بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
انتصار الشيخ العود:
ليست الديمقراطية فراشا وثيرا يستريح فيه المسئولون، ولا هي طريقا مفروشا بالرياحين والورود يسيرون فيه، ويشمون عبقه وأريجه، ولكنها ممارسة شاقة على من لم يروّض نفسه على تحمل أعبائها، والثبات أمام صعوباتها، والصبر على ضراوتها وقسوة كلماتها وردودها، حين ترد لهذا المسئول أو ذاك قرارا من القرارات، أو تحاسبه حسابا عسيرا أمام الملأ على بعض التصرفات، كما حدث مع كلينتون ومونيكا.
إن للنظام الديمقراطي ضريبته التي يدفعها المسئولون، ولكنها ضريبة محبوبة لديهم
| انتصار الديمقراطية في الكويت هو انتصار للشيخ العود. |
لأنها تدل على وعي وبصيرة وقدرة على ضبط النفس وقدرة ومهارة على تسيير الأمور لصالح الناس، واستيعاب آرائهم ومعرفة طموحاتهم، والوقوف على انتقاداتهم ومحاولة إصلاح العوج إن وجد، أو رد الاتهام بالحسنى والبرهان.
والديمقراطية الكويتية تقف في العالم العربي شامخة الرأس، عالية الذرا، يفتخر بها أبناء الكويت جميعا حاكمين ومحكومين، لأنها تعطي الحرية الحقة لكل صاحب صوت انتخابي أن يختار من يشاء دون ضغط من هنا أو من هناك ودون تزوير من أحد، ودون تغيير في صناديق الانتخاب، ودون إلقاء بعض الصناديق في الأنهار أو في البحار أو في جوف النيران، ودون أن يلحق أي معارض أذى، فإن رفع صوته بالاعتراض خرج إلى بيته سالما لا يلحقه تهديد أو وعيد، ولا يضمه بين جنبيه سجن أو معتقل.
وصمام هذه الديمقراطية هم المسئولون في الكويت وفي مقدمتهم سمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد حفظه الله، (الشيخ العود) الذي أثبت من المهارة السياسية والحنكة الديمقراطية الكثير، فتحلى بالصبر وقت الضيق، والتزم بالدستور رغم الخلافات والمناوشات، وعامل الجميع معاملة الأب لأبنائه، الذين قد يكون من بينهم المقصر في واجبه والمتعدي على حقوق أخيه.
وكانت هذه المعاملة بلسما نزل على ساحة الكويت فأبرز خمسين عضوا، وحسم الخلاف الذي كان، وأثبت أن الكويت لها الحق أن تفخر بنظامها وبقادتها وزعمائها، وديمقراطيتها التي تظل وحيدة فريدة في عالمنا العربي. وبذلك انتصر أمير الكويت في هذه الجولة كما انتصر من قبل في غيرها من الجولات، وانتصرت الكويت أمام العالم كله، وأثبتت أنها دولة ديمقراطية من الطراز الأول.
ملامح الفترة القادمة:
منذ الحل الدستوري لمجلس الأمة في مايو سنة 1999م وحتى يوم الانتخابات لاختيار أعضاء جدد لمجلس الأمة في 3/7/1999م والساحة الكويتية مليئة بالصخب والضجيج، والمهاترات أحيانا، نظرا لما اكتنف هذه الساحة من قبل المرشحين ومفاتيحهم الانتخابية، مما هو معروف لدى الجميع، حيث كثرت الدعاية، وحفلت بالمبالغة والمزايدة، وبعضها تجاوز ذلك إلى السباب والافتراء والاجتراء على الآخرين.
