بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

( إن الإدارة الأمريكية مصممة على توجيه ضربة شديدة للعراق ، بل إن الإدارة ستعيد الكرة في كل مرة تشعر فيها بأن صدام يعيد تشكيل وبناء قواته )

        هذا ما صرحت به وزيرة الخارجية الأمريكية ( أولبرايت ) أمام لجنة خاصة بمجلس الشيوخ وهو اعتراف صريح بأن الضربة القادمة ـ إن حدثت ـ لن تكون ضد نظام صدام تهدف إلى إسقاطه واستبدال غيره به ، فذلك ليس في الحسبان ، بل إن هذا القول من المسؤولة الأمريكية يحمل اعترافا صريحا ، وإقرارا واضحا ببقاء صدام على رأس النظام في العراق، كل ما هناك انه كلما حاول بناء قواته وإعادة تشكيل جيشه تدخلت الإدارة الأمريكية بضربة تأديب على جراءته لا ضربة عقوبة لإزالته ن فهو بشخصه المستبد ن وغبائه المستمر ، وافتعاله للأزمات ، وتلقيه للضربات ، وتسببه في خسران الأمة العربية والإسلامية مليارات من الدولارات ، وآلاف من الأنفس وسنين عددا من عمر التنمية والتقدم ، وإثارته للذعر والرعب في المنطقة نموذج فريد ، يحقق لأمريكا ما تريد دون أن يأخذ على ذلك أجرا .. فكيف تفرط فيه وفي نظامه أمريكا ؟ نعم .. إنها تضربه .. أو بالأحرى والأوضح تضرب بدله ، وتضرب شعبه ، وتقص للعراق أجنحته ، وتضعضع من الدول قوتها وتفكك أوصالها ، ويبقى صدام جاثما فوقها باستبداده ، ورعونة تصرفاته ، ومشاغباته الظاهرة، وانكساراته الباطنة ، فوجوده يحقق لأمريكا تكتيكا في التعامل تحافظ به على هيبتها واستراتيجيتها ، ( فالولايات المتحدة ليست على استعداد للمساح لأي دولة أخرى بتحدي أو تقاسم النفوذ معها لاسيما في منطقة الخليج ) وبقاء صدام بمواصفاته وسماته السابقة سيجعل هذه المنطقة ملتهبة ، كلما خمدت الفتن فيها شبت من جديد ، مما يجعل القوة العسكرية الأمريكية مطلوبة دائما ، مرغوباً في بقائها ، لا تضيق دول المنطقة بتكاليفها ، وهذا ما يقوله بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر ك (( أن الإقرار الأمريكي بالهيمنة الأمريكية عالمياً يلزم الإدارة الأمريكية ـ أي إدارة ت باتخاذ ما يجب اتخاذه من إجراءات وسياسات للحفاظ على هذا الموقع القيادي المتفرد ، وذلك من خلال الإبراز المستمر للدور الأمريكي عالميا وتعميقه وتوسيع مداه )) ولن يبرز هذا الدور ويتسع مداه ويتعزز وجوده ويتميز إلا في تواجد أمريكا القوي في منطقة النفط الذي هو شريان العالم المعاصر ، ووجود مشاكس في القبضة الأمريكية ،تحكم السيطرة عليه خير من غيره ممن لم تعرف له اتجاها ، ولذا فقد تتحقق الضربة ، لتعطي لدولة النظام الأوحد البعد المطلوب في الهيمنة والسيطرة ، مع بقاء صدام ليقوم بمساخر المهرج عند اللزوم ، فتنهال عليه الصفعات فيعتبر الأبعدون ويخاف الأقربون ن ويطلبون مزيدا من الحماية، وخاصة حين تواجههم التحديات الإقليمية أو الاقتصادية التي تجعل من الخليج أرضا خصبة لعدم الاستقرار ، وانتشار العنف في ظل تراجع خطط التنمية ومعدلات النمو ، وفشل نظم التعليم في التكيف مع متغيرات العصر وازدياد معدلات البطالة والاختلالات السكانية ، وتراجع معدلات الأنفاق العام وتزايد العجز في الموازنات العامة وهكذا يقول المحلل الاستراتيجي كوردسمان ، الذي يبني على ما تقدم أن واشنطن ملتزمة بضمان استقرار علميات تدفق النفط بأسعار مقبولة ، وبزيادة إنتاجه واستخراجه من دول الخليج بكميات اكبر لمواجهة الطب العالمي وضمان أسواق الخليج كأسواق للسلاح في مواجهة حادة من فرنسا وربما روسيا والصين في مرحلة لاحقة ، وهذا يفسر موقف هذه الدول من الأزمة الحالية ، ويفسر أن المصالح وليس المبادئ هي التي تحرك الدول لاتخاذ المواقف المعينة ، وبين كذلك ان المصلحة الأمريكية تجعل المحافظة على نظام صدام بالشكل الحالي تكتيكا أمريكيا يحقق لها مصلحة حالية ومصلحة في المستقبل الذي سيصبح واقعا بعد عقد أو عقدين من السنين ، حيث يحتفظ باطن الأرض العراقية ب 20% من احتياطي النفط والغاز العالمي ما بين 91/125 مليار برميل من النفط وما بين 620/714 تريليون قدم مكعب من الغاز ( الوطن في 15/2/1998).

