الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين

بمناسبة مرور خمسين عاما على اغتصاب فلسطين بحسب التوقيت العبري للدولة اليهودية أذاعت محطة تلفاز (m.b.c.) فيلما وثائقيا أنتجته محطة  (b.b.c.)يصور الصراع الذي دار على الأرض المحيطة بالمسجد الأقصى الذي أخبرنا الله سبحانه أنه بارك حوله في قوله: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..(الإسراء:1).

أرض المسلمين هذه المباركة تحتفل الدولة الصهيونية باغتصابها تحت اسم جديد هو “قيام دولة إسرائيل” وانساقت أجهزة الإعلام حتى في بعض الدول العربية فمسحت كلمة فلسطين المغتصبة من معجمها المتداول، وأحلت محلها “قيام دولة إسرائيل” أما كيف قامت؟ وأين قامت؟ وعلى حساب من قامت؟ فذلك مسكوت عنه، حتى تمحى فلسطين من ذاكرة الوجود، لتلمع فيه إسرائيل بقامتها المديدة، وشهرتها الفسيحة، ومكانتها المدللة لدى أرباب العصر وسدنة الأرض من أهل الغرب، في عصر هيمنة الأقوياء وانتكاسة الضعفاء، وضياع الحقوق في الهيئات الدولية، واستخدام (الفيتو الأمريكي) ضد أي قرار دولي حتى ولو اتصل بالقدس التي تمس مشاعر المسلمين في كل بقاع الأرض قبل غيرهم، ورفض إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، واستكثار الانسحاب الإسرائيلي من 13% من أراضي الضفة الغربية وغزة، والعمل على إذلال السلطة الفلسطينية بخيانة المعاهدات، حتى تظهر ضعف السلطة وافتقارها واحتياجها إلى الكيان الصهيوني، كي تقف على قدميها، ويعلن (نتنياهو) أن مواعيد المعاهدات ليس شيئا مقدسا، ومنذ متى -يا نتنياهو- حفظ اليهود عهدا، أو صانوا موثقا؟ إن البله هم الذين يصدقون أنكم توفون بالعهود، وترعون الحقوق، وتصلحون في الأرض ولا تفسدون؟ أما غير هؤلاء وهم بحمد الله كثيرون، فإنهم يعرفون تاريخكم، ولا يغفلون عن غدركم.

مشاركة الدول الغربية:

تحتفل إسرائيل بقيامها قبل خمسين عاما، ويحتفل معها العالم الغربي بهذه المناسبة السعيدة؟!!!

ويرسل كلينتون إلى نتنياهو رسالة تهنئة بهذه المناسبة يقول فيها: (إننا فخورون بالروابط القوية التي أقمناها مع إسرائيل على أساس قيمنا ومثلنا المشتركة، هذه العلاقة الفريدة ستصمد مثلما صمدت إسرائيل “ما زال توف” حظا سعيدا بالعبرية).

ويأتي “آل جور” نائب الرئيس الأمريكي إلى إسرائيل لحضور هذه المناسبة ويخطب في اليهود معلنا تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل وكان مما جاء في خطبته: (إن قلبي وقلوب كل الأمريكيين تخفق معكم ونحن نحتفل بالذكرى الخمسين لميلاد إسرائيل .. إنه لشرف عظيم أن أشارككم احتفالكم هذا .. واعتذر عن عدم تحدثي العبرية “قالها بالعبرية” نحن نقف معكم ونؤيد حلمكم من رماد المحارق النازية نهضت عنقاء دولة إسرائيل .. أهم حقيقة أنه بينما تسعى إسرائيل لتحقيق قدرها فإن الولايات المتحدة لن تدعها أبدا تقف وحيدة .. الرئيس كلينتون وأنا وكل الأمريكيين فخورون بأن نكون أول دولة اعترفت بكم بعد 11 دقيقة من إعلنم الدولة (15/5/1948) وأن علاقتنا (eternal) أبدية .. إنه فخر لي أن أكون صديقكم).

ويرد عليه نتنياهو بقوله: (السيد نائب الرئيس، هذه هي أرض الميعاد .. هذه هي المدينة على التلال، هذه هي القدس مدينتنا التي لن تقسم أبدا..)

