بين الانتخابات الماضية والانتخابات الآتية:

أسفرت انتخابات المجلس البلدي عن إقبال المواطنين على الانتخابات إقبالا متواضعا، إذ إن ما يقرب 40% ممن لهم حق التصويت لم يذهبوا إلى لجان الانتخاب، وهذا في ذاته تفريط في حق الدولة، وإهمال وإغفال لحق المواطن نفسه.

أما إنه تفريط في حق الدولة فلأنه تصرف سلبي قد ينعكس أثره –أحيانا- على إحدى المؤسسات الرسمية ذات الأهمية، التي تعنى بكثير من الشئون، ومن حق الوطن والمواطنين عليها أن تقدم لهم أفضل ما عندها من خدمات.

والإقبال الشعبي الكبير على الانتخابات يعطي انطباعا قويا بأن المواطنين حريصون على مصلحة بلدهم، وأنهم إيجابيون في كل ما يتصل بشئون الدولة، التي تتكون منهم ومن غيرهم، وتضمهم بين جوانحها، وتيسر لهم كل الاحتياجات الضرورية، وكثيرا من الاحتياجات غير الضرورية، وأنهم (المواطنين) يبادلونها نفس الإحساس، فلا يتأخرون عن واجب، ولا يتقاعسون عن حق، ومن واجبهم ومن حقهم أيضا أن يذهبوا جميعهم إلى لجان الانتخابات، ليدلوا بأصواتهم، وليساهموا في اختيار ممثليهم ووكلائهم، الذين يسند إليهم الإصلاح الداخلي في الكويت في جهات عديدة، وبطرق شتى طيلة السنوات القادمة، والناجحون في المجلس البلدي -ومثلهم نواب المجلس- لا يعملون لصالح الناس الذين صوتوا في الانتخابات فقط، وإنما يعملون لصالح أبناء الكويت كلها، ومن حق المرشحين أن يذهب كل من له حق التصويت إلى مقار الانتخابات ليختار الذين يمثلونه ويكونون وكلاء عنه وعن كل من لا يستطيع الإدلاء بصوته لكبر سنه أو لعجزه أو لصغر السن أو لغيابه في سفر مثلا أو لأنه ليس له حق التصويت أو غير ذلك من الأسباب.

من حق المرشحين أن يذهب كل من له حق التصويت ليختار من بينهم من يرى فيه القدرة والكفاءة والأمانة لأداء هذه المهمة التي تعود بالنفع على الوطن والمواطنين.

وأما أن التغيب عن الانتخابات -بلا مبرر مقبول- إهمال وإغفال لحق الفرد نفسه، فلأن هذا العمل الذي يقوم به الفرد حين يختار واحدا أو أكثر من بين المرشحين إنما هو تزكية لهذا الفرد قائمة على شهادة منه بأن هذا الشخص هو أفضل العناصر التي تقوم بخدمة الناس في هذا الموقع، وكل من له حق التصويت يعتبر شاهدا بهذا المعنى، والله سبحانه قال: “ولا يأت الشهداء إذا ما دعوا” وقال: “ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه” وممارسة أصحاب هذا الحق لحقهم هو جزء من مساهمتهم في الحفاظ على الكويت والعمل على رقيها. فكيف يبخل إنسان بهذه المساهمة التي لا تكلفه نقيرا ولا قطميرا، وقد تعود عليه وعلى أبناء وطنه بأعظم الفوائد وأكبر المنافع؟ ولعل الانتخابات القريبة القادمة في أوائل الشهر القادم تكون أوفر حظا وأعظم إقبالا ممن لهم حق التصويت، حتى يتلافى الجميع الإهمال في حق النفس أو التفريط في حق الوطن.

