بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

تحدث عملية النخر في مجتمعنا بوسائل متعددة، قد تصل لإخواننا ولأبنائنا وإن كانوا من الراكعين الساجدين، ووسائل النخر متنوعة، فبعضها اقتصادي، وبعضها اجتماعي، وبعضها فكري ثقافي (تعرضنا لبعض مظاهر هذا النوع في مقال الأسبوع الماضي) بعضها يقتصر على الأفراد، وبعضها يحدث على يد المؤسسات، وكلها في النهاية تصب في خانة المجتمع، فتعوق حركته، وتقيد نهضته، وقد تعوقه عن السير المطلوب نحو الهدف المرصود فترة تطول أو تقصر، مما يسترعي لفت الأنظار، ويستدعي مؤازرة كل قادر على الإسهام في التخلص من الأخطار.

ولا نكون مبالغين إن قلنا أن أهم الأسباب الدافعة إلى هذا النخر هو ذلك الانفصام النكد -لدى كثير

الدول الكبرى استحدثت أجهزة ومؤسسات، لها قوة كبيرة، وميزانيات ضخمة مهمتها رسم سياسة البلاد تجاه غيرها وكيفية تنفيذها في ضوء المستجدات .العصرية

من الناس- بين الدين والدنيا، بين المسلم في محرابه متبتلا، وبينه في سوقه متمولا، بين الصائم نهاره طاعة لله، ثم هو في ليله مقترف لمعاصي الله، باحث عن الشهوات والملذات وإن كانت من المحرمات، ألم تر إعلانات الصحف عن الخيام الرمضانية وسهراتها؟ إن لم تكن –يا أخي- قد قرأت فإني أنقل لك بعض ما جاء في إحدى صحف الأسبوع الماضي: (بمناسبة الشهر الفضيل، وإحياء لتقليد الأمسيات الرمضانية الجميلة، أعد فندق .. أمسية موسيقية بعنوان “حلم ليلة شرق” أحياها بالغناء والعزف .. وفرقته الموسيقية العربية، شهد الأمسية عدد كبير من السفراء العرب من محبي فن الغناء العربي، ونخبة من المجتمع الكويتي، ورجال الصحافة والإعلام، واستمرت الأمسية حتى ساعات الفجر الأولى وسط انسجام وتشجيع الجمهور من عشاق الموسيقى الغنائية العربية) ولا نشك في أن أغلب هؤلاء الحاضرين –إن لم يكونوا كلهم- يصبحون صائمين، فهل يتفق صيام النهار مع سهراتهم الليلية أم أن صيامهم شيء وسهراتهم الليلية شيء آخر؟ إنه –إذن- الانفصام النكد، الذي يجعل بعض المسلمين يسجدون لله في المسجد فإذا خرجوا من المسجد ألقوا أمر الله خلف ظهورهم، وأقدموا على فعل كل ما يريدون، لا تردعهم ولا تمنعهم صلاتهم من أن يبيعوا مثلا –السموم- للناس، يهلكون بها عافيتهم، ويسلبون منهم أموالهم، وهل المخدرات وما يسير في فلكها إلا سموم قاتلة؟

إنه الانفصام النكد الذي يجعل بعض الصائمين، ينسون أوامر الله في أعمالهم فإن كان تاجرا غش

 الحديث عن إعادة تقسيم بعض مناطق الشرق الأوسط، لا يصدر من فراغ، وهو تهيئة ذهنية ونفسية لقبول التقسيم عند حدوثه.

وأقسم زورا، لا يعنيه شيء من أمر الحلال والحرام ما دامت سلعته رائجة وتجارته غير كاسدة، وإن كان موظفا ربما وقع في الرشا، وأهمل في العمل، ولم يؤده على جهة الإحسان أو الإتقان.

على حين أن الذين عرفوا ربهم فعبدوه هم أحق الناس أن يكونوا نماذج يقتدى بها في أعمالهم وأن يكونوا واقفين عند حدوده، فلا يقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا يرتكبوا الآثام خوفا من غضب الله سبحانه، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهم يعرفون الحلال فيأخذون منه بما يرضي الله وبما قسم، ويعرفون الحرام فيتوقفون عنه كله، لأنه يغضب الله، هذا شأن المسلم الذي يحمل إيمانه في قلبه فهو معه حيثما حل،ولكن بعض الناس يجعلون إيمانهم كثيابهم يغيرونها بحسب الظروف والأحوال، وبحسب المزاج والرغبات، فخف وزن الإيمان عندهم، وصار خوف الناس أعظم في قلوبهم ونفوسهم من خوف الله، ارتفع في ميزانهم الخوف والرهبة من عذاب الآخرة، ورجح عندهم عذاب الدنيا بما استطاعوا ولا يتوقوا عذاب الآخرة، وصار الدين -بتعاليمه- طقوسا تؤدى في وقتها، ثم بعد ذلك ينطلق الإنسان يعب من الحياة عبا، غير عابئ بحرام أو حلال طالما أمن عقاب الدنيا وعذابها، فن كان لما هو مقدم عليه عذاب في الدنيا فإنه يتوقف ريثما يستقر أمره: أيخاطر فيقدم أم يتأنى ويحجم؟ أما أمر الآخرة فقد هان عند الكثيرين حتى صار كأنه غير كائن، أو هكذا يتعامل معه الناس.

