الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين

ميزان لا يخطئ

المسئولون والقياديون ينالهم من اهتمام الناس بهم وبأعمالهم وتاريخهم حظ عظيم، وبقدر ثقل هذا القيادي أو ذاك المسئول في ميزان الأخلاق -عند المسلمين- وفي ميزان الأعراف البشرية -عند غير المسلمين- تتحقق منزلة القيادي ودرجته التي تعلو وتعلو حتى يظن البعض أنه فاقد الشبيه عديم النظير، وأن الحياة بغيره يحيط بها شر خطير، أو تهبط وتهبط حتى يتمنى البعض أن لم يكن لهذا القيادي وجود في الحياة ويعملون على التخلي عنه مع أول فرصة تتاح.

وهذا ميزان حساس -عند المسلمين وغيرهم- وهو مقياس لالتفاف الجماهير أو تخليها، وهو ميزان صادق حتى مع الذين اختارهم الله لرسالاته، واصطفاهم لتبليغ خلقه من الرسل والأنبياء، فإنهم -جميعا- حازوا من الفضائل أعلاها، ومن المكارم أوفاها، وما جاء عنهم في كتاب الله هو دليل الطهر والنقاء، والصبر والوفاء، لم تغيرهم عن معالي القيم في الحياة سراء أو ضراء، ورسولنا صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأكمل للمثالية المترفعة عن الدنايا، فحياته قبل البعثة وبعدها تشع بالضياء والنور والصفاء، والفضائل الحسان، فما ذاق مرة واحدة قطرة خمر، ولا خان عهدا، ولا أعان ظالما، ولا ارتضى ظلما … إلى غير ذلك من المحامد والسجايا، ولذا كان التفاف المسلمين حوله عظيما وتعلقهم به جليلا كبيرا.

نقول هذا ونحن ندرك أن درجة الأنبياء فوق درجة بقية القيادات والزعامات، مهما ارتفعت، لأن أي زعيم مهما نقت سيرته، وطابت سريرته، وذاعت شهرته، لابد أن تجد له سقطة أو سقطات هنا أو هناك، أما الأنبياء فهم فوق هذا المستوى، لأن الله عصمهم في دينهم وحفظهم واصطفاهم في الذروة من خلقه، ليظلوا -وهم من بين البشر الذين يجري عليهم ما يجرى على البشر من موت وحياة وغير ذلك- نماذج يقتدى بها في رفعة الأخلاق وسموها وشمولها وعمومها، وقد عبر عن ذلك أحد المشركين حين عرضت عليه تعاليم الإسلامي فقال: (لو لم يكن ما جاء به محمد دينا لكان في أخلاق الناس حسنا).

المصالح هي المحرك:

ميزان الفضائل -عند المسلمين- وما تعارف عليه الناس -عند غير المسلمين- ميزان لا يخطئ ولكن البعض يتهاون في هذا الميزان أحيانا، أو يتغافل عنه أحيانا لمصلحة تتحقق، فإذا توقفت المصلحة أو تحققت على نحو غير مرضي عادوا للميزان ناظرين، وقالوا: إن الخلل موجود والفساد مرصود والاصلاح مطلوب.

وهذا بعينه ما يحدث هذه الأيام في أمريكا، حيث ينصب الميزان من جديد لكلينتون، وسط الأضواء الصاخبة، والإعلام الذي لا يعرف رحمة والدعايات الكثيرة المتعددة، التي تعدد له من الفضائح الجنسية والمخازي الأخلاقية الكثير…

وليس ما اقترفه هذا القيادي أو غيره في غير بلاد المسلمين بجديد عليهم لأنهم كلهم -قياديين وغير قياديين- واقعون في هوة الرذيلة، حريصون على اقتناص الشهوات الجنسية من حيث جاءت بها شياطين الإنس الذين يروجون لها ويصطادون بها بعض الناس ممن تواتيهم الحظوظ فيرتقون سلم القيادة سواء وصلوا إلى أعلاه أم وقفوا عند بعض درجاته، والحوادث التي تتردد الآن وتعلن عن (كلينتون) ليست وليدة اليوم، لأن أغلبها حدث قبل توليه منصب الرئاسة الأمريكية، أيام أن كان حاكما لولاية أركنسو، ولا نشك في أنها كانت معروفة عند العاملين في دهاليز السياسة أو بالأحرى في (الحكومة الخفية) التي توجه كثيرين من قادة العالم -راضين أم كارهين- لأن يفعلوا ما يؤمرون، ويحققوا لهذه الحكومة الخفية أغراضها، من غير أن يلفتوا الأنظار لها.

