الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
على هامش محاولة المرأة دخول المجلس البلدي في قطر:
هل حازت المرأة كل حقوقها، ونالت كل حظها من الفرص حتى لم يبق أمامها غير إثبات وجودها في العمل السياسي، فحاولت اقتحام بابه في المجلس البلدي المركزي في قطر؟
وليس من مهمة هذا المجلس ولا من اختصاصه البتّ في الشئون العامة الداخلية في قطر، وإنما مهمته كما بينها رئيس مجلس الوزراء القطري الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني مهمة استشارية فقط، وهذه المهمة الاستشارية لا تتعدى شئون الصحة العامة والغذاء، ويحق لوزير الشئون البلدية والزراعة أن يأخذ بها أو يرفضها. أي أن مهمة هذا المجلس مهمة شكلية لا تتعدى إثبات مظهر معين.
واهتمام المرأة بدخول هذا المجلس هو اهتمام منها بالشكليات والفرعيات أكثر من اهتمامها
بالأصول والأساسيات.
وقد كان جديرا بالمرأة في عالمنا العربي التي ما زالت تعاني من إهدار أبسط حقوقها، وهو حقها
|
فتحنا باب الصراع بيننا على الفساد المالي والإداري والأخلاقي، ودخل الناس إلى حلبته، وكل له حاجة في نفسه يود أن يقضيها |
في أن تعيش آمنة مطمئنة على نفسها ومالها وولدها وبيتها وسط دوامة العنف التي تحيط بالعالم وتوجه هذا العنف إلى المرأة في جرائم كثيرة تبدأ من الإهانة والسب وتصل إلى حد القتل مرورا بجرائم الضرب والاغتصاب والخطف والسطو المسلح، وغير ذلك مما تتعرض له النساء على وجه الخصوص. حتى صار الجنس وجرائمه غالبا على كثير من القضايا السياسية والاقتصادية والحربية، فالمرأة أغرقوها في الجنس ليتاجروا على حساب شرفها وكرامتها، وليحققوا مكاسبهم من ورائها، حتى ولو أدى ذلك إلى هتك الأستار وكشف الأسرار، وصار الجنس بضاعة رائجة في سوق السياسة وبين السياسيين، وقد تحولت قضية (كلينتون – مونيكا) من بين أروقة المجالس النيابية ودور المحققين إلى الاستوديوهات، حيث تظهر مونيكا في التلفاز لتقص على المشاهدين المتابعين قصتها وتروى لهم مشاعرها وتحكي لهم كيف كان البدء وكيف كان الختام، فلا تترك المشاهدين البريطانيين إلا بعد أن يقول أحدهم: إن المقابلة المتلفزة فاقت في تأثيرها لدى المشاهدين الفياجرا.
ولم يقف الأمر عند حد تحويل القضايا السياسية إلى قضايا جنسية تتابعها الصحف وتنشرها وكالات الأنباء العالمية، وتعرضها شاشات التلفاز عبر الأقمار الصناعية إلى ملايين من الناس في الشرق والغرب، بل تعداها إلى بعض القضايا الحربية، فقد رفعت إحدى المجندات في إسرائيل دعوى على مسئولها الحربي أمام المحاكم لتوقف ترقيته من رتبة العميد إلى رتبة اللواء، لأنه اغتصبها أيام أن كانت مجندة تحت رئاسته.
وقد نددت ساداكو أوغاتا مفوضة الأمم المتحدة العليا للاجئين بالعنف النوعي ضد النساء ودعت
|
المجلس البلدي المركزي القطري مهمته استشارية فقط ومقتصرة على شئون الصحة العامة والغذاء |
الحكومات إلى منح حق اللجوء إلى النساء اللائي يهربن من الاضطهاد بسبب جنسهن، وأنه يجب حماية النساء المضطهدات فقط لأنهن نساء.
