بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
دلالة العولمة:
العولمة تعبير مستحدث أخذ يجري على الألسنة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وتبلور نظام عالمي جديد، أحاديّ القطبية، تقوده أمريكا، ومن ورائها دول عديدة تسعى في نفس المضمار، ولا يحدث بينها -غالبا- خلاف في قرار، فشاع استعمال “لفظ العولمة” للدلالة على اكتساح الرؤية الغربية في السياسة الدولية لوجه الأرض، فلا يخرج عن هذه السياسة الدولية التي تضع أسسها الولايات المتحدة، وتبرزها وتخرجها الأمم المتحدة إلا قليل من الدول، التي يؤدبها الحصار الاقتصادي (ليبيا) أو العداء السياسي والانقطاع الدبلوماسي (إيران) أو العدوان المسلح (السودان وأفغانستان).
ولم يقف تعبير (العولمة) عند المجال السياسي وحده، بل تعداه إلى مجالات أخرى عديدة حتى صار
|
“العولمة” نظام يقصد به الخضوع لمجموعة النظم والأفكار والعادات والتقاليد السائدة في الغرب في مجالات الحياة |
يعني: خضوع الشعوب لمجموعة النظم والأفكار والعادات والتقاليد السائدة في (الغرب) في المجالات الاجتماعية والسلوكية والاقتصادية بجميع مظاهرها وعللها، ما صلح منها وما فسد على السواء إلى جانب المجال السياسي بالطبع، وهذا ما أعلنه الرئيس كلينتون في خطابه في الأمم المتحدة في دورة انعقادها الثامنة والأربعين، حين بيّن سياسة بلاده الخارجية التي تقوم على الأسس الأربعة الآتية:
1- تقوية وتوحيد المجتمعات الديمقراطية الصناعية.
2- التبشير بالديمقراطية والعمل على نشرها في العالم.
3- التبشير باقتصاديات السوق (الخصخصة) والعمل على تطبيقها في العالم.
4- حصر وتطويق الدول غير الديمقراطية. (قضايا دولية العدد 198 ص16).
وسائل تسويق العولمة
أولا: إقامة المؤتمرات:
وبالطبع فإن نشر هذه المبادئ في العالم يستتبعها نشر القيم الغربية ومعالم السلوك وغيرها مما
|
إقامة المؤتمرات في بلاد مختلفة، وإتاحة فرص التعليم أمام الأجانب وتسويق العادات والتقاليد، واستخدام التقنية الحديثة في مجال الاتصالات هي بعض وسائل “العولمة” |
يصطدم في كثير من الأحيان مع قيم الشرق الإسلامي ومبادئه والعادات والتقاليد السائدة بين الشعوب الإسلامية، ولعل العمل على نشر هذه القيم الغربية كان وراء إقامة مجموعة كبيرة من المؤتمرات في عديد من البلاد أذكر منها مؤتمر الإسكان الذي أقيم في القاهرة، وواجه معارضة شديدة، ومؤتمر المرأة الذي عقد في بكين وواجه -أيضا- معارضة شديدة للتوجيهات والقيم التي يرغب الغرب في تسويقها ونشرها بين الشعوب، لا لشيء إلا لأنها سائدة عنده.
ثانيا: التعليم:
ولم تقف محاولة الغرب فرض مجموعة النظم السائدة عنده على العالم عند عقد عدة مؤتمرات في بلدان مختلفة، بل اتخذ عدة وسائل أخرى تؤدي إلى نفس الغرض، فعمل على إتاحة فرص تعليم بعض القيادات الشابة التي تعود إلى بلادها حاملة مبادئ الغرب وقيمه، رافضة نظم بلادها، وطرائق تفكيرها وأسلوب تعاملها (وقد تعلم في أمريكا -وحدها- في الفترات الأخيرة مليوني طالب آسيوي، بينما لا يوجد طلبة روس في أمريكا سوى 10 آلاف كما يقول ميخائيل كرامر في مقال له بمجلة تايم الأمريكية بتاريخ 12/4/1993م، ويذكر في مقاله أن حوالي نصف أعضاء البرلمان الألماني درسوا في أمريكا الأمر الذي ساعد على تماسك الديمقراطية في بلادهم على حد قوله.
وقد دعا السيناتور الأمريكي بيل برادلي إلى إحضار الروس إلى أمريكا بأعداد ضخمة لأنهم
|
إن من بين العاملين في المجال الفني أناسا يحرصون على دينهم ويخافون ربهم ويحاولون بعث القيم الأصيلة في أعمالهم |
سيتعلمون الرأسمالية بطريقتهم الخاصة، وهذا سيأخذ وقتا ولكن لا يوجد شيء مختصر في تبادل الأفكار على مستوى كبير) (قضايا دولية العدد 173 ص24).