حدثني أحد العاملين في مجال الإعلام، بعد أن استضاف -في رمضان هذا- أحد المختصين في

 النزاعات العرقية أو الطائفية أو المذهبية، أو الخلافات الحدودية، التي لا تخلو منها دولة في العالم الثالث تقريبا ألغام قابلة للتفجر في أي لحظة.

مرض فقدان المناعة (الإيدز) وبعد حديثه عن أن أهم أسباب هذا المرض هو العلاقات الجنسية غير المشروعة، وبعد أن بين أعراض المرض وطرق الوقاية منه -بعد هذا الحديث جاء العاملون في إعداد هذا البرنامج التلفزيوني وسأل بعضهم هذا الضيف: لقد نمت بالأمس مع امرأة فهل يمكن أن أصاب؟ وماذا أعمل الآن؟ وقال آخر: كنت من أسبوعين مع اثنتين فماذا أصبنع الآن وهل يمكن أن أكون أصبت؟

يحكي محدثي أن هؤلاء العاملين معه في إعداد البرنامج صائمون، نعم صائمون نهارا ضائعون ليلا، يتبعون طريقه الانفصام النكد، فلا يبقى معهم من العبادة التي يؤدونها رصيد ينهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومع علمهم بحرمة الزنا التي هي من المعلوم بالدين بالضرورة فإنهم ما خافوا عذاب الله، فامتنعوا عن الفحشاء، أو على الأقل فكروا في التوبة منها والرجوع عنها، فلما علموا عذاب الدنيا الذي تمثل لهم في (الإيدز) خافوا وفزعوا، وجاءوا يسألون: ماذا يعملون؟

فليقرؤوا إذن ما يقوله د. راشد عبدالعزيز العويش مقرر اللجنة الوطنية لمكافحة الإيدز: (وأفضل علاج واق من وجهة نظري هو العفة والتقوى وتربية الشباب عليها، وهذا ما كفله لنا ديننا الإسلامي للوقاية من جائحة هذا المرض .. ينبغي أن يكون حرص المرء مبنيا على تقوى الله، وعلى الفعة والطهارة، وابتغاء الحلال، والبعد عن الممارسات غير المشروعة) (الوطن في 21/1/1998م).

إن طريق النجاة من الإيدز وغيره من الأمراض والمعوقات هو في الالتزام بتعاليم الدين في كل

 سياسة الإفقار التي تتم الآن في الدول الخليجية بوسائل متنوعة تهدف إلى دخول هذه الدول في نفق الاستنزاف بحيث يتقلص دورها بعد تأخر تنميتها وهز الثقة في اقتصادها.

وقت وفي كل مكان، وصدق الله العظيم: “فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشق فهل يعي شبابنا هذا؟ وهل تعي تلك المجموعة من الشباب –التي رأيت سخطها في المطار وسمعت جلبتها- ما أقول؟

والقصة رأيتها بعيني منذ سنتين عندما اضطررت للسفر في صبيحة عيد الفطر عبر مطار الكويت، وكانت الطائرة تقلع في الساعة التاسعة، ومعنى ذلك أن أكون في المطار في حدود الثامنة تقريبا، وتوجهت في الموعد المحدد إلا المطار وإذا بجلبة وسخط تلفت الانتباه، فنظرت فإذا مجموعة من الشباب لا تقل عن ثلاثين ارتفعت أصواتهم، ولما حاولنا أن نعرف سبب السخط والغضب قيل: إنهم كانوا مسافرين إلى (……) البلد العربي، ولظروف الطيران فإن هذه المجموعة قسمت إلى قسمين قسم يسافر في الموعد المحدد، وقسم يتأخر حتى المساء، وهنا علا الصياح وزاد الغضب، وانكشف المستور لأنهم على موعد هناك مع بعض الغانيات قبل حلول المساء.

فأين منهم صيام رمضان الذي صاموه؟ هل صلوا العيد؟ هل وصلوا أرحامهم؟ هل خافوا ربهم؟ هل

تحطمت الجامعة الإسلامية على يد الشريف حسين، وتحطمت الجامعة العربية وفقدت أهميتها ومصداقيتها على يد صدام حسين. فعلى يد من ستتحطم بعض الكيانات الموجودة الآن؟

كانت رهبة عذاب الآخرة في نفوسهم؟ إلى آخر هذه الأسئلة التي يعتبرها البعض أو قد يعتبر المقالة كلها موعظة تمر وتمضي. وإنني أقرر أنها موعظة ونصيحة ودواء عظيم لشفاء النخر الذي يكاد –إن لم يوقف- يستنزف قوى المجتمع، ثم يؤدي به إلى البوار.

ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق..