بقلم الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
استشراف المستقبل:
الحركة التطلعية في الإنسان نحو الأفضل والأحسن تكاد تكون مرتكزة في طبيعته لا تفارقه فما من إنسان على وجه الأرض إلا وله آمال يريد أن يحققها، وأحلام يرجو أن يراها واقعا، وكل فرد إنما يتطلع للمستقبل من خلال نظرته التي ينظر بها في الحياة، تلك التي تصطبغ بالصبغة الفكرية العقلية، أو الشعورية الوجدانية، أو الحسية المادية، ولذلك تختلف آمال الناس وتطلعاتهم لأنفسهم ولأمتهم، لكن هذه الآمال لا تنعدم ولا تتوقف إلا إذا توقفت الحياة ذاتها، بل إننا نقول: إن هذه الطبيعة ليست قاصرة على الإنسان، بل تتعداه إلى بعض الكائنات الحية الأخرى، فالنمل يدخر في فصول السنة ما يقتات به في فصل الشتاء، حين تنعدم حركته، الأمر إذا أوسع مما يظن البعض .. وتفاوت الناس في تطلعاتهم لمستقبلهم مرده إلى وجود بعض الترسبات التي رانت على بعض البيئات وظهرت في العادات والتقاليد، واتخذت لنفسها صورا متعددة من الاتكالية والتراخي في العمل والكسل، وضعف الهمة، وفتور العزيمة، وغير ذلك من مظاهر الضعف التي تجعل الإنسان ذاهلا عن حاضره وما يدور حوله فضلا عن ذهوله الجزئي أو الكلي عن المستقبل وما يدبر فيه.
والإسلام منذ مجيئه يوجه الناس إلى الاهتمام بالمستقبل اهتماما كاملا لا يقل عن اهتمامه بالحاضر، بل قد يزيد، إن الدين قد ربط اليوم الآخر –وهو مستقبل وراء هذه الحياة الدنيا- بالإيمان بالله، فقد جاء في كتاب الله “.. ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر..” ومعنى ذلك أن المسلم يهتم بالمستقبل ابتداء من لحظته الحاضرة إلى يوم القيامة، وأنه مستعد لهذا المستقبل دائما، فهو في حياته الآنية يخطط لغده في ضوء معرفته بما يدور حوله من الأعداء المحيطين، والأصدقاء القريبين، والإمكانات المتاحة، والقوة الممكنة، لا تستخفه الأفراح والانتصارات، ولا تستذله الأتراح والانكسارات، بل هو –دائما- متطلع للأفضل، ساع نحو الأحسن، مشمر عن ساقه في سبيل الصلاح والإصلاح له ولأمته وللبشر أجمعين.
والمسلم ينظر للمستقبل بعين تفاؤلية مع شدة الظلام، وكثرة المنغصات، وانتشار المصائب، وهذا أمر بينه الشرع عندما طالب المسلمين بحسن الظن بالله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُعجبه أن يسمع في كل صباح “يا نجيح”، واليُسر يأتي بعد العُسر، والحق دائم والباطل طارئ!! بهذه الروح التفاؤلية، والمعرفة النبوية الكريمة والاستقراء لتاريخ الصراع البشري بين الحق والباطل؛ كان من الممكن الوصول إلى النتائج لصالح الحق الإلهي.
وهاك صورا من الاستشراف المستقبلي المبني على المعرفة النبوية والاستقراء للسنن الكونية والشرعية، يقول النبي r لأم حرام بنت ملحان في المدينة والقبائل العربية وقريش متربصين بهم “قوم من أمتي يركبون ثبج هذا البحر يفتحون صقلية” ويقول r للآخر الذي جاء شاكيا شدة البلاء وهم في مكة يُعذبون “والله ليُتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه” صحيح أن العلم النبوي الغيبي له أثره في تحديد الزمان والمكان إلا أن مُطلق الانتصار مُهيأ لكل من يتعرف على سنن الحياة الكونية والبشرية؛ قال الله تعالى: “كتب الله لإغلبن أنا ورسلي” وقال سبحانه “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا”، وهكذا من يعرف الماضي والحاضر يستطيع توقع المستقبل!! وهنا نقول لا بد من توقع المستقبل وفهم آثار التغيير الكامنة بعيدة المدى، سواء كانت إيجابية أو سلبية قبل وقوعها، وقد جاء الإسلام ليقلع من قاموس العرب “البأس إحدى الراحتين” وبشائر الخير ظهرت بدايات الصحوة الإسلامية في أواخر الألفية الثانية وستنمو وتترعرع وتكبر في الألفية الثالثة، قال أحدهم للشيخ: “لقد انتشرت البدع فقال: قد أذن الله بزوالها”
والناظر يجد أنه لا تعارض بين الشريعة الإسلامية وأدوات الاستشراف، فعلم الاستشراف لا يقول بالحتمية للأحداث المتوقعة، فقد لا تقع كليا أو جزئيا، أما وقوع المستقبل الحتمي فهو ما أخبرنا القرآن والسنة أنه سيقع في المستقبل “صنفان من أهل النار لم أرهما في حياتي .. وعندنا في مفاهيمنا الرجل “الملهم” الذي يعرف كيف يتعامل مع الماضي والحاضر لرسم المستقبل مثل عمر بن الخطاب”
وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على اهتمامه بالمستقبل، فقد كانت بيعتا العقبة خطوتين هامتين في رسم مستقبل الإسلام، وكان إخبار سراقة بأن له سوارى كسرى استشرافاً منه لمستقبل الدعوة، وكانت الغزوات والفتوح تثبيتا للحاضر ودعما للمستقبل، وغير ذلك من الحوادث الكثيرة التي تدل على الاهتمام بالمستقبل والاستعداد له، والعمل على أن تكون كفة المسلمين فيه راجحة لا مرجوحة ومؤثرة لا متأثرة. وكانت المسيرة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم تسير على نفس الوتيرة وإلا ما امتد الإسلام شرقا وغربا، وثبتت أركانه، وأقام بناءه في الجزيرة وغيرها من البلاد على أسس من العدالة التي حقق الناس في ظلها الرخاء والأمن.
