بقلم الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
استشراف المستقبل:
الحركة التطلعية في الإنسان نحو الأفضل تكاد تكون مرتكزة في طبيعته لا تفارقه فما من إنسان على وجه الأرض إلا وله آمال يريد أن يحققها، وأحلام يرجو أن يراها واقعا، وكل فرد إنما يتطلع للمستقبل من خلال نظرته التي ينظر بها في الحياة، تلك التي تصطبغ بالصبغة الفكرية العقلية، أو الشعورية الوجدانية، أو الحسية المادية، ولذلك تختلف آمال الناس وتطلعاتهم لأنفسهم ولأمتهم، لكن هذه الآمال لا تنعدم ولا تتوقف إلا إذا توقفت الحياة ذاتها.
والإسلام منذ مجيئه يوجه الناس إلى الاهتمام بالمستقبل اهتماما كاملا لا يقل عن اهتمامه بالحاضر، بل قد يزيد، إن الدين قد ربط اليوم الآخر –وهو مستقبل وراء هذه الحياة الدنيا- بالإيمان بالله، فقد جاء في كتاب الله “.. ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر..” ومعنى ذلك أن المسلم يهتم بالمستقبل ابتداء من لحظته الحاضرة إلى يوم القيامة، وأنه مستعد لهذا المستقبل دائما، فهو في حياته الآنية يخطط لغده في ضوء معرفته بما يدور حوله إنه -دائما- متطلع للأفضل، مشمر عن ساقه في سبيل الصلاح والإصلاح له ولأمته وللبشر أجمعين.
والمسلم ينظر للمستقبل بعين تفاؤلية رغم شدة الظلام، وهذا أمر بينه الشرع عندما طالب المسلمين بحسن الظن بالله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُعجبه أن يسمع في كل صباح “يا نجيح”، واليُسر يأتي بعد العُسر، والحق دائم والباطل طارئ بهذه الروح التفاؤلية، والمعرفة النبوية الكريمة والاستقراء لتاريخ الصراع البشري بين الحق والباطل؛ كان من الممكن الوصول إلى النتائج لصالح الحق الإلهي.
وهاك صورا من الاستشراف المستقبلي المبني على المعرفة النبوية والاستقراء للسنن الكونية والشرعية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حرام بنت ملحان في المدينة والقبائل العربية وقريش متربصين بهم: “قوم من أمتي يركبون ثبج هذا البحر يفتحون صقلية” ويقول صلى الله عليه وسلم للآخر الذي جاء شاكيا شدة البلاء وهم في مكة يُعذبون “والله ليُتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه” صحيح أن العلم النبوي الغيبي له أثره في تحديد الزمان والمكان إلا أن مُطلق الانتصار مُهيأ لكل من يتعرف على سنن الحياة الكونية والبشرية؛ قال الله تعالى: “كتب الله لإغلبن أنا ورسلي” وقال سبحانه “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا”.
والناظر يجد أنه لا تعارض بين الشريعة الإسلامية وأدوات الاستشراف، فعلم الاستشراف لا يقول بالحتمية للأحداث المتوقعة، فقد لا تقع كليا أو جزئيا، أما وقوع المستقبل الحتمي فهو ما أخبرنا القرآن والسنة أنه سيقع في المستقبل “صنفان من أهل النار لم أرهما في حياتي .. وعندنا في مفاهيمنا الرجل “الملهم” الذي يعرف كيف يتعامل مع الماضي والحاضر لرسم المستقبل مثل عمر بن الخطاب”
وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على اهتمامه بالمستقبل، فقد كانت بيعتا العقبة خطوتين هامتين في رسم مستقبل الإسلام، وكان إخبار سراقة بأن له سوارى كسرى استشرافاً منه لمستقبل الدعوة، وكانت الغزوات والفتوح تثبيتا للحاضر ودعما للمستقبل، وغير ذلك من الحوادث الكثيرة التي تدل على الاهتمام بالمستقبل والاستعداد له، والعمل على أن تكون كفة المسلمين فيه راجحة ومؤثرة. وكانت المسيرة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم تسير على نفس الوتيرة وإلا ما امتد الإسلام شرقا وغربا، وثبتت أركانه، وأقام بناءه في الجزيرة وغيرها من البلاد على أسس من العدالة التي حقق الناس في ظلها الرخاء والأمن.
عقبات وتحديات
والمسلمون اليوم مطالبون باستشراف المستقبل، ومعرفة ما يطويه في جوانبه بالنسبة لدينهم وبالنسبة لأرضهم وبلادهم، وثرواتهم وممتلكاتهم، حيث تواجههم تحديات كثيرة، منها وجود بعض الأنظمة غير الديمقراطية في بعض البلاد.
ومنها الاستنزاف المستمر من الجانب الغربي لثروات العالم العربي ومقدراته، ووضع العراقيل أمام ظهور قوى اقتصادية جديدة وتفشي البطالة، إلى غير ذلك، ومنها الغزو الفكري.
وإذا كانت هذه التحديات تواجه المسلمين في حياتهم، وتخترق عليهم ديارهم وبلادهم، فإن هناك تحديا أكبر للإسلام نفسه، حيث هوجمت أعمدة الدين ذاتها ممثلة في الهجوم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن بالتأويل والتحريف، بل وصل الأمر إلى إطلاق ما لا يليق من الألفاظ على الله سبحانه، وهذا الهجوم على الإسلام يصحبه ويسبقه ويتبعه هجوم على الإسلاميين لمنع صوتهم، وإعلان صمتهم، ورضوخهم للأمر الواقع الذي انبطحت فيه الأمة أمام المد اليهودي الصهيوني.
هذا ما نطرحه أمام الباحثين والمفكرين والحكماء في الأمة ليحزموا أمرهم، وليعملوا على إظهار دينهم على الدين كله، وليواجهوا التعدي بالاستعداد والعمل والفكر وإبداء الرأي.

