الشيخ : د.جاسم محمد مهلهل الياسين
الرسوم وزيادة الأسعار
الرسوم التي أقرتها وزارة الصحة أخيراً ، والرسوم التي ينتظر أن تقر عاجلاً أو آجلاً ، والزيادات المنتظرة في الماء والكهرباء وغيرهما من الخدمات إلى جانب زيادة أسعار المحروقات في حاجة إلى وقفة للتفكير في أصلح الطرق وأنسبها لنرفع بعض العبء عن كاهل الميزانية العامة، التي ينوء كاهلها بكثير من الأعباء ، خاصة حين تتدنى أسعار البترول ، وتزيد مطالب الإنفاق العامة في البنود الأساسية التي توجه الدولة نفقاتها نحوها .
وليس غريباً أن تلجأ الدولة إلى فرض الرسوم في الأمور التي تستحق ذلك لتعوض الدولة بعض
|
لا اعتراض على فرض رسوم على القادرين بشرط أن تعود على الناس في صورة خدمات وألا تمس الجوانب الأساسية في حياتهم |
نفقاتها ، ولتقلل من الهدر غير النافع في بعض المجالات التي لا يستفاد منها ، لا اعتراض لنا على مبدأ فرض بعض الرسوم على القادرين بشرط أن تعود هذه الرسوم على الناس ، في صورة خدمات ميسرة ، وأن تكون هذه الرسوم مقبولة لدى عامة الناس وألا تمس الرسوم الجوانب الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في حياة الإنسان ، فهل زيادة المحروقات بنسبة تزيد عن 30% نسبة مقبولة عند كثير من الناس ؟ وهل تعود الرسوم على المواطنين في صورة تحسين خدمات وتيسير الحصول عليها ؟ وهل المحافظة على صحة الناس وحمايتهم من الأمراض ليست من الجوانب الأساسية المؤثرة في حياتهم وانتاجهم ؟ .
لقد كان أولى من فرض هذه الرسوم أن توضع غرامات على المستهترين والذين لا يراعون حقوق الآخرين ، كان أولى أن تفرض رسوم على الذين يدخنون في الأماكن العامة ، أو الذين يخالفون العرف العام في سلوكهم وألفاظهم ، أو الذين يسارعون الموت في الطرقات ، أو الذين يكسرون إشارات المرور ويستهترون بقوانينه ، أو غير ذلك مما يعيد إلى القانون هيبته ، وإلى الكويت أمانها وطمأنينة أبنائها ، وروحها الإنسانية التي تميزت بها دائماً ، وعرفت بها في العالم ، حتى إنها – على صغر حجمها- تكون المبادرة إلى إغاثة الناس المكروبين ، وأقرب الأمثلة على ذلك موقفها المميز تجاه تركيا في نكبة الزلزال الأخير .
وهذه الروح الإنسانية التي اتسمت بها الكويت والتي تذهب إلى الآخرين في أرضهم ، ينبغي ألا تخلو منها أرض الكويت ، وينبغي أن تراعي حالات المواطنين عند فرض أية رسوم أو زيادة في الأسعار .
السفر والترحال
تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همّ ، واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد
ومن قديم عرف الإنسان الأسفار في البر والبحر ، وعرفها – حديثاً – في الجو ، واستخدم الإنسان
|
تخفيف العبء عن الميزانية العامة يمكن الوصول إليه عن طريق فرض غرامات على مخالفي العرف العام أو المتسببين في الأضرار |
في أسفاره كثيراً من الوسائل المعينة والمريحة ، حتى استقر الأمر اليوم على السيارات في البر والسفن في البحر والطائرات في الجو ، ولكل محاسنه ومتاعبه التي تجعل بعض الناس يفضلون وسيلة على أخرى ، كلما كان هناك مجال للتفضيل والاختيار .