عقبات وتحديات
والمسلمون اليوم مطالبون باستشراف المستقبل، واستكناه ما يطويه في جوانبه ويحمله في حناياه بالنسبة لدينهم وبالنسبة لأرضهم وبلادهم، وثرواتهم وممتلكاتهم، حيث تواجههم تحديات كثيرة، منها في الجانب السياسي وجود بعض الأنظمة غير الديمقراطية في بعض البلاد، ومنها صعوبة التوافق بين السلطة التنفيذية وبقية السلطات، بحيث لا يحدث بينهم احتكاك مزعج أو ارتطام مقلق، ومن الأمور التي تخص الكويت في هذا المجال تصغير حجمها في المعادلات الدولية الجديدة، ومنها على مستوى الدول الإسلامية محاولة تعديل خريطة المنطقة على نحو جديد، ولعل إدخال الأردن واليمن إلى مجلس التعاون الخليجي مقدمة لهذا التعديل الذي تبدو ظلاله في الأفق.
ومنها في الجانب الاقتصادي الاستنزاف المستمر من الجانب الغربي لثروات العالم العربي ومقدراته، ووضع العراقيل أمام ظهور قوى اقتصادية جديدة وتفشي البطالة، وإسقاط المقاطعة أو محاولة ذلك، وإغلاق الجمارك، وفتح الباب على مصراعيه أمام السلع والبضائع الأجنبية، التي تأتي ومعها بعض القيم والتصورات التي تهدد الهوية الإسلامية في كثير من البلاد، ومع تهديد الهوية يكون التحدي الاجتماعي المتمثل في تفكك الأسرة، والإكثار من حالات الطلاق، وانتشار المخدرات، وتواري القيم، ويضاف إلى هذه الجوانب كلها الجانب الثقافي الذي يهدف إلى الغزو الفكري وإلى إحلال القيم والتصورات الغربية محل القيم والتصورات الإسلامية.
وإذا كانت هذه التحديات تواجه المسلمين في حياتهم، وتخترق عليهم ديارهم وبلادهم، فإن هناك تحديا أكبر موجه نحو الإسلام ذاته، إذ إن المحاولات للنيل من الدين، كانت في الماضي تقتصر على فروع الدين، وتركز على مهاجمة اللغة العربية (وعاء الدين) بالسخرية من القائمين على أمرها والحط من قيمتهم، ومهاجمة مفرداتها، وطريقة كتابتها وإدخال اللغات الأجنبية إلى جوارها، ثم إلى منافستها والتغلب عليها في ديارها وبين مثقفيها الذين كان منهم دعاة بارزون إلى التغريب كطه حسين وغيره ممن سار على طريقته، واتبع سبيله. كان هذا في الماضي وما يزال باقيا مع اتساع دائرة التحدي للدين قبل سنوات خلت، حيث هوجمت أعمدة الدين ذاتها ممثلة في الهجوم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن بالتأويل والتحريف، بل وصل الأمر إلى إطلاق ما لا يليق من الألفاظ على الله سبحانه، وصحب ذلك في بعض البلاد اضطهاد الإسلاميين، وترحيل البعض إلى غير بلدهم –قسرا وعدوانا- واعتقال آخرين في بلاد أخرى وتقديمهم لبعض المحاكم العسكرية، إذن الهجوم على الإسلام يصحبه ويسبقه ويتبعه هجوم على الإسلاميين لمنع صوتهم، وإعلان صمتهم، ورضوخهم للأمر الواقع الذي انبطحت فيه الأمة أمام المد اليهودي الصهيوني، الذي لا يقبل أن يرى رأسا يرتفع، أو معارضا يرفض، أو إنسانا يقول لا للتطبيع وما يتبعه من ضياع للمقدسات، ولا أحد يقول ذلك –في الوقت الحالي- غير الإسلاميين، وبعض المواطنين الشرفاء.