وإذا كانت فترة الإعداد لخوض الانتخابات تتوالى فيها الانفعالات، وتجنح فيها
| غلبت الانفعالات في فترة الإعداد للانتخابات، وينبغي الآن أن يتغلب العقل وأن يتجه الجميع إلى العمل. |
العواطف بعيدا عن الطريق القويم، فإن الفترة التي تليها ينبغي أن يتغلب فيها العقل، وأن يتجه الجميع إلى العمل، لقد تمخضت الانتخابات عن تواجد الأعضاء المختارين في المجلس، واستقرار نفوسهم بعد أن هدأت العاصفة من حولهم، وخرجوا منها سالمين يقولون: نحن رجال الخدمة العامة، لا نزايد على مصلحة الوطن، ولا نفرط في حقه، ولا نتوانى في خدمته .. لقد أصبح من حق جميع أبناء الكويت علينا ألا نعمل إلا لمصلحتهم، وألا نجور على حقهم، وألا نصطنع اختلافا مع المسئولين في غير طائل، وألا نبحث عن مصالح خاصة أو نسعى وراء كسب شخصي، أو نفع مادي؛ لأننا إذا تكاتفت أيدي المسئولين التنفيذيين مع أعضاء المجلس استطعنا أن نحقق الخير لأبناء الكويت، فهذا التكاتف يجعل الجميع يعملون معا وفق منظور واضح لتحقيق كثير من المهام التي لا غنى عنها في المرحلة القادمة.
ومن هذه المهام:
تحقيق الالتزام بتطبيق الشريعة الإسلامية:
جاء في المادة الثانية من الدستور ما نصه: “دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”
أما أن دين الدولة هو الإسلام فهذا شيء ينبغي الالتزام به بحيث لا نخرج عن الإطار الإسلامي في أي تصرف من تصرفات الدولة، ولا نفعل ما يخالف هذا الدين في كبير الأمر أو صغيره، سواء أكان ذلك في مناقشاتنا، أو في تقنين بعض التصرفات والسلوكيات المتصلة بسياسة الدولة واقتصادياتها، والمؤثرات الاجتماعية بها، والمشاكل العديدة التي تواجهنا تحتاج إلى عقول مفكرة وقوانين حازمة، ولن ننجح في التغلب عليها إلا إذا أخذنا المنهج الإسلامي وطبقناه بقوة على المخالفين، ومن هذه المشاكل العاتية مشكلة المخدرات، التي تقام من أجلها الندوات، وتنفق الأموال، ثم لا نرى إلا أن أعداد المدمنين تتكاثر، وأن الذين يتصدون لهذا الداء الوبيل من المصلحين الاجتماعيين، أو من رجال الشرطة إنما يبذلون جهودا مضنية من غير أن يجنوا ثمرة تساوي هذه الجهود أو توازيها، مما يدل على أن للمخدرات أوكارا آمنة، وأن وراءها أناسا عندهم الجرأة في جلبها وتوزيعها، وهم لا يردعهم الخوف من الله، ولا تردعهم القوانين المعمول بها الآن، فلنأخذ بالقوانين الإسلامية التي تطبق على كل مخالف للدين، ساع بالفساد في الأرض بين المسلمين، لنكون قد التزمنا بالدستور المستمد من الشرع الإسلامي، ومشكلة المخدرات واحدة من مشاكل عديدة قد يكون بعضها أضخم وأشد أثرا من مشكلة المخدرات، ولكننا نتعامل
| غلبت الانفعالات في فترة الإعداد للانتخابات، وينبغي الآن أن يتغلب العقل وأن يتجه الجميع إلى العمل. |
معها تعاملا غير متفق مع روح الدين الإسلامي في حزمه أو في يسره وسهولته، وهذا يجعلنا نطالب أعضاء المجلس الجديد بالعمل على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الأصلي والأساسي للتشريع، لا أن تكون مصدرا رئيسيا للتشريع فقط، بحيث تأتي جهود الأعضاء في هذا السبيل متفقة مع ما بذلته لجنة استكمال تطبيق الشريعة في السنوات الماضية، فترى النور كثير من المشاريع التي أعدتها اللجنة لهذا الغرض، ونتخطى العوائق التي توضع في طريق أسلمة القوانين بردها كلها إلى المصدر الأصلي والأساسي للتشريع وهو الشريعة الإسلامية، وهذه هي المهمة الأولى في عمل المجلس الذي يخطو بنا الخطوة الأولى نحو القرن القادم.