كانت هذه الفضائح أو بعضها على الأقل معروفة عند اليهود الذين يعرفون كيف ينتهزون الفرص، ويكشفون الأوراق في الوقت المناسب، ليحققوا -من ذلك- لأنفسهم مكسبا، أو يوفروا عليهم مغرما، وها هم يستغلونها ويلوحون بها وبغيرها، حتى يسقط كلينتون اهتمامه برعاية ما يسمى في هذه الأيام (مسيرة السلام) التي أصابها التعثر قبل بدئها، وفشلت قبل إتمامها لأن اسرائيل لا تريد غير الأرض، وهي تبني فوقها المستوطنات، وتشق الطرق وتطوق القرى العربية، وتعمل على إقامة 30ألف مسكن في القدس وحدها لتكرس بقاءها عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، وإن أراد المسلمون قدسا فليبنوا لهم قرية في مكان قريب من مدينة القدس يسمونه (القدس) وليتخذوه عاصمة لهم إن شاؤوا، وإن أبوا فليس لدى إسرائيل إلا الصلف والكبرياء فهل يتدخل أحد ليحاول تغيير هذه الحقائق الواقعية حتى ولو كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؟ كلا…إنه  ينبغي عليه أن يتبنى السياسة الإسرائيلية بغير شروط ولا حدود أو قيود، وإلا فإن المخبوء يظهر والمستور يكشف، وإذا لم تكف هذه الإشارة ولم تؤد الغرض المنشود فإن  في السجلات الكثير الذي ينشر فيحرك الجماهير الساكنة ويقضي على القيادي المشاكس.

وسائل الضغط المملوكة:

وهذه طبيعة اللوبي الصهيوني المسيطر على القرار في أمريكا والموجه له لخدمة اسرائيل بما يملك من وسائل القوة ممثلة في المال والإعلام، ووسائل الخسة ممثلة في جرائم الجنس والرذيلة، فمن لم تخضعه هذه فلتخضعه تلك، ومن لم يقبل هذه ولا تلك فالتصفية موجودة، وما حادث مقتل كنيدي عن الأذهان ببعيد.

وكم من قيادي خدم اليهود خدمات شتى تخلوا عنه عندما شعروا أن نفعه قل، وسيفه فل، وأنه ليس عند ما يقدمه لهم، بل وقد يعملون على تشويه صورته، وتلطيخ تاريخه بكل موبقة، ثم ينتهي به المطاف في مزبلة التاريخ يحتل اسمه فيها مكانا بارزا بين الخائنين!! وكل من تعامل مع اليهود وخبرهم أدرك منهم طباع اللؤم والخسة، التي يلحقونها بكل من خدمهم من غير اليهود، بعد أن يأخذوا منه ما يستطيعون، ثم يتركونه نهبا للضياع، دون أن يكون له في الأرض ولي ولا نصير.

وهم اليوم يرفعون (الكارت) الأصفر -بلغة الرياضيين- في وجه كلينتون، فإن اعتدل سكنت العاصفة، وإلا زعزع مكانته الإعلام الذي يملكونه وقضى على هيبته ووضع أنفه في الرغام، فإن استكان فبها ونعمت وإن ظل على ما هو عليه اقتلعته الريح، فكان في مصيره عبرة لمن يتذكر.