أمام هذه التحديات وغيرها مما يواجه الإسلام والمسلمين كيف يكون استشراف المستقبل؟ وكيف يمكن الخروج من هذا انفق المظلم؟ وكيف نتغلب على المشكلات والتحديات؟ هذا ما نطرحه أمام الباحثين والمفكرين والحكماء في الأمة ليحزموا أمرهم، وليعملوا على إظهار دينهم على الدين كله، وليوجهوا التعدي بالاستعداد والعمل والفكر وإبداء الرأي. ونحن في انتظار ردودهم وأقوالهم.
اللي يتقال .. واللي ما يتقالش (نموذج للهجوم على الدين)
في هذا الوقت –من كل عام- تقريبا، نجد زوبعة أو فرقعة في الكويت، تشغل الناس وتثير سخطهم وغضبهم، أو سخط وغضب الغالبية العظمى من سكان الكويت، ونظن مع انتهاء الزوبعة أنها آخر الزوابع، ولكن سرعان ما يتضح أن ظننا في غير محله، وأننا في كل عام لنا وقفات مع الذين يهاجمون –عامدين- قيم الإسلام وأخلاقياته، وأصوله وثوابته، وكأن هؤلاء المعادين للدين لا يجدون لحياتهم معنى إلا إذا هاجموا الدين، وأشاعوا بين الناس إفكهم وضلالهم، ولو أنهم ارتضوا لأنفسهم الضلال دون أن يحاولوا إشاعته لما تعرض لهم أحد، ولأراحوا أنفسهم وأراحوا غيرهم، فالهجوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والحفلات الغنائية، والخيام المسماة –زورا- بالرمضانية، وقضية الكتب الممنوعة وما تبعها، وغير ذلك مما فيه إساءة للدين، كلها ترتبط بمهرجان القرين الثقافي ومعرض الكتاب وما يسبقهما ويلحقهما.
وبالطبع فلا اعتراض لنا على الإطلاق على أي عمل ثقافي نظيف لا يصطدم بالدين ولا يعاديه، ولا يدعو إلى الضلال أو الانحراف، تمثـَّل هذا العمل الثقافي في مهرجان القرين أو في معرض الكتاب، أو في غيرهما مما هو مهتم بالفكر، موصول بالعقل، محترم لعقائد الناس الذين يُعرض عليهم أو أمامهم، بحيث لا يسخر من أشخاصهم ولا من رموزهم، ولا يعيب باللمز والغمز والتعريض معتقداتهم، وإنما اعتراضنا كله على إفساح المجال في كل عام لمن يهزأون بالمعتقدات، ليستخرجوا من الناس الضحكات بالمفارقات البعيدة الفجة التي لا يمكن أن تلتقي، بل إنها لتتناقض أشد التناقض، فما علاقة مشهد تمثيلي ترمز فيه الأصوات إلى لقاء جنسي، تعقبه (أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)؟ وما علاقة الشهادتين –هنا- بالبناء الفني للمسرحية؟ ولماذا لم تأت الشهادتان إلا عقب المشهد الجنسي؟ أليس ذلك كله إقحاما للنص في غير مجاله، وسخرية من أعظم ما يردوه أي إنسان مسلم في الأرض؟ أليست الشهادتان عنوان الإسلام وشعار المسلمين، فلماذا هذه السخرية بالمعتقدات؟ ولماذا تخلطون الخبيث بالطيب، وهل المشاهد الجنسية أو الأصوات التي ترمز إلى المشاهد الجنسية مباحة على مسارح الكويت؟
إن هذه المشاهد الجنسية هي في ذاتها غير مباحة وغير مقبول عرضها أو سماعها على مسارح الكويت، فما بالك إذا اقترن هذا العمل الشاذ القبيح بالشهادتين اللتين هما عنوان الإسلام ومرجع كل مسلم؟!!! وماذا قصد المشرفون على هذا العمل والقائمون عليه حين استقدموا الفرقة المسرحية التونسية بأموال الكويتيين، ليسفهوا العقيدة التي يقدسها كل مسلم عرف دينه وارتضاه منهجا للحياة؟
إن كل مسلم يأبى كل الإباء أي إيذاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ويرفض قبول شيء من ذلك ويبذل ما يستطيع من جهد في سبيل ألا يقع أي إيذاء لله أو لرسوله وللمؤمنين من أي جهة، والله –سبحانه- نهى المسلمين عن سب المعبودات المختلقة، حتى لا يسب عابدوها الله فقال: “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم”
