بقلم / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

بعض الناس لا يشغلون أنفسهم بمقاومة الشر والأشرار، وإنما يشغلون أنفسهم بإيذاء الأخيار، والمكر والكيد لهم بالليل والنهار، وبيان أن ما صنعوه من الخير أمر لا يدخل في حيز الصالحات وأن مقاومتهم للشر لا يدخل في تغيير المنكرات، وآفة هؤلاء البعض أن الموازين لديهم مقلوبة فالشر من الأشرار مسكوت عنه، والخير من الصالحين الأبرار يقاومونه باللسان ولو استطاعوا أن يقاموه بالسنان لفعلوا، ولو استطاعوا أن يشوهوا كل خير، وأن يقلبوا كل فضيلة يفعلها الصالحون ويحولوها إلى رذيلة ما ترددوا، يغفل هؤلاء عن أن (لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثّلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب)، وكثير من الذين تعرضوا للعلماء والصالحين في القديم والحديث أصابهم الذل والهوان، وأحاط بهم القهر والحرمان، وصدق فيهم قول الله “إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وأعدَّ لهم عذابا مهينا، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ولو أن إيذاء الصالحين قاصر على الأعداء المجرمين لهان الأمر، ولكن هذا الإيذاء يقوم به كذلك بعض المسلمين، الذين تنتظمهم جماعات إسلامية، ويدفع هؤلاء إلى الإيذاء التنافس أو الحسد، ولو أحسنوا لأنفسهم وأنصفوا في حكمهم لعلموا أنهم متجاوزون حدود الله، وأنهم بذلك قد ظلموا أنفسهم “ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه”ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون إن إيذاء أي إنسان –بغير حق- مرفوض في الإسلام، بل إن إيذاء الحيوان مرفوض كذلك، لقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها.

وقد رأينا أناسا يأخذهم حماسهم الدعوي –بحسب ما يقولون- لأن يتعرضوا للآخرين بالتجريح والتسفيه لرأي رأوه، أو قول قالوه، رأينا بعض هؤلاء قد انتكس انتكاسة عظيمة أخرجته من طور إلى طور حتى قارب مواقع الردة أو كاد .. ورأينا من هؤلاء الذين جعلوا همهم إيذاء المسلمين من تعرضوا للمهانة والذل والصغار، وما قولك بمن يتعرض بالأذى لمن أحبه الله، لقد جاء في الحديث: “إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض .. والله يحب المتقين ويحب المحسنين وهم معهم: “إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون” فماذا يفعل الحاسدون والحاقدون أمام هذا الحب الذي لا يملك أحد صرفه أو طمسه، إن من بين عباد الله المؤمنين من لو أقسم على الله لأبره .. فكيف يأمن أحد إيذاء هؤلاء؟ “إن ربك لبالمرصاد”

“إن الله يدافع عن الذين آمنوا” وويل لمن عادى أولياء الله الذين تكفل الله بالدفاع عنهم .. وأي تعيس هذا الذي يحارب الله ورسوله؟ نسأل الله أن يحفظنا من التعرض لهؤلاء.

إن رموز العمل الإسلامي أعلام هداية جعلها الله –سبحانه- معالم يهتدي بها الخلق، فأي تعاسة أن يبتلى إنسان بإنزال هذا العلم جهلا منه أو عداء أو حسدا؟ فهل يرعوي عن مثل هذا العمل الظالمون المعتدون؟ وأولى بهم وأحسن لهم أن يعملوا وأن يقولوا ما قاله الإمام القدوة محمد بن إدريس الشافعي حين دخل عليه تلميذه الربيع بن سليمان يعوده في مرضه قال: دخلت على الشافعي وهو مريض فقلت له: قوى الله ضعفك، فقال: لو قوى ضعفي قتلني. فقلت: والله ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير!

وكذلك ما روى عن الإمام الجوال ميمون بن مهران حينما قال له أحد الطفيليين: إن فلانا يستبطئ نفسه في زيارتك، قال: إذا ثبتت المودة في القلوب فلا بأس وإن طال المكث!

وأين الذين لا يحسنون الظن بأقوال الدعاة الصالحين اليوم من قول الله: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم“؟ وأين هم من قول سعيد بن المسيَّب رضي الله عنه: (ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي فضل، إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله)؟

بل أين هم من قول الإمام الذهبي عليه رحمة الله تعالى: (إن الكبير من أئمة العلم، إذا كثر صوابه وعلم تحرِّيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعة وإتباعه، يُغفر له زلـله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك)؟

إن باب التشهير بالدعاة لو فتح لم يسلم منه أحد، وإن تتبع أخطاء الدعاة لذكرها والتشهير بها ليس من باب النصيحة ولا هو من الإسلام، وهو مخالف لمنهج السلف الصالح.

فمتى نصل –نحن دعاة اليوم- إلى هذا المنهج؟ ومتى تسلم نفوسنا وصدورنا فلا نحمل على غيرنا؟ ومتى يكون التوجه إلى الله وحده، وإننا ليكفينا أن تأتينا الطعنات من العلمانيين والليبراليين. فهل نسلم من ألسنة إخواننا الدعاة العاملين؟