بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
وعود المرشحين:
قديما قالوا (أفرط فأسقط) وهو مثل يضرب لكثير الكلام، ومن كثر كلامه كثر سقطه. والحملة الانتخابية اليوم في الساحة الكويتية يكثر فيها الكلام، ولا تكاد صحيفة يومية تخلو من بضع صفحات كل يوم للمرشحين وتصاريحهم وأقوالهم، وانتقاداتهم، وردودهم عن الأسئلة الموجهة إليهم، ولا تكاد ديوانية تخلو من الحديث عن الانتخابات الفرعية والمفاتيح الانتخابية، والإنجازات المنتظرة لهذا المرشح في حال نجاحه، والخسارة المنتظرة إن لم يوفق في الانتخابات، وقد يذكر البعض مواقف لمن كان عضوا سابقا في المجلس، لتزكي أعماله، وتثقل ميزانه عند الناخبين.
ومن المعلوم الذي لا يحتاج إلى بيان، أن الإنسان تتفاوت درجة اهتمامه بالأشياء وإدراكه لخباياها
|
تصاريح المرشحين الكثيرة والمتشعبة تجعل الناخبين يعتقدون أن لديهم لكل مشكلة حلا ولكل معضلة رأيا |
وأسرارها، فالطبيب مثلا لا علم له بالهندسة، والمهندس غير القانوني، ورجل القانون قد لا يجيد أعمال التجار، وهكذا.
ولكنك عند المرشحين تجدهم وهم يقدمون أنفسهم للناس، أو بالأصح تجد كثيرين منهم يتحدثون في كل جوانب الحياة الاقتصادية أو السياسية، أو الاجتماعية، وهم في حديثهم يتناولون المشاكل الداخلية والخارجية، الحكومية والشعبية، السرية والعلنية، وكأنما هم أحاطوا بالعلم كله والسياسة كلها، وعندهم لكل مشكلة حل، ولكل معضلة رأي. والكلام كثير يصدق عليه المثل: “أفرط فأسقط” ولذا فإن الاعتدال في الأحاديث والتصاريح والبعد بهما عن المبالغة يجعلان صاحبهما أكثر التزاما وأقرب إلى العقلانية، ويجعلان حديثه أقرب إلى قلوب الناس إن التزم الصدق في كلامه، والواقعية في آماله، وأدرك أنه مسئول أمام الله ثم أمام الناس الذين يمثلهم عن كل كلمة قالها، أو بيان أذاعه، أو خطاب نشره، فإن وفـَّى صدق عليه القول (أنجز حر ما وعد) وإن لم يوف فماذا يقول عنه الناس، وبأي حديث يلقاهم، حين تعاد الكرة، ويلتقي الجميع في ساحة الانتخابات مرة أخرى؟ وما هي ببعيدة.
إننا نجد المشاكل المطروحة اليوم هي نفس المشكلات التي كانت مطروحة في الدورات الانتخابية
| المرشح مسئول أمام الله وأمام الناخبين عن كل كلمة قالها، أو وعد وعد به، أو بيان أذاعه |
السابقة، مما يعني أن المشاكل الكبرى التي تؤثر اقتصاديا واجتماعيا على السكان لم تحل، بل ربما استعصت وأضيفت إليها مشاكل جديدة، وذلك يجعلنا نطلق على التصاريح الانتخابية وما يدور حولها المثل المعروف (أسمع جعجعة ولا أرى طحنا) أي أسمع كلاما ولا أرى عملا، وبعض الذين احترفوا دخول المجلس عليهم أن يسألوا أنفسهم ماذا قدموا للناس، قبل أن يطلبوا من الناس أن يختاروهم، ولو فعلوا لربما عدلوا عن أن يتقدموا لحمل الأمانة مرة أخرى، وتركوها لغيرهم لعلهم يقدرون على حملها، ويصنعون للبلد شيئا تذكره لهم الأجيال.
