الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الفكر الإسلامي يسع الناس جميعا:

الإسلام يسع الناس جميعا، فلم يأت لطبقة معينة ولا لجماعة خاصة “قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا”

والإسلام يوائم بين حق الفرد وبين حقوق الجماعة، ويعطى كل إنسان يقوم بواجبه حقه المشروع، فلا ينسحق الفرد من أجل رفاهية الجماعة، ولا تحمل الجماعة عبء بعض المرفهين الناعمين، والإسلام يمنع كل ما يؤدي إلى الاعتداء والجور على حقوق الناس في أموالهم وآرائهم، ولو تمَّ ذلك بتراضٍ منهم، فمنع بعض البيوع لأن فيها غررا، ومنع الحصول على شيء من مال الآخرين بطريق الغش والاحتيال.

والإسلام رغم أنه يأمر المسلم بأن يحب للناس ما يحب لنفسه وأن يكره لهم ما يكره لها، إلا أن هذا الحب وذاك الكره لا يكونان على حساب حقه أو على حساب ماله، أو على حساب وطنه.

وهذا الاتساع الذي يشمل المؤمنين عامة دون أن يؤثر على حقوق أي فرد أو جماعة بينهم هو الذي جعل الفكر الإسلامي فكرا عالميا يتجاوز حدود الأقطار والأوطان، وهذا مخالف للفكر القومي المحلي المحصور داخل حدود الدولة القطرية وفي إطارها.

والمرحلة التي نمر بها الآن تجعل هذا الفكر المحلي المحصور يستميل الناس فيؤيدونه ويناصرونه مما يوجب علينا مراجعة أفكارنا وأعمالنا.

جذور الفكر القومي المحلي:

بعد الحرب العالمية الأولى، انتزعت كثير من دول العالم الإسلامي من أحضان الدولة العثمانية، وخضعت خضوعا جزئيا أو كليا للاستعمار الغربي، وشعرت البلاد الإسلامية بأن الاستعمار غرَّر بها، حين جعلها تشارك في الحرب مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية، واتجه المطالبون بالاستقلال وجهتين: وجهة دينية، ينادي أصحابها بالرجوع إلى الدين واتخاذه منطلقا لتحطيم القيود الاستعمارية، ووجهة قومية إقليمية ينادي أفرادها -الذين كان لهم اتصال ثقافي وتعليمي بالغرب- بالسير على درب الطريقة الغربية في تدبير شئون الدولة وعدم التقيد بالأفكار والمعتقدات الدينية في تسيير دفة الدولة، وساعد الاستعمار هذه الفئة الأخيرة، ومكَّن لها قبل أن يحمل عصاه ويرحل، فصار العمل السياسي مبنيا -كما في الدول الغربية- على تحقيق مصلحة الدولة، حتى ولو أضر بغيرها من الدول الإسلامية، وعرفت بعض دول المنطقة طريقة وثوب العسكريين إلى الحكم، وهم الذين أخذوا على عاتقهم، ضرب الاتجاهات الدينية، فعلا صوت القومية في عدد من البلدان، مما جعل حكام البلاد الأخرى يتوجسون خيفة من دعوة القومية، ويعملون على تكريس الإقليمية، حتى يجعلوها ستارا وحاجزا يحميهم ويحمي بلادهم من خطر أصحاب الانقلابات في البلاد الأخرى، وكان انفصال سوريا عن مصر سنة 1961م دعما للإقليمية، غذاه ظهور بعض الانقلابات في بعض البلاد فيما بعد، وقد جعل الجميع من مهمتهم مهاجمة البلاد العربية الأخرى بالقول أو بالفعل، مما قوى روح العداء بين كل بلد وأخرى، وقوى نوازع الخوف في كل دولة من أن تعتدي عليها الدولة الأخرى بطريق أو بآخر، وهو ما حدث بالفعل حين غزا صدام الكويت سنة 1990، وهذا وغيره ساعد على ظهور الإقليمية بوضوح، وخاصة أن المستغربين (أصحاب التوجه الغربي) من أبناء هذه البلاد كانوا أسرى الأفكار الغربية التي تفصل الدين عن الدولة، وتجعل سياستها قائمة على تحقيق أكبر المكاسب على حساب الآخرين لا على مبدأ “وأحب لأخيك ما تحب لنفسك تكن مؤمنا”.

وقد ظهر بوضوح وجلاء هذا التيار القومي بارزا في تركيا، وصار شعار “تركيا للأتراك” دينا جديدا يدين به السياسيون الأتراك، وظهرت شعارات أخرى مماثلة في مصر وفي إيران، وبدأت دول أخرى ترفع أمثال هذه الشعارات الإقليمية.

وكانت التقنية الحديثة في وسائل الإعلام، واستحداث كل دولة لجهاز إعلامي أحد العوامل التي ساعدت على تكريس الفكر الإقليمي وتنميته، ذلك لأن كل دولة تتغنى بأمجادها وتتفاخر بإنجازاتها، وتتبرأ مما عند غيرها، لأنه -في نظرها- يدخل في الشئون الداخلية للدولة.

انتشار الفكر الإقليمي:

فلهذا وغيره أخذ الفكر الإقليمي المحلي ينتشر ويؤثر على الشبيبة، بل ويؤثر على الشيب كذلك في كل مجتمع وقطر بدرجات متفاوتة.

ونحن معنيون بلفت الأنظار إلى انتشار الفكر القومي المحلي، واستمالة الناس إليه واستجابة بعضهم لطروحاته، مما يستدعي دراسة هذه الظاهرة التي تمر بها الأمة في الوقت الراهن، وبيان آثارها ونتائجها القريبة والبعيدة، والعمل على إحياء ونشر الفكرة الإسلامية الصحيحة بين الناس وهي فكرة تتلاشى ضيق القومية المحلية، وتبتعد عن المصلحة الذاتية الآنية، في سبيل تحقيق مصلحة أكبر وأشمل للمؤمنين جميعا، الذين يطبقون نظرية الإسلام الصحيحة، التي تقوم أساسا على الحق والعدل والنصرة والتعاون على الخير في البأساء والضراء.

وبانتشار الفكر الإسلامي الصحيح سينحسر مد الفكر الإقليمي كما انحسر مد الفكر القومي، لأن المسلمين لا يرضون بتعاليم دينهم بديلا. وكفى أن الإسلام يوجب النصرة والتعاون بين المؤمنين.