الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
استعمار جديد:
تخلصت الدول الإسلامية من كارثة الاستعمار بمعناه التقليدي القديم، لكنها لم تتخلص من كوارث أخرى كثيرة، صنعها الاستعمار لنا، وقبلناها منه لسوء فهمنا وقلة علمنا، وضعف قوتنا، وكثرة لما عنده من سلاح، أو بضائع، أو مصنوعات، أو خبرات ولسوء تصرف البعض عندنا، ومحاولة ظلم بعضنا بعضا، وقد زرع الاستعمار ألغاما يمكن أن تنفجر في أي وقت، فتعطل كل حركة للتقدم، وكل محاولة للتخلص من الهيمنة الاستعمارية زرع الخلافات الحدودية بين كثير من بلادنا، وزرع
|
في بلادنا “مستغربون” يلبسون لبس الشرقيين، وينتهجون سبيل الغربيين في تفكيرهم وعاداتهم، ويجدون في خدمة أهداف الغربيين أكثر من خدمة بلادهم |
النعرات القومية للأقليات التي عاشت مئات السنين في البلاد الإسلامية دون النظر إلى هذا الأمر، وأجج نيران العصبية المذهبية، وأوجد بعض أناس يعملون على خدمة مصالحه، ويدعون لاتباع مناهجه، ويخضعون ويدعون لكل ما يصدر عنه، وقد أثمر هذا الغرس تبعية معنوية للبلاد الاستعمارية القديمة، بعد أن تخلت عن الأسلوب القديم المثير للمقاومة، واستحدثت أساليب أخرى تحقق لها أغراضها من غير إثارة أو ضجيج، لقد كان القيد قديما من الحديد، فصار الآن من الحرير.
وقد كان من أهداف الاستعمار القديم الهيمنة على مقدرات الدول المستعمرة (فتح الميم) وامتصاص خيراتها، وجعلها سوقا لتصريف منتجات الدولة المستعمرة (بكسر الميم) أي أن الدافع الاقتصادي كان المحرك الرئيسي قديما، وما يزال هو المحرك الأساسي حديثا، فالهدف واحد وما تغير هو الشكل وحده، ولذلك تتسرب أموال دول العالم الثالث أو كثير منها إلى البلاد الأخرى ذات السيطرة في صورة صفقات لأسلحة، أو إنشاء شركات أجنبية لاستغلال الخامات الوطنية، أو الدخول في معاهدات معينة أو تحالفات تقوم على المصلحة، أو تبني دولة كبيرة قضية دولة صغيرة، كما تتبنى روسيا قضية العراق أو غير ذلك من الصور.
وكلما انكشفت حقيقة صورة من الصور ابتكرت صورة أخرى جديدة، تتفق عليها الدول الكبرى
|
دول العالم الثالث ترتضي -أحيانا- بعض ما يفرض عليها من اتفاقات تضر بمصالحها -في المستقبل البعيد- حتى لا يقال: إنها متخلفة عن مسايرة الركب العالمي |
لتصبح سارية المفعول على بقية الدول، حتى إذا لم تكن شاركت في صنعها، ولكنها لا تستطيع مسايرة للنظام العالمي الجديد أن تمتنع عن التوقيع عليها والقبول بها ولو خالفت مصلحتها، وأثرت على حياة شعبها.
إلغاء الجمارك ضربة قوية للصناعات الوطنية:
ومن هذه الاتفاقات الأخيرة ما يمكن أن نسميه “اتفاقية تحسين الجودة” التي تمت بين عديد من الدول المتقدمة لتكون سارية المفعول على بقية الدول وفق مراحل متدرجة، بحيث تعفي في نهايتها جميع الجمارك على السلع، ويبقى الإقبال على سلعة معينة مرتبطا بجودتها فقط دون أي اعتبار آخر.