إن النواب روّاد على الطريق، تتطلع إليهم العيون، وتستمع الآذان إلى كلامهم ويرى الناس منهم ما لا يرونه من الآخرين ، لأن صلة النائب بالناس أقوى من صلة غيره ، باعتباره وكيلا عنهم ، يعمل على ما فيه راحتهم ، ويصد عنهم ما قد يسبب لهم المتاعب ، والرائد لا يكذب أهله ، لا في قوله ولا في عمله ، ولا يقدم مصلحته على مصلحة غيره ، بل يعمل لتحقيق الخير والسعادة للجميع .
وليذكر الجميع أن الحق أبلج والباطل لجلج،أي أن الحق واضح وضوح الشمس لا خفاء فيه وأن الباطل ملتبس ، تحوطه الريب والشكوك ، وأصحاب الحق يعلمون ذلك فيزدادون به تمسكا ، وأصحاب الباطل يدركون ذلك فيزدادون به التواء ، ويزدادون له تمويها، لعله ينطلي على الناس ، وكل شئ ينجلي بعد حين ، والحق لا ينجلي إلا عن الجوهر الثمين ، والباطل لا ينجلي إلا عن الزيف الردئ . وهل يستويان ؟
ما أحسن أن يدرك كل شخص قدراته، وأن يعي أحاديثه ووعوده ، وأن يتبع القول العمل ، ليكون عند الناس ذا منزله ومكانة ،وليكون بعمله وقوله سيدا في قومه ، وقديماً قالوا : ( سيد القوم أشقاهم ) أي أكثرهم عملا وجهدا وكدّاً وتعبا ، لأنه يمارس الشدائد عن الآخرين ، فيطالب بحق العاجزين ، ويتحدث باسم غير المتحدثين الذي لا يصل صوتهم إلى أصحاب القرار ، ويحمل عن الغارمين ، ويدافع عن المظلومين ، وينصر غيره ظالما أو مظلوما مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل : “انصر أخاك ظالما أو مظلوما ” قالوا : يا رسول الله ننصره مظلوما . فكيف ننصره ظالما قال : تكفه عن ظلمه”
والعمل في المجلس كالعمل في أي مؤسسة حكومية أو شعبية يقوم على تحقيق المصالح وتجنب المضار . فمن أدرك من نفسه قدرة على تحقيق ذلك فإنه فارس الميدان ، ومعه الحق كل الحق في أن يعلن على الملأ ذلك ، ومن كان غير ذلك فقد وضع نفسه في غير موضعها ، وعرضها للكلام ، وكان أولى به أن يبتعد عن لغو الألسنة ومجالات الحديث .
ولعل مصفاة الانتخابات تخرج للناس النواب المنتظرين الذين نضع فيهم الآمال ، ويحققون للشعب مع السلطة التنفيذية كل الأحلام .
مفاسد سياسية:
نسبت صحيفة الدستور الصادرة في 26/5/199م العدد الخامس والتسعون إلى النائب السابق عايض علوش قوله عن عالم السياسة : إنه عالم غريب فيه الكذب والدجل والانتهازية ولا يؤمن بالمبادئ . وهذا الكلام يذكرنا بقول ميكافيللى: (الغاية تبرر الوسيلة ) فالوصول إلى الغاية المطلوبة هدف عند هؤلاء يسعون إليه بكل سبيل ، لا يهم – عندهم – أن تكون وسيلة شريفة أو غير شريفة ، نظيفة أو خبيثة . وصناع السياسة في غير بلاد المسلمين يصدرون إلى بلادنا كل غثـّهم وكل فسادهم وكل شرورهم ، وبحمد الله فإننا لم نصل بعد لدرجة الفساد والشذوذ التي انتشرت عندهم انتشارا ، حتى عيَّن كلينتون أحد المجاهرين بالشذوذ الجنسي سفيرا لأعظم دولة عصرية في لوكسمبرج ( الوطن 6/6/1999 ) لم يصل الفساد – بحمد الله – عندنا إلى هذه الدرجة ، ولكنه أصاب جزءا من أخلاقنا في مقتل.فالكذب والدجل والانتهازية وطرح المبادئ ، كلها ألوان من الفساد الأخلاقي تفتح الأبواب للفساد الاقتصادي والخلل الاجتماعي ، وتجعل المزاج حاكما على القانون والأثرة مقدمة على الإيثار ، ومصالح الفرد أو الجماعة أو الطائفة مقدمة على مصلحة الوطن ، إن هذه الوسائل غير الشريفة ، إن تمكنت في أمة قصمت ظهرها ، وأرهقتها وأضعفتها ، وقد تقضي عليها بعد حين، وهذا ما جعل الإمام محمد عبده يقول: لعن الله ساس ويسوس، وسياسة وكل ما اشتق منها ( انظر محمد عبده للعقاد ) ،