والحديث عن اضطهاد النساء في بلدان العالم المختلفة يثير الأسى والعجب، خاصة ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين، فهناك (100 مليون طفلة على الأقل يتم وأدهن سنويا في آسيا وأفريقيا وأوربا الشرقية وفي الصين ثلاثة ملايين جارية في أغلال الرق الفعلي، وهناك عدة ملايين يتم الاتجار بهن في سوق الدعارة التي يسمونها الرقيق الأبيض .. وإذا كانت هناك حقيقة، فالحقيقة أن العالم كله بعربه وعجمه، وغربه وشرقه، واشتراكيته ورأس ماليته، لم ينصف المرأة فالحضارة الغربية التي ساد أسلوبها ومحتواها صنعت حرية المرأة في المخادع، ووأدتها في مصانع حبوب منع الحمل، وجعل الإيدز النساء الأوربيات يتذكرون اختراعا قديما اسمه الصون والعفاف) (الشرق الأوسط 9/3/1999 بتصرف يسير)
أقول: كان جديرا بالمرأة في عالمنا العربي وهي ترى مستنقع الجنس الذي أغرقوا فيه المرأة في الشرق والغرب أن تعمل على اكتساب حقوقها الاجتماعية وأن تعمل على تأكيد حقوقها الشرعية، التي وفرت لها الكرامة والعزة، وأن تكون في تصرفاتها وعملها وسلوكها نموذجا للتعامل الإسلامي الصحيح، لتكون رائدة للنساء في العالم في احترامها لذاتها ومحافظتها على شرفها، وتقدير المجتمع لها وتراجع ذئاب البشر أمامها، ولكنها آثرت أن تهتم بالقضايا السياسية ولو كانت مظهرية شكلية كالاشتراك في الانتخابات والترشيح لها واعتبار المرأة ركنا من أركان الدعاية للديمقراطية الشكلية التي تمثل في النهاية في بعض بلادنا العربية نمرا من ورق.
ولكن المرأة مثل غيرها من أبناء أمتنا الإسلامية التي انصب اهتمامها في كثير من مجالات حياتها على الشكل والمظهر وليس على المضمون والجوهر، وكثير من المؤسسات في البلاد العربية قائمة على هذا الأساس الشكلي المظهري، فسرت عدواه إلى كل القطاعات وكثير من الشرائح الاجتماعية.
وليت الأمة كلها رجالها ونساءها تهتم بالمضمون والجوهر وتترك الشكل والصورة لتعيش حياتها مصونة معززة بغير زيف أو التواء، ولنذكر جميعا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” (ص.ج.ص 1862)
اليوم العالمي للمرأة والعنف ضدها:
تنوعت صفات الأيام ما بين سعد ونحس، وطول وقصر، وبياض وسواد وغير ذلك من الصفات التي يلصقها الناس بالأيام، وما هي من الأيام في شيء، لأن الزمن تجري فيه أقدار الله على عباده، وهي أقدار تجري بالرخاء على أناس شاء الله لهم ذلك، وتجري بالعسر على آخرين، والأيام ظرف لهذه الأقدار، ولذا جاء أمر الله لموسى نبيه أن يذكر قومه بأيام الله فقال سبحانه: “وذكرهم بأيام الله” أي بما يحدث فيها من شدة أو رخاء للناس، وأن ذلك يتم ابتلاء من الله، ليعلم من الناس من منهم يصبر فيؤجر، أو يشكر فيؤجر كذلك؟ ولذا اختمت الآية السابقة بقول الله: “إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور”
ولم يقف الناس عند حد تحميل الأيام هذه الصفات وأمثالها، بل تعدوا ذلك فخصصوا بعضها لتحمل مضامين معينة كاختيارهم يوم 21 مارس للاحتفال بالأم، ويوم 8 مارس للاحتفال بـ “اليوم العالمي للمرأة” و يوم 8 أكتوبر جعلوه يوم الاكتئاب في أمريكا، وغير ذلك من المبتدعات التي ما أنزل الله بها سلطان.