والجهات المعنية بالمهرجان الثقافي قد أفسحت المجال أمام الذين يسبون الله من غير أن يسبهم أحد، أو يتعرض لهم إنسان، فالمسرحية التي عرضوها على الجمهور ودفعوا لأصحابها والممثلين فيها قدرا من المال العام تعرضت لإيذاء المسلمين حين وصفت الله سبحانه بما لا يليق، وبما لا يقبله مسلم. يقول ممثل المسرحية الرئيسي: إن الله خلق الكون ثم الرجل، ثم “نام نومة أهل الكهف” قبل أن يستيقظ ويخلق المرأة، لقد أنكر هذا القائل بقوله صريح القرآن، وخالف ثوابت العقيدة من أجل أن يقول كلمة تستخف الجمهور أو تجرئه على ثوابت الإسلام، والله سبحانه يقول في أعظم آية في القرآن الكريم “لا تأخذه سنة ولا نوم” ولا يجوز لأحد أن يصف الله سبحانه بشيء من الحقيقة أو من المجاز لم يصف الله به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم “أتقولون على الله ما لا تعلمون” “قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون” وهذا بالنسبة للجاهلين، أما الساخرون المستهزئون فإن لهم شأنا آخر ومصيرا آخر بينه الله سبحانه في قوله “ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب. قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم..” ولسنا في مجال مناقشة العبارة من وجهة النظر الدينية والحكم على أصحابها وإن كنا لم نخرج عن سياق الموضوع، ولكننا نود أن نقول: إن أي مسلم لا يرضى بهذا الإسفاف الذي ينطلق من على خشبة المسرح في دولة الكويت المسلمة. وهل يرضى أي مسئول في أي دولة أو في أي جهة أن يقال عنه: إنه ينام نومة أهل الكهف قبل أن يتخذ قرارا من القرارات؟ وما مصير القائل إن قال؟ والإجابة يعرفها القارئ لأنها أوضح من أن تكتب. فلماذا نرضى الحديث عن ذات الله بما لا نرضاه حديثا عن بعض البشر؟ ولمصلحة مَنْ يذاع هذا الإفك والضلال في البيئة الكويتية التي أصابها ما أصابها من شدة فجأرت إلى الله تستغيثه وتستنصره فقبل سبحانه دعاءها وحقق رجاءها، وأزاح كابوس الاحتلال العراقي عن كاهلها؟ وإذا كنا في كل عام نسيء مرة إلى الله، ونسيء أخرى إلى رسوله، ونسيء ثالثة إلى آياته، ويتنكر البعض ويكتب ويدعو إلى طرح شريعته، فمن يضمن لنا أن يحمينا الله أو أن يحفظنا ونحن في عالم شديد التقلبات، كثير الأهواء، تحكمه المصالح لا المبادئ؟ ولا ننسى أن الله سبحانه قال لطائفة من الناس “وإن عدتم عدنا” أي إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى العذاب والهلاك، وليس بين الله سبحانه وأحد من خلقه واسطة ولا حسب ولا نسب، وإنما الأمر كما قال الله: “فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى”
مسيرة الانحراف العلماني:
ونحن لا نستغرب من العلمانيين والمنحرفين عن هدي الدين أن يقطعوا في إفكهم وتعديهم على الدين شوطا بعيدا حيث بدأوا بالدعوة إلى مخالفة الشريعة في بعض أوامرها، واتخذوا من المرأة تكأة لهم تحت دعوى تحريرها بإلغاء حجابها والدعوة إلى سفورها ثم تدرجوا في الانحراف فدعوا إلى التغريب وأخذ العادات الغربية بما فيها من تفسخ وفجور وعري وفسوق، ثم تقدموا خطوة أخرى فتهجموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حاولوا، ويحاولون تحريف آيات الله، ثم هم الآن يستخدمون ألفاظا لا تليق ليصفوا بها ذات الله سبحانه .. وهذا شأن كل منحرف عن الدين في القديم والحديث، فقديما بدأ المعتزلة انحرافهم على استحياء في مسألة من المسائل خالف فيها واصل بن عطاء أستاذه الحسن البصري، مما جعل (واصلا) يتخذ لنفسه مجلسا منفردا واتخذ له بعض الأتباع فأطلق عليهم المعتزلة، وكان انحرافهم بسيطا في أوائله ولكن استمرارهم فيه جعلهم يبعدون بعدا كبيرا في بعض مسائل الدين عن الهدي المستقيم، وجعلهم يتعصبون أشد التعصب لفكرهم وحده، وحاولوا حين اتصلوا ببعض الحكام أن يجعلوه يحمل الناس حملا على اعتناق فكرهم، وحاولوا كلما اعترض فكرهم شيء محوه وإزالته حتى إن أحد قال وددت أن أمحو هذه الآية من كل ما كتبت عليه “وكلم الله موسى تكليما” لأنها تخالف رأيهم وأفكارهم، ولو أنصفوا لتخلوا هم عن أفكارهم واعتدلوا في السير على منهج ربهم، ولكن انحرافهم شطَّ بهم بعيدا، وتعصبهم لآرائهم قطع عليهم خط الرجعة.
ومثل هؤلاء كل منحرف عن الدين، يبدأ انحرافه هامشيا ثم يتوغل ويتوغل في الانحراف حتى يضل ضلالا بعيدا، والمنحرفون المعاصرون يكرهون أن تتلى عليهم الآيات التي تحرم الخمر والميسر والفسق والفجور والعصيان، ويودون أن يمحوها –من كتاب الله- إن استطاعوا.
