بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
تلقيت دعوة كريمة من الأخت / خولة عبداللطيف العتيقي رئيسة اللجنة المنظمة لمؤتمر (قنوان دانية) الذي تنظمه إدارة البرامج والمشاريع باللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية للكتابة حول: المساهمة الحضارية للمرأة: معايير وأصول لتكون ضمن البحوث المقدمة في هذا المؤتمر الذي يهتم بالمرأة ويبرز دورها في العطاء الإنساني، المتصل ما اتصلت الحياة. وحمدت الله أن مؤسساتنا الإسلامية تعمل بجد على مواكبة -بل مسابقة- الركب العصري ببيان كل ما نافع مفيد للإنسان -رجلا كان أم امرأة- ونشره وإعلانه بين الناس، ليعلم من لم يكن يعلم أن حضارة الإسلام ينصب اهتمامها على الإنسان الذي سخر الله له ما في السموات وما في الأرض.
واللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية إحدى مؤسساتنا الكويتية التي تعمل -بهمة ونشاط- على خدمة الإسلام والمسلمين، وتحاول -ما استطاعت- أن ترد عن المسلمين سهام الفكر الباغية التي تحاول أن تطمس محاسن الشريعة الإسلامية، أو أن تمحو أثرها. ولكن الله يقيض لدينه من يدافع عنه ويعمل على إظهار وبيان ما جاءت به شريعة الإسلام من الحق والعدل “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره” فللعاملين في اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وللقائمين على شأنها كذلك كل الشكر والتقدير على جهودهم المتواصلة التي أسأل الله أن يتقبلها منهم وأن يجزيهم عنها خير الجزاء.
واستجابة لهذه الدعوة الكريمة. كان بحث: (المساهمة الحضارية للمرأة معايير وأصول). الذي تعتبر هذه الصفحة جزءا منه أردنا أن ننشرها في موعد انعقاد المؤتمر مشاركة منا في بيان العطاء الإنساني للمرأة المسلمة وتقديرا لدورها في هذا المجال الذي نرجو أن يستمر.
الحضارات الآن:
لقد ظهرت حضارات عديدة عبر القرون، سجل التاريخ بعضها، وسجل القرآن بعضا آخر غفل عنه التاريخ كحضارة عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولم يبق من هذه الحضارات غير حضارتين اثنتين: الحضارة المادية في الشرق والغرب التي جعلت همها الدنيا -وحدها- فقطعتها عن الآخرة، وملأتها بزينة الحياة من ابتكارات واختراعات ومظاهر العمران والترفه والاستمتاع، وكأنهم يقولون بلسان الحال: “ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر”. والحضارة الإسلامية التي تجمع بين الدنيا والآخرة، وتعمل بقول الله تعالى: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين”.
وبديهي أن أي حضارة تقوم على جهود الإنسان، رجلا كان أو امرأة، فكلاهما له إسهام كبير في صنع الحضارة، وعمل النوعين (الذكر والأنثى) عمل متكامل غير متناقض ولا متضارب، بجهدهما تصنع الحضارة، وعلى أكتافهما معا تقوم الحياة وتنهض، وحين نذكر بعض الإسهامات الحضارية للمرأة في ثنايا هذا البحث فإننا فقط نميز جزءا من دورها في البناء الحضاري الذي تستمتع بثماره البشرية، وطالما بقيت الحياة فسوف يظل العطاء الإنساني يتواصل ليمدها بعناصر البقاء والنماء والراحة والرفاهية، وتخفيف الأعباء الإنسانية. وعند نقطة تخفيف المتاعب الإنسانية بالتخلص من التكالب على الحياة الدنيا، وعدم الغفلة عن الآخرة، تفترق الحضارتان القائمتان في الأرض الآن، مما يستدعي بيان المعايير والأصول التي تستند لها كل حضارة بحيث نبني على ذلك وضع المرأة في هذه الحضارة أو تلك، ومساهماتها التي تثري بها الحضارة بالمفهوم الإسلامي أو بالمفهوم المادي الحديث.
أولا: الحضارة:
يقال في اللغة: حضر: كنصر وعلم، حضورا وحضارة، والحضارة: الإقامة في الحضر قال القطامي:
ومن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا
والحضارة قالها أبو زيد بالكسر والأصمعي بالفتح، ومعنى أنه أقام في الحضر: أنه استقر. والتعريف الاصطلاحي الذي نختاره للحضارة هو أن (الحضارة روح سام من الفضائل والخصال الأخلاقية الطيبة تجري في نفوس أبناء الأمة وتزين سلوكهم وسائر نشاطهم، كما تتجسد في النظم السياسية والاجتماعية الثقافية والاقتصادية حتى تشمل كافة جوانب الحياة) (سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها ص62).