ومعظم الكويتيين – إن لم يكونوا كلهم _ يسافرون كل صيف ، ويشدون الرحال إلى كثير من بقاع الأرض في الشرق والغرب ، ينشدون شيئاً من الراحة بعيداً عن حرارة الجو اللاهبة في أشهر الصيف الحارة ، وبعضهم يسافر للعلاج أو للتجارة أو غير ذلك من الأغراض المباحة ، التي لا حظر فيها على الإنسان ، بل ربما كان فيها مزيد من اليقظة والوعي ومعرفة الأمور على وجهها الصحيح ، والمهم في هذه الأسفار – أياً كان الغرض منها – أن يريح الإنسان نفسه ليجدد نشاطه ، وألا يرتكب محظوراً شرعياً ، خاصة إن سافر إلى بلاد لا صلة لها بالإسلام، أو كانت صلتها به واهنه واهية ضعيفة .
أعمال دعوية مشرّفة
ولذا فإن التخطيط لمثل هذه الأسفار يحقق للإنسان أفضل الأماكن ، وأفضل الخدمات ، وأفضل المتع وأشرفها ، فكثير من البلاد – في الغرب والشرق – تبرز فوقها مراكز إسلامية ، وتظهر فيها المساجد ، وأصحاب الدعوة العاملين في حقلها موجودون في كل مكان ، يحاولون أن يظهروا دين الله على الدين كله ، كما أن مشاريع الكويت الخيّرة من مساجد ومدارس ودور أيتام ومراكز دعوية ، ومشاغل يدوية موجودة في كثير من بلاد الإسلام ، وموجودة كذلك في غير بلاد الإسلام ، مما يجعل الزائر المسلم في سرور لرؤية هذه الأماكن التي كان الدافع إليها دينياً ، والتي ما يزال عملها مرتبطاً بالناحية الدينية الشرعية …. والذين يذهبون إلى باكستان أو إلى البوسنة أو إلى احدى جمهوريات آسيا الوسطى أو إلى غير ذلك من الأماكن يرون عجبا من العجب ، وجهداً كبيراً صنعته أيدٍ كويتية تحب الخير وتسعى إليه ، وتحرص على بقائه ليؤتى ثمرته ، والذين يذهبون إلى الهند أو البنغال أو إحدى دول جنوب شرق آسيا يرون كذلك من أعمال الخير الكويتية أماكن كثيرة ، والذين يذهبون إلى بلاد أوربا وأمريكا سيجدون هناك مراكز إسلامية تحاول أن تؤدي دورها وأن تظهر نشاطها في خدمة الإسلام والمسلمين .
وهذا فضلاً عن إفريقيا التي لنا فيها – بحمد الله – جهود كبيرة ، ودعاة عديدون ، يعملون في
|
للكويت في كثير من مناطق العالم أعمال إسلامية دعوية بارزة ، تؤدى دورها في خدمة الإسلام والمسلمين |
المساجد والمراكز الإسلامية العديدة التي أقيمت في سنوات وسنوات ، حتى كادت تعم – هناك – كل البلاد .
وقد كان المسافرون من أهل الكويت – وما يزالون – يذهبون إلى جمعية الإصلاح الاجتماعي ليأخذوا مواعيد الصلاة وعناوين المراكز الإسلامية في البلاد التي يذهبون إليها ، حتى يكونوا على بينة من أمرهم ، في حالة احتياجهم لأمر من أمور دينهم في المطعم والمشرب والإقامة والترحال ، وغير ذلك مما يحتاج إليه المسافر .
سياحة صيف :
ولقد يسر الله لى أن أذهب إلى هنا وهنالك من مناطق عملنا الخيري ، ورأيت من علائم الخير ودلائل الحرص على إظهار الحق ، ما أشعرني بالراحة والسرور ، وغمرني بالرضا ، لأن أهل الكويت لا ينسون واجبهم نحو دينهم في أي أرض وجدوا وفي أي مكان حلّوا .