ثالثا: العادات والتقاليد:
ثم بدأت تنتشر في العالم الطريقة الأمريكية في المطعم والمشرب بحيث أحاطت بالكرة الأرضية مجموعة من المطاعم الأمريكية المنتشرة في كل الأرض، تقدم الوجبات السريعة الجاهزة على الطريقة الأمريكية، وغزت طريقة ونوعية الملابس الأمريكية الشباب، وصار (الكاوبوي) راعي البقر بزيّه المعروف الذي ما يزال ينشر في الإعلانات على أنه الرجل العصري الذي لا تهزه الأعاصير، صار هذا النموذج الموضوع في كل حين أمام الشباب هو القدوة وهو الأمل الذي يحلم به كثير من الشباب في كثير من البلاد.
وليس معنى هذا أن هذا الغزو في طرائق الطعام والشراب والملبس قاصر على الناحية الشكلية الخارجية، فهذا هو المظهر البادي للعيان، والحقيقة أن هذا الفتى الآخذ بالمظاهر الغربية لم يأخذ بها إلا بعد أن تفتت جزء من هويته، وهبط جزء من ذاتيته، وسقطت من حسابه قيم كان يدين بها ويتمثل آدابها فتخلى عنها وتمسك بغيرها.
وهنا مكمن الخطر ومستوقد الشر الذي قد لا ينطفئ إلا بعد أن يجتاح العقول ويمسك بزمام
|
الحرص على الجوانب الثقافية والفكرية تعميق للمشاعر الوطنية وتثبيت له في النفوس والقلوب |
العاطفة، وحينئذ يكون الغرب قد استكمل هيمنته من غير حرب وبلا أي سلاح وبدون أي خسائر، بل يكون قد صنع لنفسه مددا جديدا، يأخذ منه -عند الحاجة- ما يريد.
رابعا: التقنية الحديثة في وسائل الاتصال:
وقد تسأل: وما الجديد في ذلك كله بعد أن شاع خبره وعمّ ذكره؟
والجديد هو في التقنية الحديثة التي تطرأ كل يوم على وسائل الاتصالات والمواصلات، وتطور بها أجهزة الإعلام أداءها على نحو غاية في السهولة والإتقان، بحيث تصل إلى من يعيش فوق الجبال، أو يركب ظهر البحار، أو يسكن سحيق الأودية، أو يطير سابحا في الفضاء، فلم تترك هذه الأجهزة ذات التقنية الحديثة ركنا إلا دخلته، تاركة لصاحبه أن يختار من بينها ما يشاء من فضائيات، تخاطبه بلغات مختلفة، وتعرض عليه من الأفلام والمسلسلات الجيد والرديء، وما يخاطب العقول، وما يدغدغ الغرائز، وما على الإنسان إلا أن يضغط بلمسة رقيقة من إصبعه على زر لتعرض عليه الفضائيات المتعددة –وهو نائم في فراشة- ما يشاء.
وكان آخر ما توصلت إليه التقنية الحديثة في مجال الاتصالات هو “الستلايت المترجم” أي الذي يقوم بدورين في آن واحد التقريب والتوضيح ثم تخرج منه الكلمات الملقاة على ألسنة الممثلين أو قارئي الأخبار، أو غيرها مترجمة إلى اللغة التي يريدها المشاهد.
ولا شك أن للغتنا العربية نصيبها الوافر من الترجمة، لأن السوق العربية واسعة كبيرة، والشركات المنتجة لا تستغني عنها، وإلا ضاع عليها جزء كبير من مبيعاتها، وقد تلحق بها بعض الخسارة إن فقدت هذا السوق.
والربح المادي لهذه الشركات يأتي على حساب القيم الأخلاقية والفضائل الكريمة للشعوب الإسلامية، ورغم انتشار (الستلايت) إلا أنه كان يحد من أثره الاحتياج إلى الترجمة المصاحبة لكل ما يبثه من أفلام ومسلسلات أجنبية، وهذا أمر ترهق به ميزانية أجهزة الإعلام نظرا للأموال التي تدفعها للقائمين على الترجمة والمشرفين عليها. وكان كثير من غير القارئين ينصرفون عمّا يبثه الستلايت، نظرا لأنه غير مترجم، وغير مفهوم، ومن لم ينصرف كانت المشاهدة بالنسبة له قاصرة على صورة يراها أو منظر يمّر عليه ضمن مسلسل أو فيلم، ثم يمضي لحال سبيله يرى ما يراه،فلم تسمع أذنه ألفاظا تخدش الحياء مع وجودها والنطق بها، لأن حاجز اللغة منع عنه هذا الأذى، وكانت أجهزة الترجمة -وما تزال- تحاول أن تغير بعض الألفاظ التي تصك الأسماع بقبيح القول، فتجعل بدلها ألفاظا مقبولة .. أما مع اختراع الستلايت المترجم فقد سقطت كل الحواجز بين المشاهد وبين ما يشاهده، تصل إليه الصورة، وتصل إليه الكلمة، قبيحة أو غير قبيحة، صريحة أو مغلفة، والذين يحسنون اللغات الأجنبية وعندهم من الوقت ما يشاهدون بعض المعروض بهذه اللغات يخبروننا أن بهذا المعروض الذي يعالج مشاكل الشباب أو الأسرة أو المشاكل الاجتماعية وبعض المشكلات الاقتصادية كثيرا من الكلمات التي تصطدم بجدار الحياء فتخرقه وتنفذ منه، لتستقر في ذهن المشاهد مرتبطة بأحداثها ومقدماتها ونتائجها، فلا تغيب عن وعيه إلا بعد وقت طويل وجهد كبير .. ويا له من بلاء!!! ويا له من ابتكار قد يجر علينا كثيرا من المصائب والمتاعب ما لم نقاومه ونصد الناس عنه. والمقاومة المادية بجميع صورها قد لا تجدي في حالات كثيرة، ولذا فلم يبق أمامنا إلا أن نقاوم هذا البلاء مقاومة معنوية.