وبمناسبة اليوم الذي اعتبروه “اليوم العالمي للمرأة” نسأل أنفسنا بم يحتفلون؟ وعن أي شعور نحو
|
الحقيقة الثابتة أن العالم كله الآن لا إنصاف فيه للمرأة والحرية التي وفرتها لها الحضارة الغربية هي الحرية في المخادع وأماكن اللهو والعبث والمجون |
المرأة يترجمون؟
وبالطبع فحديثنا عن هؤلاء المحتفلين الذي اخترعوا هذه المسميات ولصقوها بأيام محدده، وهم غير المسلمين الذي تمتلئ بلادهم بكل ما هو مناقض للقيم الأصيلة، والأخلاق النبيلة، لأنهم وهم يحتفلون بهذه الاحتفالات وأمثالها لا يضيفون إلى المرأة جديدا من التقدير والاحترام، بل إنهم ليفرحون بأنهم حاولوا تخفيف بعض ما يلحق المرأة من صور العنف والإجرام، وقد أفادت دراسة لأحوال المرأة في أوربا نشرت في ستراسبورغ قبل أيام أن امرأة من كل خمس نساء تقع ضحية أعمال عنف مرتبطة بجنسها في دول مجلس أوربا الأربعين، ويتوزع هذا العنف على كل الأعمار والطبقات الاجتماعية وكل الثقافات، فإذا ما انتقلنا من أوربا الغربية إلى آسيا وجدنا في روسيا 15 ألف امرأة تقتل سنويا نتيجة العنف، وهذا الرقم يشكل نسبة عالية مما جعل يلسن يطلب من وزيرة الخارجية الأمريكية القيام بعمل مشترك بين البلدين للحد من جرائم العنف العائلي في روسيا، والاستفادة من الخبرات الأمريكية في هذا المجال، فإذا ما تابعنا حالات الاغتصاب، واضطهاد المرأة والعبث بكرامتها، وملاحقتها جنسيا من كبار الشخصيات (كلينتون – مونيكا) أدركنا أن يومهم العالمي هذا مخصص لتخفيف بعض الأعباء عن المرأة، وأنهم إن استطاعوا ذلك اعتبروه تكريما وتقديرا عاليا للمرأة، إذ يكفيها –في نظرهم- أن أعباءها قلت، والجرائم ضدها تناقصت.
العنف ضد المرأة في الكويت:
ولم تسلم نساء الكويت من ظاهرة العنف التي تسود العالم الخارجي، فقد كشف د. كاظم ابل مدير مركز الرازي للدراسات والاستشارات النفسية في ندوة حول “العنف ضد المرأة” أن 70% من المراجعات للعيادات النفسية هن ضحايا ظاهرة العنف الذي يمثل اعتداء على الآخر سواء كان نفسيا أو بدنيا أو ماليا. وأن غالبية النساء اللاتي يتعرضن للاعتداء لا يشتكين إلى الجهات المسئولة، لأن ذلك خروج على العرف المألوف، وطالب بإنشاء جمعية خاصة للدفاع عن حقوق المرأة ضد العنف.
وهذا الذي كشف عنه الدكتور أمر مثير للتعجب والاستغراب، فقد كان المأمول في مجتمعنا المسلم ذي التقاليد العريقة والقيم السامية، أن تكون نسبة العنف فيه قليلة جدا، تمثل حالات الندرة أو حالات الاستثناء التي تثبت القاعدة، ولم يغب عن بالنا وجود بعض حالات العنف في المجتمع وكنا نظنها حالات محدودة في أثرها وفي انتشارها، أما أن تكون حالات العنف تمثل الأغلبية، حتى وإن كانت أغلبية صامتة لا تشكو إلى المخافر، وتمتص آلامها ومتاعبها وتكبتها في نفسها وتطوي عليها قلبها فلا تظهر إلا إلى قريب عزيز أو طبيب معالج، فذلك خطر كبير، لأنه يوحي بأن 70% من مجموع أسر المجتمع تعيش العنف وتراه وتمارسه، وأن الصغار يتربون في هذا الجو الهائج المضطرب فيتأثرون بهذه الظاهرة، ويشبون وللعنف في نفوسهم نصيب كبير، أفيسلم المجتمع من شرورهم حينما يكبرون؟ ولماذا نحكم على المستقبل بعد عشر سنوات أو أكثر، ولا نحكم عليه الآن؟ ففي مجتمع قليل السكان ما يكاد يمر يوم إلا وتقرأ في الصحف بعض حوادث القتل أو السرقة، أو السطو، أو النصب والاحتيال، أو غير ذلك من ألوان الجرائم وأنواعها. وهي كلها ألوان مختلفة من العنف يمارس ضد المجتمع .. وهذا العنف ضد المجتمع لم يبدأ من فراغ، فقد بدأ في بعض صوره في البيوت وفي الأسر، عنف ضد الزوجة أو تسيب بين الأولاد فأثمر ما نراه الآن، فكيف تكون الرؤية بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، وقد كنا نظن أن مجتمعنا الخالي من الإيقاع السريع لحركة الحياة وتفاعلاتها المستمرة التي لا تترك مجالا لهدوء أو استقرار في المجتمعات الغربية، والتي تؤدي إلى العنف في كثير من الممارسات اليومية، إلى جانب غياب الروح الإنسانية هناك بسبب التعامل الدائم مع الآلة، كنا نظن أن مجتمعنا خالٍ أو شبه خال من العنف، حتى فوجئنا بهذه النسبة العالية التي يخبرنا بها أحد الخبراء، بناء على ما تحت يده من وثائق ومستندات.