وحتى تكتمل البهجة وتتم الفرحة فإن السفارة الأمريكية في الكويت -احتفلت في نفس اليوم- كما يقول الدكتور / عبدالله خليفة الشايجي بالعيد الـ (222) على استقلال أمريكا، ثم يقول الدكتور: “لا أدري حسب أي تقويم؟ لأن الجميع يعلم بأن العيد الوطني الأمريكي هو 4/7 من كل عام) ونحن نقول: إن تزييف التاريخ حتى فيما يتصل بمواطن الفصل في تاريخ الشعوب سهل هين من أجل إرضاء بني صهيون.

سمات إسرائيلية:

إن نصف قرن مضى على قيام دولة إسرائيل لأرض فلسطين ملئ بالدسائس والمؤامرات والتزييف للحقائق، وتضخم سجل الخيانات، ومشاركة الجهود الغربية الأوربية الأمريكية وما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي سابقا في تأسيس الدولة اليهودية، وحمايتها والاعتراف بشرعيتها وإضفاء القوة عليها، وتمكينها من السلام النووي، وإعفائها من التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة النووية، وضرب كل حركة إسلامية ووطنية قوية يمكن أن تقف في وجه إسرائيل، نصف قرن مليء بهذا، هو السمة المميزة للدولة المغتصبة، وما زالت هذه السمات لم تتغير ولن تتغير، لأن القائمين عليها لا يمكن أن ينسلخوا من جلودهم، ولا أن يتخلصوا من مشاعرهم التي امتلأت بالخسة والخيانة التي أخبرنا الله في كتابه في عديد من الآيات: “ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم (المائدة: 13)، وأخبرنا عن عنادهم وعتوهم وبغيهم: “.. فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات (النساء: 153)، وأخبرنا عن نقضهم العهود: “فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية(المائدة: 13)، وأخبرنا عن طبيعتهم: “وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون(المائدة: 62)، وبين لنا أنهم أشد الناس عداوة فقال: “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا.. (المائدة: 82)، إن سماتهم الخبيثة التي امتدت طول نصف القرن -وما تزال- لا جديد فيها على المسلمين، الذين توثقت صلتهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرته التي عاملهم فيها بما يستحقون في بني قينقاع وبني النضير، وبني قريظة وخيبر.

فيلم خداع:

ولن يخدع هؤلاء المسلمون بما تبثه أجهزة الإعلام، حين تخلط عملا صالحا وآخر سيئا لتمزجه ثم تخرجه إلى الناس بعد أن تتدخل فيه التقنية الحديثة والخبرة الفنية المتقنة من تصوير ودبلجة وإخراج وغير ذلك من الوسائل الفنية التي تغري الحواس وتشد انتباهها إلى الحدث المتتابع في سرعة أو إبطاء بحسب الحاجة، مع الموسيقى التصويرية للأحداث الدرامية، بحيث لا يملك المشاهد العادي الفرصة العقلية للتفكير فيما يعرض عليه، واستخلاص الحقائق منه بعد أن اختلطت بالزيف والأوهام خاصة وأن انفعالاته بالأحداث التي تعرض أمامه حاضرة ثائرة، يتلاعب بها ويوجهها حيث يشاء منفذو هذا العمل الفني، الذي من ورائه أيد أجنبية -تمويلا وتنفيذا- بهدف إيصال رسالة للمشاهد المسلم تقول له: إن بني قومك خائنون، يتآمرون بك، ويسلمونك للحرب التي يخبرون العدو بها سلفا، كي تذبح ذبح الشاة على قربان الدولة الصهيونية التي لا تقهر، وإن الصهاينة بيدهم مقدرات الأمور في المنطقة، يفعلون ما يشاءون وما يريدون، إنها رسالة تهدف إلى زعزعة الثقة، وبث اليأس في النفوس التي بقي فيها شيء من الأمل.