وبعد عودتي عزمت على أخذ أهلي وأولادي في سياحة صيف – كما يسميها الكويتيون – وأخذنا نتشاور ونتحاور حول أي الأماكن نذهب ؟ ووقع الاختيار على المملكة العربية السعودية ، التي لها في نفس كل كويتي ، بل في نفس كل مسلم منزلة عالية ومكانة سامية ، ففي أرضها نبت الخير وظهر النور ، وعم الهدى وانتشر ، حتى عم الكون كله وهذه نعمة من الله ومنة في عنق كل مسلم : ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) .
وإن وقفتها الشجاعة غير المترددة مع الكويت إبان الغزو العراقي تجعل لها في قلب كل كويتي منزلة فوق منزلتها تتعزز بها مكانتها ، وتتأكد بها درجتها العالية .
المملكة قارة إسلامية :
والحق أن المملكة العربية السعودية تعتبر قارة إسلامية يحار المرء فيها من أين يبدأ وإلى أي مكان يتجه ؟ وكلها جميل محبب تهواه النفس وتهفو إليه ، وفيها كل ما لذ وطاب مما تهواه النفوس والعقول والقلوب من طعام وشراب أو غذاء فكري عقلي ، أو تدفق إيماني قلبي يزداد به المؤمن إيماناً ، مع تنوع في مناظرها وجو بلادها ، وطبيعة أرضها ، ووضعنا خارطة السفر التي تبدأ من الدمام وبحرها إلى الرياض وعماراتها وحضارتها العمرانية البارزة الظاهرة ، مروراً بأرض القصيم وبساتينها ونخيلها … ثم إلى المدينة المنورة بما يحمله لها القلب من إجلال ومايحمله لها العقل من ذكربات باقية ما بقيت شمس تشرق ، إنها ذكريات الجهاد في سبيل التمكين لهذا الدين ، ذلك الجهاد الذي كانت تنطلق قوافله من المدينة إلى بدر فأحد ثم إلى غيرهما من الغزوات حتى فتح مكة ، وحنين ، وتبوك ، ثم بعد ذلك انطلقت جيوش الإسلام إلى الشرق والغرب تعلن تحرير الإنسان من ربقة الذل والاستعباد .
إنها ذكريات تعمّق الإيمان الذي يزداد حين يعيش الإنسان في الأماكن التي عاش فيها أصحاب
|
المملكة العربية السعودية لها في قلب كل كويتي وفي قلب كل مسلم منزلة عزيزة غالية |
رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين يشعر أنه يسير على دربهم وينهج نهجهم ، وحين يزور مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، أحد المساجد التي تشد إليها الرحال ، والذي كان على بساطة بنائه ، له أعظم الآثار في تربية الرجال و الأجيال .
إنها ذكريات المسلمين الأوَل ، وهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم يواجهون مكايد المنافقين ودسائس المخادعين ، وختل اليهود والتواء طبيعتهم ونقضهم عهودهم ، ولعل هذه الذكريات تعيد لنا التوازن المفقود ونحن نضفي على اليهود كثيرا من المكارم مقابل سلام هزيل ، وهم يتمنعون ويراوغون ، ثم يتفقون ويعاهدون ولا يوفون ، وكأنهم بذلك يقولون للمسلمين : ألم تدرسوا تاريخنا مع رسولكم ؟ ألم تعرفوا ما فعلنا في المدينة وخيبر وغيرهما من الكيد للإسلام والمكر بالمسلمين ؟ إنكم إن درستم سيرة نبيكم لعرفتم مع من تتعاملون ، وحول أي شيء تفاوضون ؟ ولكنكم رضيتم بالزرع وتبعتم أذناب البقر وتبايعتم بالعينة ، فخدعكم اليهود وغروكم عن دينكم ، وها أنتم أولاء تطلبون السلام فيأبون وتلحون وتلحفون في السؤال ولا يقبلون ، فأي ذل هذا الذي أنتم تفعلون ؟
وكم من ذكريات للمسلمين في المدينة ، تجعل من الذهاب إليها راحة للضمير وأماناً للقلوب وجبراً للخواطر المكسورة ، وللنفوس الكسيرة .
