بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
لقد شاع في العقد الأخير من القرن العشرين استخدام الباحثين والمحللين في عالمنا العربي والإسلامي لمصطلح العولمة Globalization وكثر حوله الجدل العلمي والخلط الشديدين في منتجاتهم الفكرية والثقافية وبعضهم أفرط في تمجيده والإطراء عليه والتبشير به إلى حد تصويره على أنه المنقذ والمهدي المنتظر، والبعض الآخر رفضه تماما وتعامل معه على أنه رجس من عمل الشيطان، وفريق ثالث رأى أن العولمة أصبحت واقعا ولا فكاك منها والأمر يقتضي إعداد برامج مقاومتها والتحصن بمصدات واقية إلى جانب الاستفادة من حسناتها إن وجدت.
وفي هذا الصدد يمكن القول بأن ظاهرة العولمة ليست نظرية طارئة أو مجرد فكرة ولدت بشكل
| العولمة ليست نظرية طارئة أو مجرد فكرة ولدت بشكل عفوي في رحم الفكر الغربي وإنما فلسفة منظمة ومنهج مدروس |
عفوى في رحم الفكر الغربي وإنما هي فلسفة منظمة ومنهج علمي يستهدف تحقيق استراتيجيات محددة على صُعد شتى في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية، إذ بعد اندحار الخطر الأحمر في مطلع التسعينات وانتهاء الحرب الباردة التي دامت قرابة نصف قرن انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بالأحادية القطبية، وراحت تكرس وجودها وحضورها المباشر عبر التدخل في شئون بعض الدول وخاصة الدول العربية والإسلامية، وما أدل على ذلك من تدبيرها لحرب الخليج الأولى وقيامها بالثانية اعدادا وتنفيذا بعد أن وجدت ضالتها المنشودة في ديكتاتورية النظام العراقي الغاشم، وحصارها لليبيا والسودان واستفزازها المستمر لسوريا وإيران، وعلى الوجه الآخر تحالفها السياسي والعسكري والاقتصادي والاستراتيجي مع الكيان الصهيوني لكي تضمن له التفوق على خصومه من العرب والمسلمين.
وقد اعتقدت الولايات المتحدة الأمريكية أنه بعد انتهاء الشيوعية لم يعد أمامها أية عقبة لفرض هيمنتها على العالم، والقيام بدور الشرطي المنظم لحركة إيقاعاته لكنها تنبهت إلى ما أطلق عليه في الكتابات الغربية بالخطر الأخضر (الصحوة الإسلامية) الذي بدأ يتململ في مرقده وهذا ما تحدث عنه ريتشارد نيكسون في كتابه “الفرصة السانحة” وهنتنجثون في مؤلفه “صراع الحضارات” ومن ثم اعتبر المعسكر الغربي بزعامة أمريكا المد الإسلامي هو العدو الأول الذي يهدد مصالحه، وهنا بدأ خطر العولمة يتعاظم وتتفاقم حدته ووصلت العولمة إلى أن أصبحت ظاهرة ملموسة بعد أن صار العالم أشبه بالقرية الصغيرة بفضل الثورة الاتصالية الهائلة التي تملكها أمريكا وتعمل من خلالها على عولمة كل مجالات الحياة المادية والأدبية وتذويبها في سراديبها.
هذه الكوكبية أو ما يسمى بالكونية ليست وليدة اليوم ولكنها نتاج لعصور سابقة وإن حملت أشكال
| الولايات المتحدة تقوم بدور الشرطي المنظم لحركة ايقاعات دول العالم وخاصة الدول العربية والإسلامية |
مختلفة وحلقات متباينة ومن هنا نستطيع أن نقول أنه إذا كانت السياسة هي الحرب بوسائل أخرى فإن العولمة هي الاستعمار بأطياف جديدة من أجل تحقيق البرجماتية الأمريكية وقد عضد هذا المعنى اللورد بالميرستون عام 1848 بقوله “لا يوجد عندنا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة وإن مصالحنا هي الباقية والدائمة ومن واجبنا الحفاظ على تلك المصالح”
إذن لا مشاحة في المصطلح كما يقولون فالمقاصد واضحة والأهداف محددة والاستراتيجيات مرسومة فهناك محاولات تهميشية واضحة للفكر العربي والإسلامي أمام التهديدات العولمية من خلال فرض اتجاهات الأسواق المفتوحة دون دراسة لواقع الاقتصاديات العربية فضلا عن فرض إصلاحات اقتصادية غير ملائمة للظرف الحالي، وإشاعة قيم الاستهلاك والنفعية والربح السريع عبر آلياتها الخطيرة الممثلة في اتفاقية الجات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات، وقد انتقد التقرير السنوي الأخير لبرنامج الأمم المتحدة بشدة مخاطر ظاهرة العولمة مؤكدا أنها تخدم مصالح الدول الغنية وأرباح الشركات المتعددة الجنسيات ولا تخدم مصالح الشعوب لا سيما في الدول النامية كما أنها لا تخدم مستقبل البشرية بشكل عام.