ولما كانت الجمارك تعتبر في كثير من البلاد النامية حماية لبعض الصناعات الناشئة من أن تقضي عليها صناعات الدول المتقدمة ذات الجودة العالية، نظرا لقدرة الدولة، وتمكن الصناعة فيها من سنين عديدة، واستخدام جميع الوسائل التكنولوجية لخدمة الصناعات، وتشجيع المخترعين والمبتكرين من إضافة جديد إلى الصناعة في كل يوم، وهذه العوامل كلها إما معدومة في الدول النامية وإما قليل غير ميسورة في كل حال، لا عجب إذن في تغلب صناعة الدول المتقدمة على الدول النامية.
ولما كانت الجمارك أحد الحواجز الحامية للصناعة في الدول الناشئة فإن هذا الحاجز سيسقط
|
إن مصير ملايين العمال وأسرهم في العالم الإسلامي محزن مؤلم حين تطبق مقاييس الجودة على الشركات، وحين تسقط حواجز الجمارك، لأن شركاتهم ستغلق أبوابها، وتطرد عمالها |
بالتدريج حتى يزور تماما على النحو الذي أقرته الاتفاقية على مراحل ثلاث:
أولا: في سنة 2005 يتم فتح الجمارك أمام بعض البضائع والسلع، لتدخل بدون رسوم.
ثانيا: 2010 إضافة إلى السلع السابقة.
ثالثا: 2013 تلغي الجمارك تماما وتتحرك البضائع بين البلاد، بدون أي قيود، مما يجعل كثيرا من الصناعات في البلاد النامية تتوقف، لعدم قدرتها على المنافسة. إذ العبرة بالجودة وحدها، فلننر في عدد الشركات والصناعات التي حازت مقياس الجودة في عالمنا الإسلامي، ولنقارنها ببعض الدول من حولنا، لنرى حجم المشكلة القادمة وأثرها.
الجودة والمشكلة:
نقصد بالجودة هنا في عالمنا الإسلامي بعض الصناعات ذات المواصفات العالمية المحددة، التي يمكن أن تنافس الصناعات الأجنبية، أو تقف إلى جانبها حتى وإن تأخرت قليلا. فكم من هذه الصناعات قادرة على ذلك؟
نأتي بمصر كمثال باعتبارها من أعرق الدول، ومن أكثرها سكانا في الشرق الأوسط، ولها ثقلها السياسي والاقتصادي، نرى كم عدد الشركات التي حازت على مقياس حتى ديسمبر سنة 1997م إنه 344 شركة ومؤسسة، فكم شركة ومؤسسة في مصر؟ إن فيها بضعة آلاف لا تقل عن 5000 أو 4000 شركة على أقل تقدير.
فكم النسبة بين الصناعات والشركات التي حازت صفة الجودة (344) وبين غيرها 5000 أو 4000؟ وأين تذهب بقية الشركات والمؤسسات التي هي خارج نطاق الجودة؟ بالطبع حين لا تصرَّف إنتاجها ستغلق أبوابها.
وما مصير العاملين فيها؟ إن مصيرهم هو البطالة والمعاناة أو التقاعد المبكر والمعاناة أيضا، وإذا
|
إن حل هذه المشكلة الاقتصادية في قدرة الحكومات وحدها، وعليها من الآن أن تمنع الخطر من الظهور، وأن تحمي شعوبها من آثاره المدمرة |
كان العاملون الآن يعانون وهم يعملون من ارتفاع الأسعار، ومن عجز الأجور عن القيام بمتطلبات الحياة الضرورية في بعض الحالات، فكيف إذا قعدوا من أعمالهم بعد أن أغلقت شركاتهم أبوابها؟ وما المشكلات التي تنجم عن ذلك؟ من المعروف أن البطالة والفراغ والحرمان والجوع دوافع قوية لكثير من الجرائم والانحرافات الخلقية والاتجار في المخدرات، والاتجاه نحو الإرهاب، إلى جانب السطو المسلح أحيانا والسرقات، ودفع الناس نحو اتجاهات فكرية مضادة أو مناقضة للإسلام، وتدني مستوى التعليم والعلاج والتساهل في تجاوز القانون، وبالأعم فإن الفوضى تعم وتسود بين أغلبية المواطنين الذين لا يجدون عملا وهم في هذه الحالة أكثرية، وما ظنك بدولة تكون أكثريتها على هذا المنوال والطريقة؟ وما الحل بعد أن تجد ملايين الأسر أن دخلها المحدود قد انقطع؟
إننا سنتكلم عن الحل بعد أن نستكمل المقارنة بين بعض الدول. لقد قدمنا لك مصر كنموذج لدول إسلامية فلنقدم لك الآن إسرائيل كدولة قائمة في المنطقة وإن كنا لا نقر وجودها ولا نعترف بها.
