذين يعدون بمئات الملايين هم غرس أولئك التجار المسلمين الذين خرجوا من الجزيرة والخليج إلى تلك البلاد، فكانوا بهدى دينهم الذي استصحبوه في أسفارهم ولم يتخلوا عنه، كانوا خير دعاة يحملون نور الله الذي يبدد ظلام الوثنية .. وأنت -أيها المسافر اليوم- تسير في بلاد عديدة لا تعرف من الدين إلا اسمه، فهل تكون بسلوكك كما كان أجدادك السابقون أم تذوب هناك وسط الجموع، فتفعل ما يفعلون، وتضل كما يضلون؟ “والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم”.

 

أنت حيث تضع نفسك:

إنه لمن العار أن تترك صورة المسلم المضيئة داخل حدود بلدك لتخرج أنت معربدا بين الناس، غير عابئ بخلق ولا بدين، وغير عابئ بمسبة تلحقها ببلدك واقرأ معي ما قاله الأستاذ طارق ذياب في مجلة المجتمع العدد 1302 تحت عنوان السفر غير البرىء: (خلال عطلة الهجرة النبوية سافرت إلى إحدى الدول العربية المطلة على البحر المتوسط لإنجاز بعض الأعمال، وعند عودتي تأخرت الطائرة عن موعدها، فانتظرنا لمدة ساعتين في صالة الانتظار التي امتلأت بالمسافرين العائدين إلى الكويت، ولقد هالني الأمر، فقد كانت أغلبيتهم من الشباب الكويتي الذين تراوحت أعمارهم بين 15 و25 سنة، إلا أن عددا منهم كانوا في حالة من السكر الواضح، وقد احمرت أعينهم وهم يتضاحكون بصوت عال خال من الحياء والأدب، ويتبادلون النكات السمجة، ويتحدثون عن أخبار مغامراتهم مع بائعات الهوى الرخيصات جدا في تلك الدولة.

هذا الأمر يدفع للتساؤل: هل هذا هو الشباب الذي ستعتمد عليه دولتنا الفتية في بناء مستقبلها؟ وهل هذا هو الشباب الذي ستناط به مسؤولية حماية البلاد ورفعة شأنها؟

ثم أين الرقابة الأسرية على هؤلاء الفتية؟ وهل يعلم ذووهم ما غرض سفرهم؟ وهل يأبهون لاحتمال وقوعهم في الزنى والمحرمات؟).

وإذا -أيها المسافر- مثلت دينك بحق كسبت احترام الآخرين وإن خالفتهم في عاداتهم وتقاليدهم، وحينئذ يسهل عليك أن تكون سفيرا متجولا لبلدك “الكويت” العزيزة عليك.

وأن تكسب رأيا عاما شعبيا يكون لها في الملمات سندا وعونا، لأنهم رأوا من شبابها الجد في التصرفات، وحسن الخلق في الأسفار والإقامات، رغم ثرائهم ووفرة المال في أيديهم. فكيف لا يؤيدون قضية الكويت العادلة، وهم يرون اتزان الشباب وحكمة الكبار، وحسن التصرف في كل الأحوال؟

ومما يعين المسلم في أسفاره:

1- اختيار الصحبة الصالحة، التي تعينه إن ذكر، وتذكره إن نسي وتجعل من كل واحد فيها رقيبا على الآخرين، يحافظ عليهم من نزغات الشياطين لأنه يتحرك معهم، ولا يسير إلا في معيتهم وصحبتهم، وهم يعلمون أن أمامهم مهمة يقومون بها، وسواء كانت هذه المهمة علما يطلب، أو علاجا يستكمل، أو سياحة في الأرض للنظر والتأمل، أو للتجارة أو غير ذلك من الأغراض البريئة، فإن الصحبة الصالحة خير رفيق في الأسفار، تحمي الفرد وتصونه من الأخطار.

2- استشعار عزة المسلم، الذي يأبى له دينه أن يتدنس بالأرجاس أو يتلطخ بالقاذورات، التي تحط من كرامته، وتسيء إلى دينه وبلده، وتجعل الناس يحقدون عليه لسفهه، وسوء فعله، ويتمنون أن يقع في الكوارث والمشكلات التي تشغله عن لهوه ولعبه، خاصة حين يرون أنه يمثل خير تمثيل قول الشاعر القديم:

إن الشباب والفراغ والجدة              مفسدة للمرء أي مفسدة

(الجدة: المال)

فإذا ما تغلب الشباب على الفراغ، وأحسنوا إنفاق المال سلموا في أعين الناس من الفساد والإفساد.

3- وضع برنامج عملي لاستغلال فرصة السفر في التأمل في خلق الله، ودراسة ما يحيط بالإنسان في البلد الذي أنت ذاهب إليه، ومعرفة عوامل الرقي أو الانحطاط التي تراها أمامك وإرجاعها لأسبابها القريبة أو البعيدة، وهل لها مثيل في البلاد الإسلامية أولا؟ ولماذا؟ وكيف نحقق عوامل الرقي، ونبتعد عن عوامل الانحطاط؟ وما دورك أنت في ذلك حين عودتك إلى بلدك؟ ولماذا يتقدمون هناك ماديا وينحطون أخلاقيا؟ وكيف يحترمون حقوق الآخرين المالية ومن ثمَّ لا يراعون حقوق الآخرين في الأخلاق والحياء والمحافظة على الأعراض؟

إن المسافر ما لم يستفد من كل ما يراه، وما لم يحكم عليه بميزان دينه وخلقه قد يغتر بما عند الآخرين وقد يختلط عليه الخير والشر، فلا يدري بأيهما يأخذ، ولا أيا منهما يختار. فهل نأخذ حذرنا في سفرنا؟

الفرص عديدة داخل الكويت:

ولقد أصبح من العادات المتبعة في الكويت أن يسافر معظم الناس في فصل الصيف إلى الخارج، وقد يستدين البعض من هنا أو من هناك حتى يقوم برحلة الصيف الميمونة، ثم يظل طول العام مكبلا بالأقساط، يضيق نفسا مع أول كل شهر حين يقتطع قسط مما أخذه وأنفقه في غير ما يفيد أو ينفع، ثم لا يتعظ بهذه التجربة، بل يظل يكررها كل عام، وكأنما أصبح السفر فريضة لازمة يلزم الإنسان بها نفسه، وإن تحمل في سبيلها المشاق .. والإنسان بذلك يثبت أن الله أرحم بخلقه من الإنسان بنفسه، لأن الله حين أوجب الحج أوجبه على القادرين وحدهم، ولم يطلب من خلقه أن يستدينوا ليؤدوا فريضة أوجبها عليهم، قال سبحانه: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا” فغير المستطيع لا يجب عليه الحج، فلماذا يوجب على نفسه السفر كل صيف؟

إن الذين لا يتمكنون من السفر لسبب من الأسباب أمامهم فرص كثيرة ليستمتعوا بوقتهم داخل الكويت في قراءة نافعة، أو الاشتراك في الأندية الصيفية التي تقيمها جمعيات النفع العام للكبار والصغار، وللرجال والنساء، أو في تعلم بعض المهارات النافعة، أو غير ذلك مما يزيد رصيد الإنسان الثقافي والفكري والعملي من غير أن يشعر بعبء الديون، أو يضيق عند سدادها.

إن على المسافرين واجبات كثيرة جسيمة نحو أنفسهم ونحو بلدهم ونحو دينهم فهل تؤدى هذه الواجبات؟

وإن أمام غير المسافرين فرصة للتزود الإيماني والثقافي، والمشاركة في العمل الاجتماعي فهل يحققون ذلك؟