بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
الأرقام جزء متميز من الألفاظ المنطوقة أو المكتوبة للدلالة على شيء معين، من حيث الكمية أو المقدار أو الوزن أو المساحة، إنها جزء من اللغة العالمية يتحد فيها المعنى ويختلف اللفظ، فالرقم (1) مثلا لا يخرج في معناه في أي لغة من لغات العالم عن المعنى الذي نريده نحن حين ننطق كلمة (واحد)، وإن تعددت ألفاظه واختلفت حروفه من لغة إلى أخرى.
والموازنات الدولية الصحيحة، ومقياس التقدم أو التأخر في عالم الماديات أو الإنسانيات أو غيرهما، يقاس بالأرقام، لأنها تعد لغة عالمية، ولأنها دقيقة لا تحتمل أكثر من معنى، ولأنها مقياس صادق عند جميع الأمم والبلاد، والاحتراز المطلوب عند تحديد الرقم، هو أن يعبر عن شيء واقعي، لا مجال فيه للظن أو الوهم، أو الحدس والتخمين، أو الكذب والتزييف. وإذا أمكن تحقيق هذه الأمور قبل وضع الأرقام الدالة على شيء ما، جاء الرقم ليقطع كل قول آخر ويقضي على كل شك، وكأنما هو جهيزة التي ضرب بها المثل في قولهم: قطعت جهيزة قول كل خطيب.
وها هي ذي بعض الأرقام في مجالات مختلفة وتعقيبات عليها.
أولا: التقدم العلمي: كم يصرف العالم سنويا على البحث العلمي؟ كم يصرف العرب وكم تصرف إسرائيل؟!
تصرف بليون دولار النسبة “مقربة”
الولايات المتحدة 176 40%
أوروبا 132 30%
اليابان وشرق آسيا 87 20%
الصين 23 5%
أمريكا اللاتينية 9.2 2%
أفريقيا “جنوب الصحراء” 2.3 0.5%
الدول العربية 1.8 0.4%
كم تنفق إسرائيل؟؟
تصرف بليون دولار أو نصف العالم العربي، ومعنى ذلك أن:
حصة الفرد الأمريكي 700 دولار
حصة الفرد الإسرائيلي 250 دولار
حصة الفرد العربي 6 دولارات فقط
أهم من ذلك أن حصة الفرد العربي كانت 8 دولارات قبل 10 سنوات ثم انخفضت. كما قلت هذه الأرقام لا تخلو من الألم ولكنها تعكس واقعنا.
التسارع العلمي:
– احتاج الراديو 30 عاما ليصل 50 مليونا.
– واحتاج التلفزيون 13 عاما ليصل 50 مليونا.
– واحتاج الانترنت 3 أعوام ليصل 50 مليونا.
(الوطن في 3/6/99 الأستاذ / يوسف الشيراوي)
وبملاحظة هذه الأرقام نجد أن أقل الدول في ميزانية البحث العلمي هي الدول العربية 0.4%
وأن حصة الفرد الإسرائيلي تزيد أكثر من واحد وأربعين ضعفا عن حصة الفرد العربي.
وأن حصة الفرد الأمريكي تزيد أكثر من 116 ضعفا عن حصة الفرد العربي.
فهل نحن في عالمنا العربي مستغنون عن البحث العلمي الذي هو من أهم سمات العصر الحاضر؟
إن من اكتسب العلم اكتسب احترام العالم وتقديره، واكتسب القوة اللازمة لردع الآخرين، واكتسب القدرة على المحافظة على ما عنده من خيرات، وعرف الطريق الصحيح لتنميتها، واكتسب بعدا عن الخرافات والأوهام والأساطير، وعاش مستريحا في دنياه .. وكم كان سفلنا الصالح مدركا لهذه المعاني ولما هو أكثر منها حتى شاع بين الناس قولهم: إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم.
والعلم الذي أقصده لا يقتصر على علم الدين الذي يجب على كل مسلم، قارئا كان أو غير قارئ أن يحصل قدرا منه، تصح به عبادته ومعاملاته في الحياة. فهذا العلم الديني جزء من العلم بمعناه العام. وعلوم الدنيا الكثيرة ينبغي أن نأخذ منها كما يأخذ الآخرون، وأن نهتم بها كما يهتمون، إذ لا نستطيع أن نقيم في حياتنا دينا صحيحا في دنيا خربة، لأن الدين عمران للقلوب وعمران للأرض، وإقامة للحياة فيها على أسس من دعائم الاستخلاف الذي أوكله الله للناس “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” وعمارة الأرض بدون الاهتمام بعلوم الدنيا ضرب من العبث في عالم اليوم، الذي يتقدم فيه الناس في المغرب والمشرق باستثناء العالم الإسلامي الذي يحافظ على التخلف العلمي المناقض للدين الإسلامي الذي يدين به.
والنصوص الحاثة في القرآن والسنة على العلم والتعلم كثيرة كثيرة، ولكن المسلمين –اليوم- يرددونها في مؤتمراتهم ومجامعهم، ثم يكتفون منها بهذا القدر .. والعجيب الغريب أن الذين لا دين لهم، أولا دين صحيحا لهم يقتحمون ميدان العلم بكل قوة، بينما نحن نصد عنه ونبتعد بكل قوة.
فكيف نتقدم وكيف نحيي أنفسنا وكيف نحافظ على أرضنا وأموالنا .. وكيف وكيف؟
وأسئلة عديدة تدفعنا دفعا إلى طريق العلم، الذي هو طريق التقدم، وبغيره فنحن خارج دائرة العالم المعروف.