إن هدف هذا الفيلم الوثائقي تسريب الإحباط إلى نفوس المسلمين، كي يرضوا بالأمر الواقع ويقبلونه، كأنه قدر لا يمكن رده، أو الهروب منه، أو تغييره وتبديله، وكأنما وجدت إسرائيل لتبقى في المنطقة بقاء الدهر، وليعلو أبناؤها بغير الحق، ويقولوا كما قال سابقون لهم من قبل “من أشد منا قوة”؟ فجاءهم الجواب المفحم: “أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بآياتنا يجحدون (فصلت: 15)، ولسوف يأتي الجواب لبني إسرائيل عما قريب إن شاء الله، وهو جواب أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما: “لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم ..“، فحالة الشرود والضياع والتمزق والضعف التي تحياها الأمة الآن لن تستمر على الدوام، لأن هذه الأمة تقوم من وسط الركام، وعلى غير انتظار، فتنفض عنها غبار الهوان، وتواجه الأعداء الذين سرعان ما يتراجعون ويتخاذلون حين يرون أن المارد قد خرج من القمقم، وأن النائم قد استيقظ ودب فيه النشاط، وهذه صحائف التاريخ شاهدة على ما نقول، ابتداء من الصليبيين والتتار وانتهاء بالتخلص من الاستعمار في المنطقة، فرحل وترك غرسه المشئوم وعوسجه الشائك إسرائيل التي ستلقى -إن شاء الله- ما لاقاه غيرها من المعتدين.

مكمن الخطر:

غير أن أخطر ما يواجه المسلمين هو الغزو الذي يتسلل إلى المشاعر والعقول، والسيطرة عليهما من خلال المطبوعات المختلفة التي يستكتب فيها المفكرون العالميون، فيبثون في مقالاتهم التهويم والتضليل من خلال الضغط على موقف معين، أو مس بؤرة حساسة، أو التركيز على خيانة البعض، وهذه الوسيلة لا تصل في الغالب إلا للقارئين أو لخاصتهم الذين يتابعون ما تنتجه المطابع، وكثيرون منهم يستطيعون -إن شاؤوا- أن يميزوا السمين من الغث، والمقبول من المرفوض، فنتيجة هذه الوسيلة غير عامة وغير فعالة، وتلقى معارضة من هنا وهناك في كثير من الأحيان .. وإذن فلتكن هناك وسيلة أخرى يصعب الرد القريب على تضليلاتها، لحاجتها إلى الوقت والمال والجهد الكثير، وسيلة تصل إلى جميع الناس في بيوتهم من غير كلفة تذكر عبر الشاشة الصغيرة، فيرونها وهم مستريحون، فتثير عواطفهم بمشهد قاتم حزين، أو موقف مثير، أو حدث شنيع، ثم تضرب على أوتار هذه العاطفة بزيادة الكراهية للواقع العربي الإسلامي المشين، حتى تفقد النفوس ثقتها، ولا تطالب أو تعمل من أجل القضاء على عدوها واستخلاص الحق السليب منه، لكأن أمثال هذه الأفلام تقول للناس الذين يعملون على استعادة فلسطين، وينشرون الأمل بالعودة إلى الأرض المباركة وعدم الاستسلام في مرحلة (السلام) أو إن شئت التسمية الصحيحة في مرحلة التسليم لإسرائيل بكل ما اغتصبت وسرقت وتوقيع الصكوك والمواثيق على ذلك، وهذه هي التسمية الحقيقية للمرحلة الحالية التي يطلقون عليها مرحلة السلام.

أمثال هذه الأفلام تقول للناس العاملين على بيان الزيف: لا تحرثوا في البحر .. فلا فائدة من عملكم ولا التفات لأقوالكم، فقد صكت عاصفة الصهيونية الهوجاء الأسماع، وجعلت على الأبصار غشاوة، فلم يعد الحق مسموعا، ولم يعد السارق مرئيا فعم تتكلمون؟ ومن يا ترى تصفون؟

إن القاعدة العريضة من الشعوب الإسلامية تصاب بالألم والحزن حين تشاهد أمثال هذه الأفلام، وتصاب بالإحباط لمصير القضية الفلسطينية التي ضمرت حتى صار الأخذ والرد والجلوس على موائد المفاوضات، والقيام دون وصول إلى أي اتفاقات يدور حول: هل الانسحاب من الضفة بنسبة 13% من المساحة الكلية أو هو أقل من ذلك؟ وهذا الضمور في حد ذاته جعل اهتمام بعض الناس ينصرف عن هذه القضية -الآن على الأقل- ثم تأتي هذه المؤثرات الفنية المصنوعة بأيد أجنبية لتقضي على البقية الباقية من اهتمام الناس، ولتقول لهم في نفس الوقت إن الصهاينة لا يقهرون، وأنهم لا يغلبهم أحد، وأنهم حققوا خلال خمسين عاما ما لم يستطع غيرهم أن يحققه حيث صاروا قوة نووية وبلدا تشيع فيه الديمقراطية، فماذا عندكم؟ وماذا حققتم؟ ولئن استطاع البعض معرفة الهدف فلم تنطل عليه الحيلة فإن كثيرين قد يغيب عنهم الهدف وقد تنطلي عليهم الحيلة فيكفون أيديهم عن مواصلة المطالبة باسترداد الأرض وعودة القدس والرضا بما تقدمه لهم الدولة اليهودية إن شاءت أن تقدم شيئا لهم.

إغفال متعمد لجوانب مضيئة:

ولعلك تسأل: لماذا نقول ما نقول والفيلم لا غبار عليه فقد بين بعض المذابح الإسرائيلية وبعض الخيانات العربية، وبعض الوسائل التي جعلت القضية تصل إلى ما وصلت إليه؟ وأجيبك بأن الفيلم أغفل أمورا مضيئة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لا لشيء إلا لأنها تظهر الكفاءة العربية والحنكة السياسية في الجانب العربي، ومن هذه الأشياء:

1- إغفال موقف الجندي العربي في وجه إسرائيل سنة 1973.

2- إغفال موقف الملك فيصل في حرب 73.

3- إغفال دور الحركات الإسلامية الفدائية (حماس وجهاد الشعب اللبناني في جنوب لبنان).

4- وقبل ذلك كله إغفال الدور الذي قام به الإخوان المسلمون في حرب فلسطين.

دور الجندي العربي في حرب سنة 73:

فالجندي العربي في حرب سنة 1973 أثبت أنه ليس أقل كفاءة من الجندي الإسرائيلي، بل إن الجندي العربي أثبت أنه -حين تتاح له الظروف المناسبة من تخطيط للمعركة وتدريب جيد، وسلاح غير قديم- يستطيع أن يحقق النصر على العدو مهما كانت الصعوبات والمعوقات ولقد كثرت الصعوبات أمامه في حرب 73 لتصده عن الهجوم، ولتحطم نفسه قبل أن يفكر في الزحف نحو عدوه، فكان المانع المائي يحول بينه وبين العدو على طول قناة السويس.

وكان الساتر الترابي خلف هذا المانع المائي يصد العيون عن أن تدرك ما يدور خلفه من ترسانات سلاح للعدو، ثم بعد هذه الموانع يأتي المانع الكبير .. خط بارليف الذي كان من المقرر ألا يقتحم أبدا، فماذا حدث حين أخذنا بقول الله: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ..” (الأنفال: 60)، فأعددنا ما استطعنا وعلم الله منا الصدق في الإعداد .. فأنزل علينا نصره بعد أن كان هتاف الجنود وهم يقتحمون هذه الموانع كلها “الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر ولله الحمد”، ومثل هذا الجندي كان أخوه هناك في الجولان يثبت جدارته وبسالته وسط ظروف صعبة، ولولا أن أمريكا كانت ترسل دباباتها لتنزل في أقرب مطار إلى مواقع القتال، كي تنطلق منه إلى القتال مباشرة، ولولا الجسر الجوي الذي صنعته أمريكا لكان لهذه المعركة وجه آخر.

فهل تعرض لهذا الموقف الهام في تاريخ الصراع الفيلم الوثائقي؟!! لم يتعرض لذلك بكلمة واحدة.