في إسرائيل تبعا لنفس الإحصائية التي أخذنا أرقام مصر منها نجد أن بها في نهاية سنة 1997م (2303) شركة ومؤسسة حائزة على درجة الجودة (تذكر أن في مصر 344) مع ملاحظة الفارق الضخم بين عدد سكان مصر وعدد سكان إسرائيل.
فكم شركة في إسرائيل خارج نطاق الجودة؟ قد لا يكون في إسرائيل شركة خارج نطاق الجودة، وإن وجدت فعددها قليل، وبهذا تسلم إسرائيل من جميع المشاكل المتوقع حدوثها بعد سنة 2013م، ولن نكتفي بالمقارنة بين مصر وإسرائيل في هذا المجال، بل سنذكر دولتين أخريين كذلك هما: الهند وباكستان.
ففي الهند 2865 شركة ومؤسسة حائزة على الجودة.
وفي باكستان 56 شركة ومؤسسة فقط.
فهل هناك مجال للمقارنة؟ وهل المشاكل القادمة هينة لدرجة ألا يثيرها الخبراء، ولا يفكر فيها الحكماء، ولا يبحثها السياسيون؟
وفي الكويت حازت 28 مؤسسة وشركة على هذه الجودة. ومصير بقية الشركات والمؤسسات هو نفس مصير الشركات في أي دولة أخرى. إنه إغلاق الأبواب وطرد العمال وما يتبع ذلك من جرائم وانحرفات.
الحل:
ليس الحل في قدرة الراصدين للأحداث، وليس من مهمتهم، إذ يكفي أنهم يتنبهون للمشكلة قبل
| في مصر حازت 344 شركة ومؤسسة على صفة الجودة مقابل 2303 في إسرائيل وفي باكستان حازت 56 شركة ومؤسسة على صفة الجودة مقابل 2865 في الهند |
وقوعه، ويحذرون من شرورها ونتائجها الضارة على الناس وعلى الدولة، إنما الحل الحقيقي في يد الحكومات، لأنها -وحدها- القادرة على حل هذه المشكلة التي تهدف في النهاية إلى إفقار البلاد والعباد، وزعزعة الأمن والأمان، وإطلاق عناصر الفوضى والاضطراب. والحكومات من واجبها أن تتصدى لمثل هذه المشكلات لتحمي الشعوب من آثارها الضارة. فهل تفعل الحكومات ذلك؟
على أننا نستطيع أن نقدم تصورا قد يساعد على الحل.
ونتصور أن تأخذ البلاد النامية بطلب من حكوماتها أمدا أطول من ذلك للتغلب على هذه المشكلة فما المانع أن يطبق هذا القرار سنة 2030م مثلا بدلا من 2013؟ وفي هذه السنوات تعمل الحكومات بصفة مستمرة، وجهد كبير على إكساب كثير من الشركات والمؤسسات صفة الجودة، بحيث تثبت بعد ذلك في المواجهة ولا تتقهر في المنافسة القادمة.
والأمر محتاج إلى كثير من المال والجهد ومحتاج إلى العقول المفكرة، والخبرة المناسبة، والتدريب الواعي المستمر، فهل يصلح هذا التصور؟ أعود لأقرر أن الحكومات وحدها هي القادرة على التصدي للمشكلة القادمة. فهل تفعل؟