تحقيق الأمن والاستقرار:
وأما المهمة الثانية فهي العمل على تحقيق أمن الوطن واستمرار هذا الأمن، ويبدو في الأفق أن السنوات الأربع القادمة ستشهد متغيرات ليست هينة في المنطقة، فالتقارب الذي يحدث الآن بين شاطئي الخليج له آثاره على دول المنطقة، والمحاولة البريطانية في مجلس الأمن لتعليق العقوبات عن العراق –وإن لم تنجح- هي مقدمة لتقارب وتواصل بين نظام بغداد ونظم غربية أو شرقية، قد تثمر ثمرتها وتظهر نتيجتها في السنوات الأربع القادمة، بعد أن تهب رياح التغيير على مصالح الدول فتغير سياستها وتبدل مواقفها .. ونحن نعلم أن السياسة الدولية للدول الكبرى لا تتغير بين يوم وليلة، وإنما تتغير بعد أن تمر بمرحلة من الفتور والتحول تبعا للمصلحة المستجدة، التي تستدعي تخفيف العبء هنا، وتشديد القبضة هناك، وقد تستدعي الأعراض عن أمر هنا والإقبال على أمر هناك، وإذا كان الأمر اليوم هو تحجيم مبيعات البترول العراقية ووضعها في إطار معين فماذا يكون عليه الحال لو حدث ذلك لمبيعات البترول الخليجية، بحيث تجمد سنوات ثم تعود للانطلاق مرة أخرى بعد أن تجمد منطقة بترولية ثانية؟
إن المصالح المتغيرة للدول الكبرى ليست ثابتة –دائما- وليست كذلك ذات اتجاه
| إن تحقيق أمن الوطن واستمراره إحدى المهام الملقاة على عاتق المجلس، وهي مهمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة إن تضافرت الجهود وتشابكت الأيدي. |
واحد، ولكنها قد تأخذ اليوم عكس الاتجاه الذي أخذته بالأمس، والدول الواعية هي التي تعرف كيف تتفادى الصدام مع غيرها من غير أن تفرط في مصالحها، أو تتنازل عن بعض مقدراتها، وهي مهمة ليست سهلة ولا هينة، ولكنها ليست كذلك مستحيلة، إذا ما تضافرت الجهود، وتماسكت الأيدي، وحرص الجميع في المجلس والحكومة على العمل الجاد، بعيدا عن محاولات جذب الكاميرات وإطلاق التصريحات.
الإصلاحات الداخلية:
ليست السياسة الداخلية بذلك السوء الذي يصورها به البعض، حين يعددون السلبيات، ولا يذكرون شيئا من الإيجابيات، التي في مقدمتها العمل الديمقراطي الذي أثمر هذا المجلس، ومن قبله مجالس أخرى عديدة، والذين يرون نصف الكوب الفارغة فقط عليهم أن يصوبوا نظرتهم ليروا كذلك أن نصفها ملىء. وحينئذ تتسم نظرتهم بالإنصاف، ويكون لكلامهم عند الآخرين وقع مقبول .. ولعل ما يصور به البعض السياسة الداخلية من سوء مرجعه إلى أن المواطن الكويتي في سنوات ما قبل الغزو اعتاد أن تتحمل عنه الدولة كثيرا من الأعباء، وأن تحقق له في نفس الوقت كثيرا مما يشاء. فلما كان الغزو لم يعد في مقدور الدولة أن تقدم من الخدمات وتخفف من الأعباء مثلما كانت تقدمه من قبل، فزادت الأعباء –نسبيا- على المواطنين، وقلت الخدمات –نسبيا- كذلك مما جعل الشعور بهذا متضخما عند بعض المواطنين، فوصفوا السياسة الداخلية بما وصفوها به.
ولسنا نبرئ ساحة السياسة الداخلية من القصور، ولكننا نقول: إنها كلها ليست سيئة ففيها إيجابيات وفيها سلبيات .. ولا يجهل كثير من الناس سلبيات السياسة الداخلية ابتداء من سياسة الإسكان وانتهاء بسياسة التوظيف مرورا بمشاكل التعليم والصحة وغيرها. ولو حاول المجلس متعاونا مع الحكومة التركيز على بعض المشاكل ليحلها، ثم يتجه من بعدها إلى غيرها، لأمكن لنا أن نقضي على بعض المشكلات أو أن نخفف من حدتها. فلا يشعر المواطن بثقلها عليه.