موقف عظيم لملك كبير:

ولقد كان موقف الملك / فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- موقفا له أثره في مجريات القتال، وفي تنبيه الغرب إلى ما يملكه الجانب العربي من أسلحة يمكن أن توقف حركة الحياة الصناعية في الدول الغربية، فقطع البترول عن الدول الغربية وتبعه في ذلك قادة الدول النفطية وأحس الغرب مدى الخطر حين تم استخدام البترول العربي كسلاح له أهدافه في حرب أكتوبر فلم يتخذ عشوائيا بغير خطة ولكن استخدم بصورة فعالة حيث أكد الملك فيصل في لقائه بكيسنجر أن البترول العربي لن يعود إلى ما كان عليه إلى إذا عادت الأراضي المحتلة ومعها القدس العربية، وأن على الولايات المتحدة ألا تنتظر شتاء واحدا قاسيا، إنما يمكن أن تنتظر توقف إمدادات البترول حتى 1980 ..!! ولذلك ولأول مرة يجتمع وزراء بترول الدول العربية في 17 أكتوبر واتخذوا توصية بخفض الإنتاج بنسبة شهرية ومتكررة لا تقل عن 5% من الإنتاج الفعلي لشهر سبتمبر ويبدأ التخفيض من نوفمبر حتى تفرض المجموعة الدولية على إسرائيل التخلي عن الأراضي العربية ووقف تزويد الولايات المتحدة وهولندا بالبترول وبلغ إجمالي ما فقده العالم من البترول العربي يوميا 418 مليون برميل يوميا.

مما يعني أن بعض الدول العربية رفعت نسبة التخفيض إلى 15% ثم إلى 50% ويلاحظ أن استخدام السلاح العربي جاء بعد عشرة أيام من وقف إطلاق النار وبالتالي تحول البترول العربي من مجرد سلاح مساند للتحرك العسكري إلى السلاح الرئيسي في الصراع، فهل تعرض الفيلم الوثائقي لشيء من ذلك؟

ولقد كان للملكة العربية السعودية دورها الذي لا ينكر في هذا الصراع العربي الإسرائيلي فقد كانت رائدة في استخدام سلاح البترول وكانت -وما تزال- إحدى الدعامات القوية في المواجهة مع العدو الصهيوني، بل في مواجهة كل معتد ولو كان من العرب أنفسهم كما حدث حين اعتدى صدام على الكويت.

كفاح الإخوان المسلمين:

أغفل هذا الفيلم الدور الريادي لكفاح الشعوب بصلابة وقوة وفدائية ضد الأعداء حين أغفل دور الإخوان المسلمين في حرب فلسطين، وهو دور لم تموله حكومة، ولم تؤيده وتسانده دولة، وإنما كان الإيمان والعقيدة دافعه، وكان أصحابه والقائمون به يؤمنون بقول الله: “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة (التوبة: 111)، فاشتروا بأموالهم السلاح وحملوه بأنفسهم إلى حيث يواجهون المغتصبين لأرض المسلمين في فلسطين عملا بقوله تعالى: “وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر..” (الأنفال: 72)، وكنت تراهم في قلتهم وخشونة حياتهم، وقلة الزاد معهم .. ثم ترى عدوهم في كثرة سلاحه واعتداده، ووقوف العالم الغربي من خلفه فتظن أن هذه القلة المؤمنة ضائعة، ولكنهم كانوا يؤمنون بقول الله: “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله(البقرة: 249)، وكانوا يؤمنون بقول الله: “إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (الأنفال: 65)، وكان لهؤلاء مواقف أبلوا فيها بلاء حسنا، وأذاقوا اليهود الأهوال، حتى استغاث اليهود بالدول الغربية لإيقاف هذه النوعية من جنود الإسلام الذين لم يكن لهم في ظن اليهود حساب، فصار اليهود لا هم لهم إلا إيقاف هؤلاء الجنود، فاستغاثوا بالدول الغربية فاجتمع وزراء خارجيتهم في فايد مع رئيس الوزراء المصري آنذاك وكان إيقاف الإخوان عن الجهاد بإصدار أمر إليهم بالتوقف عن القتال ونقلهم من أرض المعركة إلى بطون المعتقلات المصرية، فهل أشار الفيلم الوثائقي إلى شيء من ذلك؟ لم يشر أدنى إشارة إلى هذا الأمر.