أمن الخليج واحتمالات المستقبل:

ونحن نتساءل: لماذا تثار هذه الزوابع الآن بشدة وجهر بعد أن كانت خافتة؟ هل الهدف أن يندفع كلينتون في توجيه ضربة عسكرية للعراق يشغل بها -ولو إلى حين- الرأي العام في الداخل والخارج، ويغطي بها تلك الفضائح التي تلاحقه؟

قد يكون ذلك بالفعل، وحينئذ فمن الخاسر؟ إن الخاسر الوحيد هو الشعب المغلوب على أمره في العراق، لأن صدام وزبانيته -فيما يبدو- يتمتعون بالحصانة والصيانة ضد كل ما هو أمريكي، بل لا نجاوز الواقع، إن قلنا إنهم قد يتمتعون بنوع من الحماية الأمريكية غير المعلنة، ليتجمد الوضع في الخليج على ما هو عليه منذ عام 1991م وإلى أجل غير محدود، فدولة النظام العالمي حريصة على بقاء صدام كنموذج مخيف يثير رعب المنطقة كلما تحرك أو تململ فتظل المنطقة متعلقة بالحماية الأمريكية متوسلة تطلب بقاءها، وتعتبره منة من الدولة القطبية، التي لا تدخر وسعافي أن تعلن في كل مناسبة أن خليفة صدام لن يكون أفضل من صدام، فالضربة المحتملة -إن حدثت- موجهة لشعب مغلوب مسحوق لا حول له ولا طول، يخرج بعدها صدام ليمارس لعبته، بعد أن يأتيه ضوء أخضر من الغرب، ونعود إلى ما كنا فيه في دورة لا تنتهي إلا لتبدأ.

دولة المؤسسات:

أما عن الموقف الأمريكي من أمن الخليج عامة، فإنه لن يتأثر بهذه الحوادث التي يظن البعض أن لها تأثيرا سلبيا على أمن الخليج، وسواء بقي كلينتون أو ذهب فإن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج لا تتغير، لأن الحكم هناك تصنعه وتوجهه مؤسسات ثابتة غير مرتبطة بأشخاص تنظر في صنع قرارها للاتجاهات السياسية العالمية والتحركات الدبلوماسية، والمصالح الاقتصادية والتكتلات الدولية، وغير ذلك من عوامل صنع القرار، بحيث لا يصدر إلا في وقته المناسب وبالطريقة التي يحدث بها التأثير المطلوب، فلا مجال لانفعالات شخصية أو رغبات عاطفية.

ومن الاستراتيجية الثابتة في المرحلة الحالية المحافظة على أمن الخليج بصورته التي هو عليها الآن، بحيث لا تحجب الصورة منظر عابث يلهو في الشمال، باعتباره أحد العناصر الداعية إلى بقاء القوات الأمريكية واستمرار أدائها لدورها.

موقف أمريكا لا يتغير بالنسبة للخليج -عما هو عليه- وإن ذهب كلينتون أو استمر في رئاسته لأن المؤسسات هناك هي صانعة القرار، وهي التي تضع خطوطه وتصنع دوائره وما الزعيم -أي زعيم- إلا منفذ لما تقرره المؤسسات لا يخرج عن طوعها، ولا يسمح لرغباته بافساد تدبيرها.

وقيام السياسة واعتمادها على المؤسسات هو من محاسن النظم الغربية في عالم تتشابك فيه المصالح ويصعب على أي قيادي أن يستخلص -وحده- ما يحقق به صالح بلاده.

ويأتي الفصل بين السلطات، بحيث لا تتأثر أي سلطة برغبات السلطات الأخرى كحسنة أخرى، فالسلطة القضائية لها الاستقلال الكامل في أن تقول ما تشاء بناء على تحقيقاتها وحدها فلا تميل للسلطة التنفيذية تتملق رضاها، ولا نحو السلطة التشريعية، تطلب تغاضيها عن أمر من الأمور.

ولذلك فإن هذه القضايا وأمثالها إن مست أشخاص المسئولين، فهي لا تؤثر في صناعة القرار، ولا تخلخل العلاقات بين السلطات، ومن هنا يمكن أن نقول: إن الموقف الأمريكي من الأمن في الخليج باق إلى أجل غير محدود، وإن عدالة الحكم في قضية الجنس المثارة الآن منتظر من غير أن تكبله قيود.