        وإذا كان صدام قد فتح أبواب الخليج أمام التواجد العسكري الفعلي عام 1990 حين احتل الكويت فإن الأزمة الحالية تؤكد لأمريكا أهمية استعادة نفوذها في المنطقة بعد أن اهتز هذا النفوذ في مؤتمر الدوحة ، وبعد أن بدأت تظهر بوادر العافية على دول المنطقة في مؤتمر طهران الذي نجح نجاحا كبيرا في جمع اكثر من 55 دولة إسلامية .

        وضربة عسكرية ذات تغطية إعلامية ناجحة كفيلة بتحقيق هذا الهدف إلى جانب الأهداف الأخرى التي تحدثنا عنها أجمالا في الأسبوع الماضي .

        وهذا يستدعى أن تتحرك دول مجلس التعاون الخليجي حركة ذاتية بحث تفق فيما بينها على استراتيجية ثابتة تلتزم بها هذه الدول أمام بعضها وأمام شعوبها ، استراتيجية تحافظ على مقدرات كل دولة في ظل السياسة الملتزمة بها ، مع الأخذ في الاعتبار الاتجاه نحو التكامل والتعاون والتماسك أمام الدول الكبرى ، مع توحيد في السياسة الاقتصادية من حيث التعامل بيعا وشراء ، وذلك بعد حل المشكلات العالقة هنا أو هناك سواء أكانت مشكلات طائفية أو مذهبية ، أو عراقية ، أو مشكلات حدودية ، لأننا ندرك أن المصير مشترك وأن الهدف واحد ، وانه خير لنا أن نتحدث مع الآخرين ونحن مجتمعون من أن نتحدث إليهم ونحن متفرقون .. ثم يعد هذه الخطوة لابد من إيجاد نوع من التقارب العربي والإسلامي يكون بمثابة إطار يحمي هذه الرقعة الممتدة وسط العالم الإسلامي ، دون إغفال الشعب العراقي ، الذي نعلم جميعا أنه مغلوب على أمره خاضع لسطوة صدام وجبروته ، مما جعل الضربات تلاحقه ، دون أن يتأثر صدام ونظامه بشيء منها في المستقبل ، أن من مصلحة العرب والمسلمين أن تتوحد جهود الخليجيين ومن ورائهم توحد العرب والمسلمين خلال مدة زمنية محدودة ، حتى يمكن أن نصنع سفينة النجاة قبل أن يغرقنا الطوفان .