مشروع استحواذ وسيطرة:
وتتعاظم خطورة العولمة بإصرارها على فرض ثقافة عالمية واحدة عبر الآلة الإعلامية الضخمة التي تتمثل في استغلال مبتكرات الاتصالات والمواصلات والفيديو والكمبيوتر والانترنت وغيرها في نشر الثقافة الوافدة ومما يؤسف أن إعلامنا العربي يردد ما تبثه أبواق الغرب دون تمييز يبن غث وسمين وقد وجد بين ظهرانينا من ينكر حقنا في احتفاظ أمتنا بخصوصيتها الحضارية والثقافية والاجتماعية إلى درجة التأثر بالأجواء الغربية والدعوة إلى الفكر الليبرالي الغربي ومن بين هؤلاء رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم من تلامذتهم المعاصرين مثل فؤاد زكريا ووجيه كوثراني والسيد ياسين وسعيد العشاوي وحسين أمين وغيرهم.
وبهدف تطويع إرادة المسلمين وتشكيل عقولهم ومسخ هويتهم وعولمة القيم الأسرية دون مراعاة
| هناك محاولات تهميشية واضحة للفكر العربي الإسلامي أمام تهديدات العولمة تتجسد في تكريس قيم الاستهلاك والنفعية والثقافة الوافدة وتشجيع الانفلات الأخلاقي |
لخصوصيات المجتمعات نظمت الولايات المتحدة الأمريكية مؤتمرات السكان الدولية التي عقدت بالقاهرة وبكين وأسفرت فعالياتها عن توصيات أقل ما توصف به أنها تصطدم بالمشاعر الإنسانية فضلا عن الإسلامية إذ تحدثت عن النوع الواحد وزواج المثلين وإباحة الإجهاض وأفرطت في توسيع دائرة الحرية إلى حد الفوضى والإباحية والانفلات الأخلاقي ضاربة بالمعتقدات الدينية عرض الحائط.
هذا الفكر الهيكلي الذي يسعى الغرب بزعامة أمريكا إلى تجذيره في أوساطنا ما هو إلا محاولات تنميطية ترفض قيام المجتمع الإنساني على أساس التعدد والتنوع وهذا ما يصطدم بالسنن الإلهية القائمة على التنوع والتعدد ويؤكد أن العولمة مشروع استحواذ وسيطرة وإشاعة فكر عالمي واحد.
وسائل مقاومة:
ولما كانت ظاهرة العولمة الجديدة في مفهومها القديمة في جوهرها أصبحت أمرا واقعا وملموسا
| الفكر العولمي يرفض قيام المجتمع الإنساني على أساس التنوع والتعدد من خلال المحاولات التنميطية وهو ما يصطدم بالسنن الإلهية |
فإن مصلحتنا بل ووجودنا يقتضي إعادة صياغة المنظومة العربية والإسلامية بما يقيم لها وزنا ذا شأن في الميزان الدولي الإستراتيجي خاصة أنها تمتلك المعطيات التي تجعلها ذات قوة لا يستهان بها، ومن ثم لا بد أن يُعمل الباحثون والمنظرون أقلامهم وأفكارهم في الدعوة إلى استثمار فكرة العولمة على صعيدي الاستفادة من محاسنها المتصلة بالإنجازات العلمية خاصة أن البحث العلمي والتقني في عالمنا العربي يحتاج إلى جهود كبيرة لعل أهمها محاولة تهيئة الأجواء لإعادة الأدمغة العربية المهاجرة والتي تشكل 30% من العقول الأمريكية حسب آخر إحصاء، الأمر الثاني أن وجود العولمة في حد ذاته والحذر من مخاطرها يستوجبان استنهاض عزيمة الأمة وهمتها ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تدشين مجموعة وسائل مقاومة لعل أهمها:
- أنه في إطار فن الممكن لا بد من تفعيل التجمعات والكيانات والتكتلات والمنظمات
العربية والإسلامية أمثال “منظمة المؤتمر الإسلامية وجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية وتجمع الدول الثمانية الاقتصادي ومجلس التعاون الخليجي” إلى درجة أنه لا بأس من تغيير الدساتير والقوانين الحاكمة لبعض المنظمات بهدف تفعليها، فضلا عن الدعوة المستمرة إلى السوق العربية والإسلامية المشتركة، وتنمية الاتحادات والتجمعات المهنية العربية والإسلامية، وتعميق الاهتمامات المشتركة بينها، وتوحيد الأجهزة الإعلامية لتكوين رأي عام موحد إزاء مخاطر العولمة، وإنشاء جيش عربي وإسلامي قوي، وصبغ التعليم في جميع درجاته ومستوياته بالصبغة الإسلامية لصد الغزوة الثقافية الشرسة التي تروج لها العولمة، والتنسيق بين جامعاتنا بهدف أسلمة العلوم الإنسانية.