فالإنسان في هذا التعريف هو غاية الحضارة، تعمل على رقيه وإعلاء شأنه بالمحافظة على الأسس التي تحقق له الحياة الكريمة في كل جوانبها، وتجعل كل شيء في صالحه. ويؤكد هذا المعنى د. شوقي أبو خليل في مقدمته لمجلد فهارس كتاب قصة الحضارة الذي بلغ اثنين وأربعين مجلدا بقوله: “الإنسان” في الحضارة المتوازنة أعز وأكرم من تملك.
وخلية المجتمع –ألا وهي “الأسرة” تضمن الحضارة الحقة لها توازنها وحصانتها الأخلاقية، والروحية لأنها الحصن الذي يضمن للإنسان راحته النفسية وسعادته الروحية، وطمأنينته الحياتية. والرفاه للجميع في الحضارة الحقة والأخوة فيها طبيعة لا رغبة. والعدالة فريضة لا توصية. والطمأنينة منحة لا صفقة. والإنسانية سجية لا استثناء.
ثم يبين سقوط الحضارة الغربية بقوله: ولقد ترقت أدوات الإنسان وآلاته ووسائل معيشته في حضارة القرن العشرين، ولكن هل سمت هذه الحضارة بإنسانيته في عصر التقدم العلمي؟ لقد كان هذا التقدم على حساب الجانب الأخلاقي والروحي حتى قال الفيلسوف الإنجليزي (جود) فزعا: “إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالإلهة، ولكننا نستعملها بعقول الأطفال والوحوش” (العرب والحضارة الحديثة: 130).
فشتان شتان بين حضارة “الإنسان” وحضارة “الطين” وويح الشعوب من ذاك الوحش الذي لا يعرف قيما إلا قيم الكسب والمادة.
والفراغ الروحي -في حضارة الطين- والذي لازمه إغراق في المادية جرثومة تنخر في كيانها، رافقه خوف من أسلحة اليوم المكدسة، والرعب من أسلحة الغد المتطورة والأكثر فتكا، مع القلق النفسي واللجوء إلى المخدرات وفقدان الأمن سمة من سمات حضارة الطين، لأنها حضارة تقدمت فيها التقنية، ولم تتقدم نظرتها إلى الإنسانية، إنها حضارة تطاولت مخالبها، وضمرت أخلاقها، وكأنها تكرار لحضارة روما، يوم جعلت الرومان سادة، وما حولهم عبيدا.
وحضارة الإسلام لا تغفل الجانب المادي من الحياة، بل تهتم به وتوليه من العناية ما يستحقه إلى جانب اهتمامها بل بنائها على الجانب الروحي، فهي لا تغفل جانب الروح ولا تهمل جانب المادة بل توازن بينهما في انسجام جميل. بحيث تعطي كل جانب ما يستحقه.
عناصر الحضارة بين المسلمين وغيرهم:
يقول وول ديورانت -صاحب موسوعة قصة الحضارة “الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي”، وقد جعل عناصرها أربعة هي:
– الموارد الاقتصادية
– النظم السياسية
– التقاليد الأخلاقية
– متابعة العلوم والفنون
ومعنى ذلك أن الحضارة لا تتناول من جوانب الإنسان شيئا اللهم إلا أن توفر له الرفاهة المطلوبة، واللذة الحاضرة، وقد تظهر في بعض نتاجه الثقافي الذي يتمثل في العلوم والفنون ولا يغرنا العنصر الثالث في هذه الحضارة المادية الغربية الذي سجله تحت اسم: التقاليد الأخلاقية، لأن المقصود بالأخلاق اللذة أو المنفعة أو المصلحة كما يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه الدين والمدينة، ليست التقاليد الأخلاقية هي المعاني التي ترد إلى أذهان المسلمين مرادفة للفضائل والمكارم وبناء على هذا تصبح الموارد الاقتصادية والنظم السياسية في خدمة الإشباع النهم لحاجات الإنسان، وإرواء شهواته المتعطشة، مع إضفاء لمسة جمالية في الفنون والعمران والعمارة والمدن وغير ذلك من مظاهر العمران التي تجمل بها الحياة، وتحمل طابعا بعيدا عن البداوة والخشونة.