بل إن بعضهم حاول أن يفعل ذلك من قبل حين شكك في قصة انتقال إبراهيم عليه السلام بابنه إسماعيل وأمه إلى البيت الحرام مع أن الآية القرآنية تقول: “ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم” فجاء هذا الكاتب لينكر ويشكك في وجود شيء من ذلك وسجله في كتاب ناقشه مجلس الشعب وسحب الكتاب وأجرى المؤلف عليه تعديلا وغير اسمه.
ونقف نحن عند هذا الحد لنتابع مع القارئ العرض المسرحي الذي يستهزئ بآيات الله فيقحمها في النص حين يتكلم الممثل بمقطوعة شعرية سينية مسبوقة بالألف فتجيبه الممثلة “قل أعوذ برب الناس، ملك الناس” وتقرأ السورة وعند نهايتها يقول الممثل: صدق الله العظيم وهو يخرج زجاجة الخمر ليشرب منها. وهذا المشهد المسرحي إنما يوحي ضمن ما يوحي به إلى أننا نتكلم في الدين ونقرأ القرآن، ونفعل ما نشاء مما يخالفه دون التزام بحلال ولا حرام. فهل هذا ما يريده المشرفون على هذا العمل؟ وهل إذا قلنا لهم ذلك صراحة لا يغضبون لأنفسهم؟ فلماذا يوقعون أنفسهم أمام الله وأمام الناس في حرج وضيق؟ وإذا كانت الخمر محرمة شرعا على المسلمين ومحرمة قانونا في الكويت كذلك فلماذا تظهر هذه المناظر المخالفة للشرع وللقانون وللعادات والتقاليد الكويتية؟ ولماذا نجعلها مرتبطة في ذهن المشاهد ببعض الآيات القرآنية؟
ولو لم تكن الإساءة للدين مقصودة لما أقحمت هذه الأقوال والأعمال في النص، ولا شك عندنا في أن هذا العمل مقصود متعمد مع سبق الإصرار، إذ لا يعقل أن تستدعى فرقة مسرحية من الخارج إلى الحضور دون معرفة ماذا يقدمون؟
ولذا فالإعلان عن خضوع المواد الثقافية التي تعرض في الأعوام القادمة للرقابة كلام مقصود به امتصاص غضب الجماهير وتهدئة ثائرتها، وإشعارها أن الأمر غير متعمد، وأنه لا يعدو أن يكون خطأ من الأخطاء التي تقع كل يوم.
والمسئولون في وزارة الإعلام بهذا الإيحاء للناس، يحاولون أن يتنصلوا من هذه الجريمة تحت ستار الخطأ، وهو ستار لا يخفي ما وراءه من عمد وجرم للاستهزاء بالمبادئ والثوابت والقيم والفضائل، وكأنما لم يكفهم ما حدث من قبل في قضية الكتب الممنوعة وما أعقبها وتبعها. ولم يكفهم الاعتداء على شرع الله في رمضان في الحفلات الغنائية والخيام الرمضانية، ولم يكفهم إيذاء رسول الله r، وما تبع ذلك، لم يكفهم ذلك كله فتعرضوا لذات الله بالاستخفاف والاستهزاء، ولآياته بالسخرية والمجون، ولتعاليمه بالترك والإهمال. وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا أملك غير أن أقول: “إنما أشكو بثي وحزني إلى الله”
قناة الجزيرة .. والعسل:
في يوم من الأيام سئل بدوي كيف عرفت الله؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدلان على اللطيف الخبير؟
- بيت القصيد في هذه الرواية أننا يمكن أن نصل إلى استنتاجات من خلال بعض المشاهدات مع فارق التشبيه في الرواية التي سقناها.
- فيما يتعلق بموضوع قناة الجزيرة .. ودولة قطر .. هنالك مشاهدات نستقرئ منها بعض الاستنتاجات، وهذه النتيجة التي نصل إليها هي نتيجة حقيقية لا لبس فيها فذلك منهج علمي أصيل في الوصول إلى الحقائق.
وإليكم بعض المشاهدات والملاحظات:
- أيدت الولايات المتحدة الأمريكية الحركة التغييرية في نظام الحكم القطري، منذ اللحظة الأولى، وكان سفيرها أول سفير رسمي لدولة أجنبية يحضر الإعلان الرسمي عن الأوضاع الجديدة التي استقرت على ما هي عليه الآن، وكان هذا من الولايات المتحدة –التي تبنى السياسة فيها على المؤسسات لا على القرارات السريعة- أمرا يثير الغرابة والدهشة ويوحي بعلمها المطلق بما تمَّ هناك قبل حدوثه.
بعد ذلك -فجأة وبدون مقدمات- أسند إلى قطر مجموعة من المهمات الخطرة، كانت قد أسندت مثيلات لها من قبل لبعض الدول كالأردن مثلا. ولكن تلك المهمات أوكلت هذه المرة إلى قطر باعتبارها دولة خليجية.
وتتلخص تلك المهمة الخطرة في مساهمة قطر مساهمة فعالة في عملية التطبيع مع الصهاينة على مستوى الحكومات والشعوب العربية.