وما لنا لا نفعل ذلك وقد أعطانا الله بسطة في المال وكثيرا من الوسائل التي تحل بها المشكلات؟ فلماذا لا نتغلب على الصعوبات التي تواجهنا ونحل كثيرا من مشاكلنا؟
ولا أقول إننا سنعود إلى مجتمع الوفرة والرخاء، الذي كنا نتمتع به في الداخل منذ منتصف السبعينات إلى ما قبل الغزو العراقي، ولكني أقول: إننا بالقضاء على السلبيات أو على كثير منها نكون قد حافظنا –أطول مدة ممكنة- على الصورة الحالية لأبناء الشعب، بحيث لا يشعرون بعجز مادي كبير في السنوات القادمة، نتيجة أمور خارجة عن يد الحكومة والمجلس معا، وهي ظروف فرضها الغزو العراقي وما أعقبه من معاهدات وأسلحة واستعداد.
إن المهارة الحقيقية في تبني المشروعات الكبرى المتفقة مع روح الشريعة
| بعض مجاميع الحركة الإسلامية كذبوا في حديثهم، ونقضوا عهودهم، ونكثوا أيمانهم بحجة أن اليمين لها كفارة!!! |
الإسلامية، والتي تخدم أكبر عدد من الناس وتعمل على تخفيف الأعباء عن المواطنين بالعناية بالخدمات الصحية والتعليمية، وفتح مجالات لتشغيل الشباب، والاهتمام بسياسة الإسكان، بحيث يلمس رجل الشارع آثار هذه الخدمات في نفسه وأهله وبيته، فيطمئن على حاضره ومستقبله، ويكون جنديا في جيش الدولة الكويتية يلبي نداءها حين تنادي، ويعمل على إعلاء شأنها دون إعلان.
إننا إن استطعنا في المجلس والحكومة الوصول إلى هذه النتيجة، نكون بحق قد وفينا بالتزاماتنا ورمينا المهاترات والمبالغات خلف ظهورنا. فهل نفعل ذلك؟ وهل نتخلص من بعض السلبيات؟ لأن السلوك والتصرفات لا تقتصر على زمن الانتخابات وأحداثها فقط، ولكنها تمتد مع صاحبها في كثير من المواقف والمواقع، وما لم يحاول الإنسان التخلص منها، والابتعاد عنها، أضرت به وبمن حوله. ومن هذه السلبيات:
تأخير المفهوم الديني:
لقد كان من أدبيات الحركة الإسلامية التي تعتز بها: “إنما الإسلام يحيا لا القبيلة” ومعنى هذا الشعار تقديم كل ما يتصل بالدين في شئون الحياة على غيره من الأمور، بحيث لا تزاحمه فضلا عن أن تتقدمه، فللدين المنزلة العليا عند المسلمين، لا يعلون فوقه شيئا، ولا يقبلون أن يفعلوا أمرا إلا إن كان غير مخالف لأوامر الدين الحنيف “قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين” (التوبة: 24)، وهذا ما ينبغي أن يسود في كل مجتمع مسلم وفي كل عصر، فإن انحرف المسار عن هذا الخط المستقيم، فالمراجعة واجبة، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وفي الفترة الماضية بدأ يظهر بوضوح تطبيق الشعار العلماني: “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ولم تقف حدود التطبيق عند العلمانيين –وحدهم- بل تجاوزتهم إلى مجاميع الحركة الإسلامية ذاتها، حيث قدمت بعض مجاميع الحركة الطائفة على الإسلام، بمعنى أن الطائفة لها الحق الأول قبل الدين، وقدمت كذلك القبيلة على الإسلام، وقدمت العلاقة الأسرية على الإسلام، وقدمت الانتماء الحزبي على الإسلام، وهي كلها مخالفات شرعية، ومغالطات دينية تخالف عن أمر الله الذي يقول: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وتخالف كذلك عن منهج رسول الله e القائل: “إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بالآباء. كلكم لآدم وآدم من تراب” وما حدث في الانتخابات الماضية كشف عن أن كل رابطة وضعها الناس في المقام الأول كانت مخالفة لرابطة الدين التي جاءت في المقام الأخير. فهل هناك خلل تربوي في مجاميع الحركة الإسلامية أكثر من هذا؟ قضية تحتاج إلى دراسة تكشف أسباب هذا الانحراف وأثره في إحداث شروخ وشقوق في البناء الحركي الإسلامي.
أخلاق مرذولة مرفوضة:
يمارس بعض المسلمين الذين يصلون ويصومون ويحجون ويزكون، بعض الأخلاقيات المرذولة المرفوضة، فتراهم يتحدثون فيكذبون، ويتعاملون فيغشون، ويعاهدون فينقضون، ويلاقون الناس بالترحاب والبشاشة ثم ينمّون عليهم ويغتابونهم. وهذا الأخلاق المرذولة المرفوضة تعيب أصحابها وتدينهم إن كانوا من عامة المسلمين، فما بالك إذا وجدت في بعض مجاميع الحركة الإسلامية، وشكلت تصرفاتهم، ووجدت تبريرا منهم؟ نعم تجد تبريرا منهم، يلتف حول الدين ليلاقي الهوى، فلا عبرة –عندهم- لأمر شرعي إن خالف هوى النفس، فتجد بعضهم يبيح لنفسه ويحض غيره على أن يكذب، وأن يقسم على عهده مع الآخرين، ثم ينقض عامدا متعمدا بحجة أن هناك سعة في تكفير اليمين، وليتهم حين وقعوا في هذا المنكر سكتوا ولم يبرروا، ولكنهم ألبسوا هذا الزيف والخداع والتضليل لبوسا شرعيا، فزعموا أن لهذا القسم المبني على الفسق والزيف كفارة، فكانوا في سلوكهم كأصحاب القرية الذين كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فاحتالوا لذلك بأن حالوا دون رجوع الحيتان إلى أعماق البحر يوم السبت على أن يصيدوها يوم الأحد. ظانين بذلك أنهم بعيدون عن الإثم والذنب، واستمروا على ذلك متناسيين عقاب الله حتى أخذ الله الظالمين بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون.
لقد نسي المعاصرون السائرون على درب أصحاب القرية أن الله لهم بالمرصاد، وأن الحيلة والخداع والكذب إن انطلت على بعض الناس بعض الوقت، فإنها لا تنطلي على الله العليم بذات الصدور، وإن الحساب أمامه -سبحانه- آت لا محالة وسيجد الناس –عند الله- ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا.
لقد نسي هؤلاء –في غمرة الحماس للعمل البرلماني- أن هذا العمل جزء محدود من العمل السياسي وأن العمل السياسي كله جزء من العمل
| قدم بعض أصحاب المشروع الإسلامي الطائفة أو القبيلة، أو التكتل الحزبي، أو العلاقة الأسرية على الدين!!! |
الإسلامي، وينبغي أن يكون العمل البرلماني وسيلة لخدمة العمل الإسلامي، فإن انقلبت الآية، واختلطت المفاهيم بحيث يصبح كرسي البرلمان هو الهدف الأول والأخير، حتى ولو جاء على حساب العمل الإسلامي، فإن مناهج التربية الحركية والدعوية لا تكون قد أثمرت ثمرتها ما دام حملتها أو بعضهم يتخذ الدين وسيلة للدنيا وطريقا إليها.
“وإنا لله وإنا إليه راجعون”
ليس علينا في الأميين سبيل:
هذا ما قاله اليهود حين حرّم الله عليهم الربا، فجعلوه محرما بين اليهود ومباحا لهم حين يتعاملون مع غيرهم من الأميين، وقالوا قولتهم التي سجلها القرآن الكريم، ليكشف لهم ولغيرهم أن التعصب للطائفة أو الجماعة أو المذهب خطره عظيم حتى إنه يجعل الناس يفترون الزور “ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون” وبعض القياديين في مجاميع الحركة الإسلامية يجعل من هم تحت راية جماعته يستبيحون ما لا يباح لغيرهم، لأن غيرهم –في نظرهم- كالأميين عند اليهود، فيجوز عليهم الكذب والافتراء وإطلاق الشائعات حولهم، واختلاق الإفك المحيط بهم، وإن لم يكن عليه دليل سوى زعموا وقالوا. أما إن كان المنسوب إليه جريمة من الجرائم الثابتة بالأدلة القاطعة من جماعته، فإن كل ما ينسب إليه مرفوض، حتى ولو جاءوا عليه بأربعة شهود، وتحكي ألسنتهم عندئذ: اتق الله يا شيخ. لعله كذا. لعله كذا. فهل هذا من الدين في شي؟ ومع هذا كله فليست نظرتي تشاؤمية سوداوية، ولكني أحاول أن أرفع رايات حمراء لعل الآخرين لا يتجاوزونها، وذلك لأني رأيت أن التكالب على الدنيا جعل الموازين تختل وتعتلّ، وذكرت تحذير الرسول e للمسلمين في قوله: ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح الدنيا عليكم بزهرتها فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم” ولعل فيما قلناه كفاية لاستعادة الفهم الصحيح والوعي المستنير.