ثم بعد ذلك نذهب إلى مكة مشرق النور الإسلامي ، حيث لا تجد في أرضها – على اتساعها – مكانا إلا وهو يحمل دلالة إسلامية في موقف فداء أو تضحية أو بلاء ، وكأنها تقول للمسلمين اليوم : أين أنتم من مسلمي الأمس الذي ضحوا وبذلوا وقدموا في سبيل الدين ما لا يستطيعه غيرهم ففازوا وعزّوا ، أين أنتم منهم ؟
ولا ننسى ونحن في هاتين المدينتين ( مكة والمدينة ) أن نلفت الأنظار إلى التوسعة الكبيرة التي أضافها خادم الحرمين الشريفين إلى الحرم المكي والحرم المدني مما ساعد الحجاج والمعتمرين والزائرين على أن يستشعروا لذة الإيمان وعمق اليقين ، وأن يخرجوا إلى بلادهم وقد تزودوا بزاد من التقوى والعمل الصالح في غير كد أوعناء كبير .
ثم يكون الذهاب إلى الطائف والباحة وخميس مشيط وأبها البهية وهذه المناطق بجبالها العالية وبرودة جوها وخضرة أرضها وجمال مناظرها ، إنما هي قطعة من بلاد الشام أو قل إن شئت : قطعة من بلاد أوربا في قلب الجزيزة العربية .
أما الجوف فحدث عنها ولا حرج وكل ما قلته صحيح من غير مبالغة لما لها من جمال خلاب ، وهدوء مريح .
حب متبادل :
وما ذكرناه عن هذه البلاد ليس بشيء إن تحدثنا عن طيبة أهلها ، وسلامة صدوركم وحسن كلامهم الذي يعبر عن حبهم لأهل الكويت ، حيث يعبر الجميع لك عن هذا الحب والتقدير ، بوسائل مختلفة ، وليس هذا الحب للكويت وأهلها قاصراً على فئة من الناس دون أخرى ، بل إنك تجده عند كل الناس ابتداء من خادم الخرمين الشريفين ، وانتهاء بأي فرد مواطن أو مقيم .
ولم نستطع – حين قمنا بالرحلة – أن نذهب إلا إلى مكة والمدينة ، ثم إلى أبها بضعة أيام ثم عدنا إلى مكة ، نستروح نسمات الايمان التي تخفف من حرارة الجو التي بلغت 48 درجة ، ولا يكاد أحد يشعر بدرجة الحرارة العالية هذه لأن الجانب الإيماني والاستغراق في ذكريات الإسلام الأولى ، وما لقيه المسلمون هناك من عنت وإرهاق يجعل المرء لا يفكر في درجة الحرارة ، بل لا يكاد يشعر بها .
المملكة إذن تمثل قارة إسلامية تتنوع فيها طبيعة الأرض ، وألوان النبات وظروف المناخ ويستطيع
|
كل مكان في مكة أو المدينة يذكرك بواجبك نحو هذا الدين ، الذي قام على التضحية والفداء واسترخاص متاع الحياة الدنيا |
فيها كل إنسان أن يجد طلبته ، وأن يستمتع بوقته ، وأن يحافظ على تعاليم دينه ، وإني لأتمنى أن ترتبط أجزاء المملكة بشبكة من السكك الحديدية ، كما ارتبطت بشبكة واسعة من الطرق البرية ، ليسهل انتقال الإنسان ، وتزداد أمامه فرص الاختيار وإني إذ أعود إلى الكويت أعود وفي نفسي شوق وحنين للمملكة العربية السعودية ، وفي قلبي حب وتقدير لأناسها الأوفياء الأمناء .