ولكي تكون المسألة مقبولة من الشعوب العربية تم إعداد هذا المشروع بعناية فائقة وقد تبنت قطر من أجل تحقيق هذا الهدف أسلوب دس السم في العسل بمساعدة قناة الجزيرة. السم هو التطبيع مع الصهاينة بكافة وجوهه، والعسل هو الحريات وقول الحقيقة التي تتعطش لها الجماهير العربية في كل مكان.
- ربما يكون قد تم إعداد هذا المخطط من قبل مؤسسات مشبوهة -فمن المعروف للعاملين في مجال الإعلام أن قناة السم في العسل (الجزيرة) هي الناطق العربي لمحطة BBC وقد عرضت على دول خليجية لتقوم بهذا الدور المشبوه ورفضت، إلى أن استقر الأمر أن تكون هذه القناة في دولة قطر لتمارس التهيئة للتطبيع مع اليهود-، فالعالم العربي يفتقر إلى الإعلام الهادف والصادق. وهو إعلام يقترب في أسلوبه من أسلوب الإعلام الغربي بشكل عام ولكن هذا الإعلام لا يخلو من أهدافه المشبوهة. وقد برع الصهاينة في بناء المؤسسات الإعلامية التي تنتهج هذا الأسلوب في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ورَوَّج الصهاينة أفكارهم من خلال هذه المؤسسات الإعلامية في المسيرة الديمقراطية في أكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
ربما يقول البعض تلك تخمينات ليس هناك من دليل يجعلنا نقبل بها، ولكن دولة قطر وذراعها قناة الجزيرة لها بعض الممارسات المشبوهة والتي نسوق بعضها هنا:
- سمحت دولة قطر بإقامة ملحق تجاري صهيوني في الدوحة، والحقيقة أن هذا الأمر أثار استهجانا في الشارع العربي .. ولا شك أنه يعتبر خطوة تطبيعية خطيرة .. وأيا كانت الادعاءات القطرية بأن هذا المبنى لا يوجد فيه سوى موظف رسمي واحد فإننا على ثقة بأن لهذا المقر الصهيوني دوراً أكبر مما يزعم له الأخوة في قطر أو على الأقل فإن هذا الدور مرشح للتطوير.
- قامت قطر بتنظيم مؤتمر اقتصادي يهدف إلى إدخال رجال الأعمال الصهاينة والشركات الصهيونية إلى السوق الخليجية بشكل خاص والسوق العربية بشكل عام في زمن عنجهية نتنياهو بالرغم من اعتراضات العرب في ذلك الوقت وهذا الأمر كان حلم صهيوني تسعى إسرائيل إلى تحقيقه عبر البوابة القطرية.
- قامت قطر بتوقيع عقود مع (إسرائيل) في المجال الاقتصادي أهمها عقود الغاز الإسرائيلي وتسوق قطر ذرائع أهمها أنه ما دامت إسرائيل تشتري النفط والغاز العربي من خلال وسطاء فلماذا لا نبيعهم نحن هذا الغاز أو النفط مباشرة ونلغي دور الوسيط والحقيقة أن تلك الذرائع التي تبثها الخارجية القطرية من خلال قناة الجزيرة وتسخر لها إمكانيات القناة الإعلامية الهائلة هي ذرائع واهية على حساب الحقوق العربية في فلسطين والقدس وحقوق اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في أنحاء الوطن العربي والعالم.
- قامت قطر باستضافة دورة الألعاب العالمية في كرة اليد .. يا سبحان الله!!! كيف فازت قطر بإمكانياتها الرياضية وتاريخها الرياضي المتواضع بتنظيم هذه الدورة من بين دول العالم ومنها الدول الغربية ذات الإمكانات والتاريخ الرياضي الكبير فضلا عن الخبرة في التنظيم ..؟ الجواب لا يحتاج إلى طول عناء وتفكير، فالسبب هو مشاركة إسرائيل .. فهذه الدورة تكتسب أهمية خاصة بمشاركة الصهاينة. والجمهور العربي سوف يرى اللاعبين الصهاينة لأول مرة على أرض عربية ومن خلال الفضائية القطرية والتغطية الإعلامية الرياضية المتميزة لقناة الجزيرة.
وهذا الجمهور إن لم يصفق للاعبين الصهاينة من منتسبي الجيش الصهيوني وسكان المستوطنات الإسرائيليين في جبل أبو غنيم، فإنه حتما سيصفق لهم في المرات القادمة.
والحقيقة أن الأسباب التي ساقها المسؤول عن تنظيم الدورة من دولة قطر لم تكن مقنعة للجماهير العربية .. فلقد قال بأن العرب اعترفوا بالكيان الصهيوني، فلماذا لا نلعب معهم الكرة؟ وقال بكل سطحية هل عدم لعب الكرة سوف يرجع القدس؟ بل قال: إن الخلاف بيننا وبين إسرائيل هو خلاف حدودي..!! هكذا بكل بساطة استطاع المسئول القطري عبر قناة الجزيرة التي يشاهدها ملايين العرب، استطاع اختزال الصراع العربي الصهيوني من صراع على الأرض العربية والمقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، ومن صراع حول العقيدة وما يتصل بها إلى مجرد عبارة خلاف حدودي. وهذه الكلمة تحمل في طياتها الاعتراف الضمني بالدولة الإسرائيلية وتبين فقط أن خلافنا معها على الحدود، وليس ذلك صحيحا وكل من له إلمام بالمسار التاريخي في القرن العشرين يعرف متى زرعت إسرائيل ومتى نمت. ومن الذي أقامها وساعدها على تثبيت أركانها منذ نهاية الأربعينات وحتى اليوم.إنه السم الذي تدسه قناة الجزيرة في العسل.