الجهاد الحاضر:

أغفل هذا الفيلم الدور الذي تقوم به الحركة الجهادية الفدائية (حماس) في مواجهة هذا العدو الشرس مما جعله يشكو مواجعه وجراحه ويضغط -بشدة- على السلطة الفلسطينية بكل وسيلة كي توقف له جهاد هذه الحركة بحجة مكافحة (الإرهاب)!!! وكأن اغتصاب الأرض وانتهاك العرض، وممارسة الطرد والتشريد لأبناء فلسطين ليس إرهابا، فهل أشار الفيلم إلى أي دور تقوم به حماس؟

أغفل الفيلم الدور الكفاحي للشعب اللبناني في الجنوب وللحركات الجهادية فيه التي أقلقت العدو، وأذاقته الويل والثبور، حتى إنه يطلب -الآن- الانسحاب من الجنوب بشروط، كي يسلم من هول ما يذوقه على يد أبناء الشعب اللبناني، الذين عرفوا كيف يواجهون الغطرسة الإسرائيلية، ويذلون كبرياءها، فتطلب -لأول مرة- أن تنسحب من أرض اغتصبتها، فهل أشار الفيلم لشيء من ذلك؟

هدف الفيلم:

إن هذا الفيلم له هدف محدد هو إصابة المواطن العربي خاصة والمسلم عامة بالإحباط الذي هو عبارة عن مجموعة من المشاعر المؤلمة، تنتج عن عجز الإنسان عن الوصول إلى هدف ضروري لإشباع حاجة ملحة، وهذا الإحباط آفة من آفات النفس، يعوق فيها الإرادة الدافقة، ويوقف الهمة العالية، ويبعث الوهن والضعف في القلوب فتقل مقاومتها وتفتر، ويجعلها أقرب إلى اليأس منها إلى الرجاء، وإلى الحنق والغضب منها إلى الرضا.

وماذا تنتظر -بعد ذلك- من نفس واهنة وهمة فاترة، أفسد سعيها الإحباط وفض قوتها التثبيط؟ وكيف لهذه النفس أن تبدع فكرا، أو ترفع إنتاجا، أو تدفع عدوا، أو تزيل شرا، أو تصنع خيرا؟ ومن ثم تنعكس هذه الحالة النفسية الخائرة الفاترة على المجتمع، فتلمح فيه آثار السلبية بادية، وآثار التواكل ظاهرة، وثمار الخور والفتور غير خافية على أحد، ثم لا تجد من تبث له الشكوى، حتى يخف المصاب، ويهون الخطب، ويقل الفساد.

إن الهزيمة النفسية لأي فرد أو لأي مجتمع وأمة لا تقل أثرا عن الهزيمة المادية بل قد تزيد.

والذين يتعرضون لإحباطات شديدة كثيرة يتوالى عليهم الإحساس بالفقدان والعدم، ثم الحرمان، ثم الصراع الداخلي، مما قد يجعل حركتهم في الحياة مضطربة غير سوية، يستوي في ذلك أن يكون سبب هذا الإحباط ماديا خارجيا أو نفسيا معنويا، فكلا الأمرين صعب مردوده على النفس السوية، وعلى المجتمع المتماسك، لأن هذا الإحباط غالبا ما يدفع إلى “النكوص في السلوك والتدهور في التفكير، والارتداد إلى أساليب سلوكية غير ناجحة” مما يضعف من إنتاجية الفرد، ويحد من قدرته على الرقي العملي والعلمي والنفسي، ويجعل منزلته -كفرد عزيز في وطنه له شأن بين إخوانه- في مهب الريح، وهل بمثل هؤلاء الأفراد ترقى أمة أو تصان دولة؟ إن الإحباط قاتل للمعنويات، لأنه سم بطيء ينتشر في جسد الأمة فيضعف -على الأيام- مقاومتها، ويقيد عزتها وكبرياءها بين الناس وبين الأمم، فكيف تظهر فتية أبية، ترفض الضيم وتأبى الذل؟

وهذا ما أراده صانعو هذا الفيلم، فهل بعد هذا يقول أحد: إنه فيلم حيادي أو وثائقي؟ إنه يوثق الزيف والتضليل والخداع، فهل نعي ذلك؟