الحضارة المادية لا تهتم بتربية الإنسان على الفضائل ما لم تحقق له هذه الفضائل منفعة أو مصلحة، ولا تتجاوز حدود الحياة الدنيا ولا تؤمن بالغيب، ولا تعتد بغير ما تراه، وليس لها من الطابع الإنساني شيء وإن ادعت ذلك وتمسحت به، وقد عرف ذلك واعترف به العالم الفرنسي “أليكس كارليل” سنة 1944 فقال عن الحضارة الغربية: إن هذه الحضارة سوف تنهار لأنها أشقت أصحابها، فالإنسان يجب أن يكون مقياسا لكل شيء ولكن الواقع هو عكس ذلك، فهو غريب في العالم الذي ابتدعه، إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه. إن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية، إننا قوم تعساء ننحط أخلاقيا وعقليا (نقلا عن كتاب التراجع الحضاري ص67).
وقد وضع (جون فوستر دالاس) وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية حقبة طويلة من الزمن، وضع يده على الجرح وشخص الداء، داء الحضارة الغربية حين قال: إن الأمر لا يتعلق بالماديات فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية. إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي فبدونه يكون كل ما لدينا قليلا، وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم، أو الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، أو القنابل مهما بلغت قوتها. فمتى شعر الناس بالحاجة إلى الاعتماد على الأشياء المادية، فإن النتائج السيئة تصبح أمرا حتميا .. يجب ألا نخشى وضع الإيمان في مرتبة الصدارة بالنسبة للحرية الإنسانية، وأن نتمسك بالرأي الديني القائل: إن الله خلق الإنسان لكي يكون أكثر من منتج مادي، وأن غايته النهائية شيء آخر غير الأمن الجسماني” (حرب أم سلام. لفوستر دالاس – نقلا عن التراجع الحضاري ص71). وهذه الأقوال وغيرها من منصفي الغرب ساسة أو علماء أو مفكرين يدين حضارة الغرب المادية الحديث وهي في أوجها، وتكاد هذه الأقوال الغربية ذاتها ترشح البديل النافع القادر -إن توفرت بعض الظروف- على أن يحل مشاكل الإنسان ويقضي على شقائه ألا وهو الحضارة الإسلامية. وإذا كنا قد ذكرنا عناصر الحضارة المادية من وجهة نظر أحد مفكريها (ول ديورانت) فإننا نذكر عناصر الحضارة في رأي مفكر مسلم هو أبو الأعلى المودودي الذي يرى أن أي حضارة لا بد أن تتألف من هذه العناصر الخمسة يقول:
ما يعبر عنه بالحضارة يتكون من العناصر الخمسة التالية:
– تصور الحياة الدنيا
– غاية الحياة
– العقائد والأفكار الأساسية.
– تربية الأفراد.
– النظام الاجتماعي
وما من حضارة في الدنيا إلا وقد تكونت من هذه العناصر الخمسة ليس غير. (الحضارة الإسلامية – نقلا عن التراجع الحضاري ص41).
وما دامت هذه العناصر هي عناصر كل حضارة فما الفرق بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات؟ الفرق هو:
1- أن جميع الحضارات نبعت بسبب الاحتكاك بين الناس أو الصراع بينهم، بينما نبعت أسس الحضارة الإسلامية من الوحي الإلهي، وجاءت مفصلة لكل نواحي الحياة.
2- إن جميع الحضارات في بناء أسسها وقواعدها تعتمد المصالح الإقليمية أو الشعبية دون نظر إلى الآخرين بينما حضارة الإسلام تنظر لصالح الإنسان في الأرض كل الأرض فلا تحقق نفعا لجهة على حساب أخرى.
3- أن النظرة إلى الحياة في جميع الحضارات غير الإسلامية نظرة مادية تقوم على الجمع والتحصيل والتكديس، لأنها لا تؤمن بغير الأشياء المادية، على حين أن الحضارة الإسلامية يمثل فيها الإيمان أعظم الأسس التي تقوم عليها، بل إنها لا تقوم إذا لم يوجد هذا الإيمان بالغيب، فليس طريق المعرفة فيها هو الحواس وحدها ولا القوة العقلية وحدها، ولكن قبل هذين تأتيها المعرفة والعلم والتوجيه والمنهج من خلال الوحي السماوي المتمثل في القرآن الكريم ثم السنة النبوية الشريفة.