ما الذي جعل قطر تتبنى سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ .. ما الذي يجبر المسئول القطري على تحمل الكلمات الجارية التي أطلقها بعض المتصلين في برنامج حوار في الرياضة خصص لموضوع مشاركة إسرائيل؟ .. ما الذي جعلهم يتحملون تلك العبارات الثقيلة مثل عبارة (إن لم تستح فاصنع ما شئت) وغيرها من العبارات. إنه ذك الدور المشبوه الذي تقوم به قناة الجزيرة من أجل المساهمة في اندماج الصهاينة مع شعوب المنطقة العربية، وعلى الأخص شعوب دول مجلس التعاون الخليجي. وليتهم وقفوا عند هذا الحد بل راحوا يكيلون التهم للدول الخليجية الأخرى التي انسحبت من الدورة وراحت تشكك في أهداف تلك الانسحابات.
لقد حاول المسئول الرياضي القطري إحراج هذه الدول مع الدول الكبرى حين اتهم الوفد السعودي بأنه انسحب بحجة أن الفريق غير جاهز كما شكك في أهداف الانسحاب الكويتي وزعم أن الشيخ أحمد الفهد انسحب من الدورة ردا على عدم مشاركة الكويت في دورة الألعاب العربية!!!
- إن قناة الجزيرة اليوم تنتهج أسلوب دس السم في العسل حين تحاور كبار الإعلاميين الصهاينة والمسئولين اليهود وتسلط الضوء على المشاركات العربية في أرض الـ 48 في إسرائيل، وتقدم كل تلك الشخصيات بصورة منقحة، بل وتجاوزت ذلك إلى تسليط الضوء على بعض الطوائف اليهودية وعرضت برنامجا خاصة عن اليهود الشرقيين وبينت من خلال البرنامج معاناتهم عندما قدموا إلى الأرض الموعودة!!! ولم تقف عند ذلك الحد بل استعانت بصور أولئك اليهود في إعلاناتها اليومية.
- إن هذا الدور الخطير الذي تقوم به قناة الجزيرة يعتبر من أخطر الأدوار التي تقوم بها المؤسسات الإعلامية في العالم العربي من أجل تحقيق التطبيع مع الكيان الصهيوني خطوة خطوة.
- على القطريين بشكل عام وقناة الجزيرة بشكل خاص أن يدركوا بأن الشعوب العربية ليست كما تظن وأنها باتت تدرك تماما حجم المؤامرة.
- لقد أدركت قناة الجزيرة حاجة الشعوب العربية للكلمة الحرة وسعت إلى دغدغة المشاعر العربية من خلال طرح بعض القضايا الوطنية والقومية والإسلامية وهو أمر جعل الناس تثق بهذه القناة ثم راحت تدس السم في العسل وتمارس لعبة التطبيع مع الصهاينة، من خلال برامجها التي تطرح قضايا اليهود الشرقيين واليهود العرب.
وهنا لا بد أن ننوه إلى أننا لا نعارض تلك البرامج الثقافية التي تقدمها القناة ولا نعارض الكلمة الحرة والخبر الصحيح ولكننا نعارض تلك البرامج والمقابلات التي تندرج في دائرة التطبيع مع الصهاينة.
- وفي الختام يتعين على القائمين على هذه القناة أن يعرفوا أن الحقيقة باتت معروفة .. ولله در الشاعر أحمد شوقي حين قال على لسان كليو بترا:
وغدا يعرف الحقيقة قومي ليس شيء على الشعوب بسر
بطولة مفتعلة:
إن قناة السم في العسل (الجزيرة) تستخدم الآن نفس الاستخدام الذي قام به بعض الأفراد وقامت به بعض الدول –وما يزال أفراد ودول يقومون به- وهو الاستخدام الذي وضعه الإنجليز بأسلوبهم الخبيث حيث يجعلون بعض الناس يحققون لهم ما يريدون عن طريق إظهار البطولة التي تجذب الجماهير ثم هم في الحقيقة يخدعونهم ويحققون عكس آمالهم وطموحهم. لقد قام بدور قناة الجزيرة بصورة تناسب الزمان –آنذاك- الشريف حسين، حيث ظهر كبطل إسلامي داعية إلى استقلال العرب عن العثمانيين. فحقق للإنجليز ما أرادوا وأوقع العرب في براثنهم ولم يفعل غير ذلك وقد قام بهذا الدور السيد / رشيد رضا –عن غير قصد منه أو تدبير- حين سمح له بالهجرة من لبنان إلى مصر، لأنه يهاجم العثمانيين، ثم بعد أن انتهت مهمته أعيد إلى لبنان. ونفس الدور قام به أتاتورك حين ارتفع نجمه بعد انتصار مصطنع له، ليضرب بعد ذلك الخلافة في مقتل، ويحّول تركيا عن مسارها الإسلامي إلى مسارها العلماني الذي ما زالت سائرة عليه حتى الآن، والذي يأبى أي مظهر إسلامي حتى لو كان غطاء تغطي به إحدى النساء رأسها.