والمشكلة تدل على أن التفاهم بالحوار قليل وأن حق الزوجة في بيتها مهضوم أو منقوص، وأن المجتمع هو الذي يجني ثمار العنف، تمزقا بين أفراد الأسرة الواحدة، وانعداما لآصرة الحب والمرحمة.
وعجيب أن تظهر هذه النسبة في مجتمع يدين بالإسلام، الذي يدعو إلى التسامح والرحمة، وإلى
|
الرئيس الروسي يلسن طلب من وزيرة الخارجية الأمريكية القيام بعمل مشترك بين بلديهما للحد من جرائم العنف العائلي في روسيا والاستفادة من الخبرة الأمريكية في هذا المجال |
الحلم والصبر والعفو وإلى المعاشرة بين الزوجين بالمعروف، وإلى الإحسان إلى الزوجة حتى وإن كرهها الزوج “فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا” وإلى العدل بين الزوجات في حال تعددهن، وإلى عدم تفضيل بعض الأولاد على الآخرين بشيء من مال أو عقار، لأن ذلك جور يجلب الخلاف والشقاق، وهذه بعض الأسباب المؤدية للعنف داخل الأسرة، إلى جانب غياب المفهوم الحقيقي لمعنى الزوجية الذي عبر عنه القرآن الكريم: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة” ولو اتبعنا هذا الهدي الرباني لقضي على العنف الأسري أو لقلت نسبته عما هي عليه كثيرا.
العطاء النسوي:
العطاء بغير حدود سمة الأمهات، فهن لا يدخرن وسعا في سبيل إسعاد الآخرين، ولو كان على حساب راحتهن وصحتهن، لأن إسعاد الآخرين سعادة لهن، وفرحتهن بنجاح أولادهن في الحياة لا تعدلها فرحة.
وعطاء الأمهات تعبير قوي عن العطاء النسوي الذي تتصف به الإناث في أغلبهن، سواء كن أمهات أو غير أمهات. فتقديم الخير وخدمة الآخرين، ونفعهم بكل وسيلة ممكنة، ورعايتهم والسهر على راحتهم، وتخفيف آلامهم، والتقليل من أحزانهم، كلها وسائل للمرأة منها حظ وافر ونصيب كبير، وهناك مهن يكاد يقتصر العمل فيها على المرأة، لما تحمله بين حناياها من خير لا تضن به على أحد كمهنة التمريض مثلا.
ولقد تعاونت المرأة مع الرجل في عديد من المجالات المشروعة، وكان عطاؤها في كثير من الأحيان لا يقل عن عطائه في حدود قدرتها وإمكاناتها، بل إن المرأة أحيانا سبقت غيرها من الرجال في بعض المجالات، وأعطت عطاء متميزا كان لها به السبق والتفرد، كما فعلت مؤلفة قصص الأطفال السويدية استريد لندجرين التي ترجمت أعمالها إلى 75 لغة وبيع منها أكثر من 40 مليون نسخة، واختيرت كواحدة من بين عشر نسوة هن أبرز نساء القرن العشرين، ولا شك أن تأثيرها العالمي على أطفال العالم بلغ حدا كبيرا، فكثيرون من الأطفال قد قرأوا قصصها، وتأثروا بأفكارها، وأسلوبها. وقصصها التي بيع منها أربعون مليون نسخة دخلت بيوت الناس، وتناولها من بينهم غير واحد.