| النواب روّاد على الطريق، والرائد لا يكذب أهله، لا في قوله ولا في عمله ولا يقدم مصلحته على مصلحة غيره |
ويبدو أنه قد ضاق لا من السياسة في ذاتها . وإنما من كل ما يتصل بها من ختل وزيف ، وحيلة ومكر وخداع ، ولو أن أمر السياسة استقام على الصدق والوضوح لما ضاق به الإمام محمد عبده ، ولما ضاق به النائب عايض علوش، وستبقى السياسة هكذا ما لم تقوّم الأخلاق عوجها وتثقف عودها . ولا نقدم شيئا للنواب القادمين في يوليو سنة 1999م أكثر من أن ننصحهم بالتزام الصدق والوضوح في كل التصرفات حتى يبرؤوا مما يلصق عادة بكثير من العاملين في هذا المجال الخطير ، بحيث لا ينجو إلا من رحم ربك .
موقف بعض النواب
تحدثنا من قبل عن ضرورة مراعاة المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة من النواب الذين يمثلون أهل الكويت ، لأن المصلحة الخاصة مهما علت يستفيد منها شخص أو أشخاص ، وأما المصلحة العامة فيستفيد منها كل من يعيش على أرض الكويت ، وهي في النهاية تصب في صالح الوطن ، وتعمل على استمرار النشاط فيه والإنتاج الذي أن لم يستفد منه المعاصرون فسوف تستفيد منه الأجيال القادمة ، فالمصلحة العامة إذن مقدمة على المصلحة الخاصة وهذا مبدأ أقرته الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية على السواء … ويبدوا أن بعض النواب السابقين عمل على تجاوز هذا المبدأ ، وضرب بالشريعة والقوانين – في هذا الجانب – عرض الحائط ، ولا ينبئك مثل خبير ، فقد نسبت نفس الصحيفة إلى النائب نفسه قوله : (إن الاستجواب برغم كونه أداة دستورية يحق لأي نائب برلماني استخدامها وقتما شاء ، فإن هذه الأداة أصبحت سيفا يسلطه العضو على رقبة الوزير من أجل تحقيق صفقة أو مصلحة ذاتية ، وقال :رأيت في الكواليس وزراء وقفوا ضد مصالح نواب فكادوا يتعرضون للاستجواب من قبل أولئك النواب (المصدر نفسه )
إن هذه المواقف في السياسة تضر بمصالح الأمة ، وتعطل انطلاق العمل ، وتشغل العاملين بعض
|
أصاب الكذب والدجل والانتهازية وطرح المبادئ جانبا، أخلاقنا في مقتل |
الوقت عن أداء دورهم ، وقد تستفزهم الأحداث ،فيتخذون قرارات غير سديدة تؤثر على الدولة كلها أو على قطاع عريض من أبنائها ، والأعضاء المنتخبون في المجلس ، صار لهم بعد انتخابهم شأن يعود في مجمله على معظم الناس ، وقد كان لهم – قبل الانتخاب – شان يخصهم وحدهم أو يخص مجموعة معينة من الناس. ولذا فإن من الواجب لمن يتصدى لمثل هذه المهمة أن يراعى الله ويراقبه في عمله وقوله ، وأن يعلم أن هذا العمل لا يقبل فيه إلا من كان أمينا لا يميل، قويا لا يلين في الحق ، ولا يتخذ من الذرائع ما يجعل الآخرين عرضة لسهامه .
وليس معنى هذا السكوت على خطأ ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس ، ولكن معناه أن نضع كل شئ في موضعه المناسب ، وهذا هو المطلوب . ونحن نقدم هذا الكلام للنواب القادمين هدية بين أيديهم ، لعل الله أن ينفع به .