وقناة الجزيرة تقوم بنفس الدور وبنفس الطريقة –بصورة عصرية- حريات في الأقوال وتعريض بالحكام وتشهير بهذا وذاك بدون استثناء إلا فيما يخص قطر وإسرائيل وتحطيم الرموز الإسلامية ولو باحتوائها أو بتشويهها وهذا ما يركز عليه أعداء الإسلام الآن.
لقد حاول أعداء الإسلام المساس بالشيخ ابن باز –رحمه الله- ولكنهم وجدوه جبلا أشم لا يمكن للريح أن تنال منه، ويحاولون الآن تحطيم رموز الإسلام عن طريق تسليط الأحباش (تنظيم لبناني) للنيل من رموز الأمة السابقين كالإمام ابن تيمية والإمام محمد بن عبدالوهاب أو اللاحقين كالإمام البنا وسيد قطب والمودودي ولم يسلم المعاصرون منهم من أمثال الشيخ القرضاوي الذي يقف سدا منيعا في وجه التطبيع مع إسرائيل.
والمحصلة النهائية أن بعض الدول وبعض القادة قد قبلوا التطبيع مع إسرائيل إلا أن الشعوب كلها رفضت وترفض هذا التطبيع ولذا فإن الإعلام هو الذي سيقوم بتهيئة الأذهان لقبول التطبيع، ولا بد أن يكون هذا الإعلام متميزا ومقبولا، والتميز الإعلامي هو الذي يضرب على أوتار حرية الكلمة ومن ثمَّ فإن قناة الجزيرة وهي تقوم بدورها في صناعة التطبيع على مستوى الشعوب قد اتخذت الإطار الذي تحبه الشعوب وترتضيه وهو إطار الحرية التي يستمتع العرب بذكرها والحديث عنها ومن ثم تدس لهم السم (التطبيع) في العسل (الحرية)
قادة حماس في دائرة التطبيع:
وعلى ذكر التطبيع وما جره ويجره على دولة قطر الشقيقة من مشاكل هي في غنى عنها يأتي الموقف الأخير من قادة حماس الذين فتحت لهم أبواب الدولة ليدخلوها بعد أن أخرجوا من سجنهم في عمان معصوبي الأعين مقيدي الأيدي، لتقلهم طائرة عسكرية خاصة إلى الدوحة. وكأن الأمر يبدو في ظاهره تعاطفا مع قادة حماس المبعدين، وتدخلا لحل أزمة بين حماس والحكومة الأردنية يمكن أن تستفحل، والحقيقة هي غير ذلك، لأن إسرائيل منذ ظهر فشلها في اغتيال خالد مشعل وعلم القاصي والداني بأنها وراء محاولة الاغتيال، وهي غير مستريحة لوجود خالد مشعل في موقعة في عمان، وقد عملت ما تستطيع للتخلص منه ومن نشاطه، فإن لم تفلح في اغتياله فلا أقل من إبعاده، ولذا صدر قرار توجيه الاتهام له ولرفاقه من قادة حماس وهم في طهران على أمل ألا يعودوا، ولكنهم خيبوا كل الظنون وعادوا إلى عمان لأنهم واثقون من أنهم لم يرتكبوا جرما وقلبت هذه العودة الخطة التي كانت متوقعة، فتمَّ اعتقالهم، ورفضوا وهم في المعتقل كل محاولة لإثنائهم عن موقفهم وزحزحتهم عنه، مما جعل الحكومة الأردنية تعمل على ترحيلهم بالصورة التي تمت والتي قبلتها دولة قطر على أساس الظهور بمن يسدي يدا لقادة حماس، والحقيقة أنها ساعدت على تحقيق المطلب الإسرائيلي الرامي إلى إبعاد هؤلاء القادة، ومحاولة إغراقهم بالمال القطري، واستمتاعهم بالرفاهية الغربية لعلهم ينسون قضيتهم ذات يوم أو يغفلون عنها، ولكن تلك الحيلة لم تنطل على هؤلاء القادة الذين تلقوا تربيتهم الدينية الإسلامية في الكـويت، فالأخ / خالد مشعل الذي تلقى تعليمه في الكويت وقضى في التدريس في مدارسها بعض السنوات، والقادة الثلاثة الآخرون عاشوا في الكويت كذلك فترة من الزمن، ولذا فإن هؤلاء القادة لم يُسَّرُوا بهذا الانتقال وأعلنوا أنهم لن يبقوا في قطر إلا قليلا، ولعل ذلك يرد كيد إسرائيل إلى نحرها ويحبط عمل المساعدين لها.