دور النائب القادم:

تكلمنا قريبا عن الأسس والأصول التي نريد من النائب أن يستند –في عمله البرلماني- إليها، لأنها تعتبر حواجز تمنع من البعد عن الهدف الأصلي الذي يسعى إليه المسئولون والنواب وعامة الناس. ألا وهو خدمة الكويت وإعلاء شأنها في ظلال المرجعية الإسلامية، وفي إطار الشريعة السمحة التي بينها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أناط المسئولية بكل فرد –على قدر المسئولية- فقال “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته” والنائب في مجلس الأمة يضطلع بدور عظيم في المسئولية يتصل بتقديم الرأي، ومراقبة العمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل على الإصلاح، وسد الثغرات التي يتسلل منها الشر والفساد، ومناصرة المستضعفين، والعمل لصالح الناس أجمعين، وهذه مسئولية جسيمة يحاسب عليها الإنسان أمام الله، ويحاسب عليها كذلك أمام الناس الذين فضلوه على غيره، وآثروا أن يكون وكيلا عنهم في هذه المهمة التي تستمر سنوات أربعا.

ومن منطلق هذه الأهمية آثرنا أن يكون حديث اليوم عن صفات النائب الذي نختاره.

القوة:

وهي أولى الصفات التي ينبغي أن يتصف بها النائب، والقوة التي أعنيها ليست قوة العضلات أو بسطة الجسم –وإن كانت مطلوبة- وإنما هي قوة الحق الذي يتمسك به النائب حين يطلب طلبا، أو يشترك في صنع قرار، أو يعرض رأيا، أو يعترض على شأن من الشئون، أو قول من الأقوال، وقوة الحق تعطى النائب ثقة كاملة فيما يفعل وفيما يقول، وتدل على مصداقيته ونزاهته، لأنه مع الحق أينما وجد وحيثما حلّ، وتجعله ثابتا على مبدئه لا يتزحزح عنه، وقد رأينا في الدورات السابقة نوابا يقولون أشياء أمام الناس ثم هم في المجلس يخالفونها ويتصرفون تصرفات أخرى، لا تسير خلف الحق وإنما تسير خلف الهوى، وخلف المصلحة، وخلف المكتسبات المادية أو المعنوية لهذا أو لذاك، وأغراضهم هذه إن وافقت الحق فبها ونعمت، وإن خالفت الحق، تجاوزه النائب ضاربا به عرض الحائط مستغن بأغراضه الأخرى عنه. مع أن الأصل أن الحق هو الأساس في كل قول وفعل، ولكن ما الحيلة إذا كشفت التجارب بعض أصحاب الأغراض الصغيرة؟

ومع قوة الحق التي يحب التمسك بها تكون قوة الحجة والبرهان في عرض أي شيء سواء أكان لك أم عليك، وفي المطالبة بأمر أو الإعراض عنه ورفضه، حيث تكون الحجة القوية والبرهان الساطع دليلا على حرص النائب على أن يكون جادا في تصرفاته وأقوله وأفعاله، وأنه لا يضيّع وقت المجلس عبثا، وأن الحصانة التي يتمتع بها جعلته أثقل حملا من غيره، حتى لم يعد لديه وقت للسفاسف والصغائر، التي اعتاد بعض الناس عليها لضعف في حجتهم، وقلة في بضاعتهم.

فالأقوياء –وحدهم- هم الذين يؤيدون أقوالهم بالبرهان والدليل، وأما الذين لا برهان لديهم ولا دليل، فإن أحدا لا يلتفت إلى كلامهم، ولا يعنيه أن ينظر في أقوالهم.

والله سبحانه –علمنا ذلك- فكان يرسل رسله بالحجة القاطعة والبرهان المبين، والآيات البينات لقطع دابر الشك عند مخالفي رسله، وقد طلب سبحانه من اليهود والنصارى الذين ادّعَوْا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، طلب منهم البرهان فقال لرسوله: “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” والنواب المختارون عليهم بالدليل والبرهان في كل ما يعرضونه أو يعترضون عليه إن كانوا صادقين.