المقاومة:
وفي مقدمة هذه المقاومة المعنوية إيجاد الوازع الديني في ضمير كل فرد بحيث يصده هذا الوازع عن السعي نحو الشر، أو عن البحث عنه، وعن متابعته والتأثر به، والانغماس في هوّته، لأن أمثال هذه الشرور التي تبث من خلال الأجهزة العصرية، لا تزيد عن سراب خادع يحسبه الظمآن ماء، وما هو بماء، ولكنه هراء يثير نفوس الشباب بما يعرضه أمامهم، ويفسد أخلاقهم، وقد يدفع بهم -وهم يجرون خلف السراب- إلى الجريمة وهم يظنونها غنيمة، وما هي إلا غرامة وندامة وحسرة وخسارة يوم القيامة، يوم يؤتى بأنعم أهل الأرض فيغمس في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت نعيما قط؟ فيقول: لا.
ومن عناصر هذه المقاومة: تعميق الجانب الثقافي والفكري والاهتمام بإحياء القيم الأصيلة في
| الوازع الديني والمحافظة على القيم، والعناية بالشباب ورعايتهم أمر لا مفر منه في الوقاية من خطر الغزو الثقافي الجديد |
نفوس الأفراد، بحيث يدركون أن هذه القيم متعلقة بأشخاصهم وذواتهم، فإن هم نفضوها عنهم خلعوها من سلوكهم فقد لا تحيا من بعدهم، ولا يبقى لها أثر في حياة قومهم، ولذا فإن الحرص على هذه الجوانب الثقافية والفكرية تعميق للمشاعر الوطنية وإحياء لها في النفوس، فإذا ما تعرضت هذه القيم للضياع ضاعت معها فكرة الأوطان، وضربت الوطنية في الصميم، لأن الوطن ليس أرضا فقط، بل إنه مجموعة من الناس تتفاعل وتتعاون حول مبادئ معينة فوق قطعة من الأرض تعارفت المجتمعات على حدودها، وكما أن الحدود الجغرافية يهب الناس للدفاع عنها حين يعتدي عليها المعتدون، فكذلك ينبغي أن يدافع الناس عن ثقافتهم وأفكارهم ومبادئهم وقيمهم حين يعتدي عليها –كذلك- المعتدون.
ونضيف إلى هذين الأمرين المهمين أمرا آخر وهو قيام المؤسسات الفنية بواجبها نحو حماية الشباب من هذا الغزو الداعر الممقوت بعرض القيم الصحيحة، التي نشأنا عليها وتربى عليها الآباء والأجداد، وهي بحمد الله قيم وفيرة من الممكن أن تعمل فيها الأجهزة الفنية سنوات ثم سنوات من غير أن تنضب أو تجف.
ولسنا نشك في أن من بين العاملين في هذه المجالات من مخرجين ومنتجين وممثلين نماذج تحرص على دينها وعلى وطنها، وتحاول أن تقدم الفن الراقي الذي لا يعرف الإسفاف، ولا يقيم أعمدته في الخمارات أو دور العاهرات، وإنما يقدمون الواقع المستمد من البيئة وحدها غير متأثر بما عند الغرب أو بما عند الشرق. فيكونون بهذا قد شاركوا في صد هذا الغزو الجديد. ومن يدري فلعل عملهم هذا يكون بديلا نافعا عمَّا يأتي من الخارج. فهل هم فاعلون؟
وقبل هؤلاء وأولئك فإن دور الأسرة في رعاية أبنائها ومعرفة ماذا يرون ويشاهدون أمر لا مفر منه، ولا يغني عنه شيء آخر، بل إن جميع المؤسسات التربوية يكون دورها مكملا لدور الأسرة، فإذا ضيعت الأسرة واجبها نحو أبنائها فقد ضاعت جهود المؤسسات التربوية، ولم تعد لها قيمة تذكر أو عمل يرجى.
إن الخطر كبير ولكن الأمل في مقاومته عظيم، فهل ننجح في إقامة جدار أمام هذا الموج الهادر؟