ملاحظات انتخابية أخيرة:
- كان التنسيق بين القوى الإسلامية بعضها البعض شبه معدوم، مما أسفر عن غياب أناس كنا نأمل في وجودهم في المجلس خيرا، والخاسر في ذلك هو القرار الإسلامي الذي غاب عنه بعض مؤيديه مما يستدعي جهودا كبيرة من الأعضاء الإسلاميين لتعويض غياب بعض إخوانهم نتيجة انعدام الوفاق الصحيح والتنسيق الدقيق، ونتيجة وجود عقلية استعلائية تنظر لمصلحتها ولا تنظر لمصلحة دينها، ولا تمتد نظرتها لأكثر من موقع أقدامها، ولو أنهم نظروا نظرة استراتيجية لعلموا أن ما عملوه بعيد عن الصواب والسداد، ونخشى إن استمر ذلك النهج أن يأتي اليوم الذي يقول فيه البعض: أكلت يوم أكل الثور الأبيض. فهل من مدكر؟
- ورغم انعدام التنسيق فإن للقرار الإسلامي في المجلس القادم ثقله ومكانته، فما زالت القوى الإسلامية هي الأقوى، خاصة إذا علمنا أن المستقلين ميولهم إسلامية، لأنهم يمثلون جماهير مسلمة تتشوق لكل قرار إيجابي يوافق الشريعة ولا يخالفها. وإن كثيرا من أعضاء المجلس أو ما يزيد على 80% منه هم مع القضايا الإسلامية الرئيسة. وهذا –بفضل الله- يجعل الشعب الكويتي –والإسلاميون جزء منه- يتوقعون موافقة كثير من القرارات لمبادئ الإسلام السامية.
- قد تحدث في المجلس محاولة تكسير الرؤوس بين القوى السياسية، لأن أعضاءه يمثلون كتلا سياسية مختلفة، وقد تحاول كل كتلة التغلب على غيرها لتنفرد هي بما تريد، وإن حدث ذلك فإن ضعف الأداء سيكون هو النتيجة الحتمية، وستتغلب الحزازات، وتسود المناوشات، وخير للجميع أن يتكاتفوا لأن أي كتلة منفردة لا يمكن أن تؤدي المطلوب من المجلس ككل. واليد الواحدة لا تصفق.
- كان الشباب أحد العناصر الهامة في إنجاح بعض المرشحين، مما يجعل الحركة تولي أهمية وأولوية نحو الشباب، والعمل على إشراكهم في أي عمل دعوي أو حركي أو سياسي نظرا لما يتميزون به من همة ونشاط وقدرة على الحركة، وإن كان بعضهم تنقصه الخبرة، فإن ميزات الشباب الأخرى تعوض نقص الخبرة، التي يمكن للكبار أن يمدوهم بها. ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستشير الصغار كما يستشير الكبار، وكان من بين جلسائه ابن عباس وهو فتى صغير السن، والانتفاع بكل الطاقات الموجودة كفيل بتحقيق النجاح.
- وأخيرا استطاعت بعض الكتل السياسية أن توحد جهودها وتوفر طاقتها، فعمدت إلى اختيار مرشح واحد من بينها في إحدى المناطق، بحيث لا ينافسه أحد من نفس التكتل أو الاتجاه في نفس المنطقة، فتلاشت بذلك الانقسامات بين مؤيديها، واستطاعت أن تدفع بأكثر من مرشح إلى البرلمان. أما بقية الكتل السياسية فقد انقسم مؤيدوها بين عدد من المرشحين المنتمين إليها مما فتت الأصوات، وتسبب في تخلف عدد من المرشحين من الحصول على كرسي البرلمان.