الفكر العولمي يرفض قيام المجتمع الإنساني على أساس التنوع والتعدد من خلال المحاولات التنميطية وهو ما يصطدم .بالسنن الإلهية - تأسيس مشروع عربي وإسلامي مواز ومغاير للمشروع الأمريكي الصهيوني والصليبي بات أمر حتمي وضرورة ملحة تفرضها الخبرة التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأفكار العربية لمواجهة برامج العولمة، وهذا لن يحدث إلا من خلال حوار شوري وديمقراطي نزيه داخل الدولة الواحدة أولا لاستثمار طاقات القوى الحية وتوحيد الجهود الداخلية ثم ننتقل بهذا الحوار إلى الحوار العربي العربي أو ما يعرف بالتطبيع العربي الإسلامي حتى نستطيع إقامة مصالحة عربية فعلية تستند إلى وحدة العقيدة والشريعة أو تجسد في النهاية منظمة دولية –كما دعا د. عبدالرزاق السنهوري- لتتولى المهام التي كانت من وظائف الخلافة الإسلامية وهي المحافظة على مقومات وحدة الأمة.
- هذه الأخطار العولمية ينبغي أن تفرض على حكام العرب والمسلمين اللياذ بشعوبها والتحصن بها عبر تحسين سجلات حقوق الإنسان والالتزام العقائدي بالخصوصيات الدينية والحضارية حتى لا نغرق في طوفان الغربنة والأمركة كما أن التمسك بهويتنا الدينية والثقافية يسهم في حفظ ذاتنا وحمايتنا من هذه الأخطار.
- لا بد من التأكيد بأن العولمة بمعنى العالمية هي فكرة إٍسلامية صميمة نادت بها الأديان السماوية نظريا وعمليا وتجلت بمصداقيتها الأخاذة في دعوة الناس كافة إلى الإسلام وبالتالي فنحن أولى بعولمة قيمنا وأدبياتنا الإٍسلامية السابقة التي تستهدف تحقيق الخيرية والسعادة للإنسان في الدنيا والآخرة ومعروف أن الإسلام دين عالمي يلائم النظرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها دون حرج أو مشقة ومن الأدلة القرآنية لعالمية الإٍسلام “ادخلوا في السلم كافة” “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة” “إن أكرمكم عند الله أتقاكم“ وقال النبي “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”
هيمنة قوة واحدة أمر مستحيل:
والأمر الذي نحب أن نختم به ونطمئن الخائفين على ثقافتنا وهويتنا من هذه العولمة بل ونهدئ من روعهم أن الخبرة البشرية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه من المستحيل الهيمنة على العالم بواسطة قوة واحدة فقد فشلت من قبل الامبراطورية الرومانية في تحقيق هذا الهدف كما سقط الاستعمار الغاشم وخرج مهزوما مدحورا وانهزمت الشيوعية في عقر دارها معلنة الرحيل بل سقطت كل قوى الظلم والبغي، هذه الأيديولوجيات والتيارات الاستعمارية بشرت بقيم الهيمنة، وها هي
| عولمة المشروع العربي الإسلامي وتحسين سجلات حقوق الإنسان واستثمار الطاقات الحية والتطبيع العربي وتفعيل المنظمات العربية والإسلامية من وسائل مقاومة العولمة الأمريكية |
الرأسمالية التي ادعى منظروها أنها المثالية كما قال فرنسيس فوكوياما المؤرخ الياباني الأمريكي في كتابة نهاية التاريخ، هذه الرأسمالية الآن تحمل في طياتها بذور انهيارها، فانتشار الانحلال والتفسخ الاجتماعي والانفلات الأخلاقي مؤشر قوي على هذا الانهيار، وهناك أرقام واحصائيات مرعبة ولا تخطئ التقويم في هذا الشأن، وعلى جانب آخر يبقى الإسلام حصنا منيعا بقوته الذاتية وحفظ الله له “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون“ ولكي يسود في الأرض لا بد أن تفرز هذه الأمة من بين أبنائها من يستحقون النصر ويأخذون بأسبابه فيتحقق التغيير “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”