وثاني هذه الصفات:الأمانة:

الأمانة في توثيق عرى العهد الذي قطعه النائب على نفسه أمام الناخبين، الذين فضلوه على غيره، فاختاروه نائبا عنهم، فصار بينهم وبينه عهد غير مكتوب على أن يحمل مسئوليتهم، وأن يرعى مصالحهم وأن يحافظ على الدولة، وألا يخالف عن أمر الله وأمر رسوله مهما كانت المغريات، وهذه الأمانة إن انتقص جانب واحد منها أو أكثر صارت خيانة، وقد نهى الله عن خيانة الأمانة في قوله: “يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم ونتم تعلمون” وهل يصلح عمل فيه خيانة؟

إن هؤلاء النواب جاءوا إلى المجلس ليساعدوا على الإصلاح وليقفوا في وجه الفساد الحاصل أو المتوقع، وليتعاونوا مع أصحاب القرار فيما فيه المصلحة العامة، وليعبروا –بصدق- عما يحمله أهل الكويت من آمال أو آلام، وأي نقص أو قصور في هذه الجوانب أو في غيرها من المهام المنوطة بالمجلس يعتبر خيانة للأمانة، وخائن الأمانة مزدري عند الناس، وليس يشرف أحدا أن يوصم بالخيانة، ولذا فإن الأمانة شرف ورفعة ومنزلة تطوق أعناق الأمناء، الذين يتعبون أنفسهم ليستريح غيرهم، ويعملون بجد واجتهاد ليرى الناس أعمالهم فيحبوهم، ويشدوا على أيديهم مناصرين معاضدين.

وآمال الناس معلقة بالدين الإسلامي الحنيف، ولذا فإن من الأمانة ألا يعرض في البرلمان أي شيء يخالف الدين، أو يمس العقيدة، أو يحارب الأخلاق، أو يناقض الفضائل، والنواب أمناء على هذا كله، وعليهم أن يقوموا بواجبهم في الحفاظ على هذه الأمور حتى تظل صفة الأمانة مصاحبة لهم، غالبة عليهم.

وثالثها: العلم:

والعلم ليس هو العلم الشرعي الذي ينبغي أن يحصل منه كل مسلم ومسلمة مقدارا، وليس هو العلم الفني التخصصي في مجال بعينه، ولكنه –إلى جانب هذين- إن وجد العلم التام بالموضوعات المطروحة على المجلس، والإحاطة بها من جميع جوانبها ومعرفة مواطن الضعف والقوة فيها، ومدى انتفاع الناس من هذه الخطوة أو من تلك، ومدى الأضرار التي يمكن أن تلحق بالناس نتيجة قرار من القرارات أو توصية من التوصيات، وغير ذلك من الأمور التي تجب معرفتها والإحاطة بها قبل عرضها، لأن ذلك كله يساعد المجلس على إتخاذ القرار المناسب، ويساعد السلطة التنفيذية على العمل من أجل أن ترى هذه القرارات أو التوصيات النور، ولا أظن أن أحدا من المسئولين أو من النواب يمكن أن يحيد عن الحق إن استبان له بالدليل والبرهان، ودعمته الدراسة الجادة من جميع الجوانب، وقد تؤخر الظروف أو الأحداث تنفيذ أمر من الأمور بعد أن تتوفر له هذه العناصر، ولكن المسئولين يعودون إليه حين تتغير هذه الظروف وتتبدل تلك الأحداث التي أجلت التنفيذ.

وأخيرا فإن أمن الكويت وأمانها ورقيها وإعلاء شأنها يقع على عاتق جميع أبناء الكويت ولكن المسئولين في السلطة التنفيذية وفي المجلس يقع عليهم العبء الأكبر والمسئولية الأعظم في هذا الجانب.

وإننا نضع هذه الكلمات الموجزة أمام الناخبين قبيل عملية الاقتراع على أعضاء مجلس الأمة حتى يكونوا على بينة من أمرهم فيمن يختارونه ممثلا عنهم، وحتى يقوموا هم بواجبهم في الإقبال على عملية الاقتراع حتى نصل جميعا إلى النتيجة المطلوبة.