إنه تأثير كبير وعطاء ضخم لم تتنبه إليه أديبات عالمنا العربي والإسلامي، اللائي شغلن أنفسهن
|
كان جديرا بالمرأة في عالمنا العربي والإسلامي وهي تهرول باحثة عن دور سياسي أن تثبّت حقوقها الاجتماعية، وأن تعمل على إحياء وتأكيد حقوقها الشرعية |
بالرواية التقليدية، التي قد تخرج عن التقاليد والأعراف المرعية، وعن القيم الدينية، وعن العادات الشرقية لتسير خلف هذا أو ذاك من الأدباء المشهورين في الغرب أو في الشرق دون أن يكون لعملهن تأثير يذكر إلا على عدد محدود من الناس. فهل تعي نساؤنا هذا الدرس؟ وهل يتعلمن منه؟
العمل السياسي والجانب التعبدي:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
يعبر أهل الوجد عن عنايتهم واهتمامهم بصلتهم بالله بهذا البيت المنسوب لأبي فراس الحمداني، والذي يتلخص في حسن صلتهم بالله وحده، ثم لا يعنيهم بعد ذلك شيء تقطعت صلتهم بالآخرين أم اتصلت. وهذا المعنى هو الذي يعنينا الآن بعد أن فتحنا باب الصراع بيننا على الفساد المالي والإداري والأخلاقي، ودخل الناس (مسئولون وغير مسئولين) إلى حلبة هذا الصراع، وكل له حاجة في نفسه يود أن يقضيها، فمنهم من يريد أن يصطنع لنفسه حملة إعلامية، ومنهم من يبحث عن مكاسب مادية، أو مناصب إدارية أو سياسة، أو قضاء مصلحة شخصية، أو الفوز بصفقة تجارية في (مناقصة شكلية)، وغير ذلك من الحاجات التي تنطوي عليها الصدور، ثم سرعان ما تنكشف وتأبى إلا أن تطل بقرونها على حد قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين علم أن أحد ولاته بنى لنفسه بيتا قال: “تأبى الدراهم إلا أن تطل بقرونها” ونحن نقول: تأبى الحاجات المستكنة في النفوس إلا أن تطل بقرونها بعد أن تقضى، ولسان حال هؤلاء هو لسان المتنبي حين قال:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وجواب
ولكن أكثر هؤلاء المتصارعين في حلبة الصراع يقول بلسان حاله:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة صياحي بيان عندها وطِلاب
فهل كثير من هؤلاء يعمل بناء على منهج رباني في الولاء والبراء بين الحق والباطل أو على مصالح دنيوية تتعدد مسمياتها؟ وهل حديث الناس عن أن فلانا أو فلانا من أعضاء مجلس الأمة المشتبكين في حلبة الصراع يدفعهم دافع من العقيدة والإيمان أو من السياسة والمصلحة كلام صحيح؟ ومن الطبيعي ونحن نثير بعض الأسئلة الدائرة على ألسنة الناس أن نرتكن إلى القاعدة المعروفة وهي: أن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انفصل وانقطع، وأحسن من هذه القاعدة وأبلغ قول الله: “إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”
وبداية الانتصار في أي عمل أن يكون خالصا يبغي به صاحبه وجه الله، فإن لم يكن في الحقيقة
|
التعامل الإسلامي الصحيح في المجتمع يجعل النساء المسلمات رائدات لغيرهن في الاحترام والتقدير والمحافظة على الشرف والعفة |
كذلك فبأي وجه يلقى صاحبه ربه بعد حين قريب أو بعيد؟ وماذا هو قائل لربه حين يلقاه، وقد أعلن من قبل أنه يسعى في الإصلاح لوجه الله، وقد علم الله منه أنه سعى لتحقيق مصلحته؟ إن هؤلاء المتصارعين إن أخلصوا النية وجعلوا عملهم تعبدا لله يدخل في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن يكتسبوا من ورائه مِرماة أو مرماتين سمينتين فقد فازوا، لأن الجميع كبارا وصغارا، أغنياء وفقراء، ملوكا وعامة يلقون ربهم فلا يجدون عنده إلا الجنة إن أحسنوا، أو النار إن أساءوا. وقد روى أن رجلا رأى في رؤياه أخا له بعد موته فسأله: ما فعل الله بك؟ فقال: لم ينفعنا إلا ركيعات كنا نقيمها في جوف الليل. فهل تـُفهم هذه المعادلة سلوكيا وعمليا من أصحاب العمل السياسي أو من الإسلاميين منهم على الأقل؟
ومن الضروري ألا تغيب هذه المعادلة كذلك عن العاملين غير المشتغلين بالسياسة، لكنا ننبه على السياسيين منهم أكثر من غيرهم لأنهم أكثر عرضة لغياب هذا المفهوم العقدي الإيماني التعبدي عنهم في خضم العمل السياسي.
والإسلاميون -على وجه الخصوص- وفي مقدمتهم أصحاب الجاه من السياسيين، وأصحاب المال من الاقتصاديين مدعوّون للوقوف والمراجعة لتحقيق معنى العمل لله في أنفسهم قبل غيرهم، بحيث لا يحرمون من حسنة الآخرة بعد أن نالوا بفضل الله بعض حسنات الدنيا.

