بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الحركة الإسلامية:

حملت الحركة الإسلامية –بصدق- على عاتقها منذ بدء ثلاثينات القرن العشرين عبء النهوض بالمسلمين، بناء على أسس إسلامية راسخة، وأسس عصرية متينة، وحاولت جهدها أن يتجاوز المسلمون مرحلة الركود والجمود التي لفت حياتهم وأحاطت بهم قرونا من السنين، نتيجة عوامل شتى، ليس هنا مكان إحصائها أو الخوض فيها، وقد استطاعت الحركة أن ترفع راية الدعوة بين الناس، وأن تثبت وجودها، وأن تتغلب على أمرين سادا حياة المسلمين قبل ظهورها إذا كان الناس أو معظمهم أحد رجلين: جاهل بتعاليم الدين فهو يأخذ منها بقدر ما علم ويترك منها ما لم يعلم، وقد يكون ما علمه قليلا وما جهله كثيرا، مما يترتب عليه ضياع جزء أو أجزاء من الدين من حياة هؤلاء، وآخر قد تثقف ثقافة غربية، فهو بعيد عن الفهم الديني الصحيح وقد يكون متأثرا بثقافته الغربية تأثرا شديدا فيعلو بها عن الدين، ويعتز بها عن غيرها ويبالغ في محاولة نشرها ظنا منه أن هذا هو طريق الرقي، وقد يهاجم الدين وتعاليمه والمتدينين وسلوكهم.

وجاءت الحركة الإسلامية لتقول لهؤلاء: إن الأمة العربية أحياها الإسلام في الماضي وجعلها رائدة

الحركة الدستورية الإسلامية تيار سياسي إسلامي له تواجده على الساحة الكويتية، وله حضور ظاهر في الانتخابات على جميع المستويات

بين الأمم فترة غير قليلة من الزمن، وهو الذي سيبعثها من مرقدها، ويزيل السبات عن عينيها كي تنهض من جديد.

ولم تكتف الحركة بالأقوال، بل أخذت تعمل على نشر الوعي الديني الصحيح بين جمهور الناس بوسائل شتى، وتبرز معالم الإسلام أمام المثقفين، مقارنة بينها وبين غيرها من التعاليم، ووجد الناس أن تعاليم الإسلام أرجح ميزانا وأوفى وأشمل، فأيد كثير منهم الحركة الإسلامية، وصاروا من العاملين لها أو الداعين إليها، أو المؤيدين، وأثبتت الحركة أنها تمثل الإسلام الصحيح في السلم والحرب، إذ كان أبناؤها من خيرة المجاهدين في فلسطين، شهد بذلك اليهود –والحق ما شهدت به الأعداء- ولولا أن معوقات كثيرة وضربات شديدة لاحقت الحركة، ولولا أن وضعت أشواك في طريقها، لكان للحركة اليوم شأن غير الشأن، ولربما كانت بعض الأحداث قد تغيرت، ذلك لأن الحركة لم تترك مجالا إلا طرقته ولا ميدانا إلا سلكته، محاولة بذلك تطبيق المفهوم الشامل للإسلام، الذي أنزله الله في كتابه، وبينه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ليقوم الناس بالقسط “والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا والميزانوليتخلصوا من الأثقال النفسية والبدنية والمادية “يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا” “وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان من الجوانب التي طرقتها الحركة في وقت مبكر، عدم إغفال الجانب السياسي باعتباره جزءا من الإسلام الذي تتمسك بجميع أجزائه، وتعمل على رفع جميع جوانبه، ولكن الأحداث التي مرت بالحركة غطت الجانب السياسي حينا من الدهر، ثم ما لبثت الحركة أن عادت إلى الأخذ بهذا الجانب، فصار لها ممثلون في المجالس النيابية في عديد من البلاد، وصار لها تواجد في الساحة السياسية، يعرفه الناس ويقدرونه قدره، ويحترمون ممثليه، لصدقهم في أقوالهم، ووفائهم بعهودهم، وخوفهم من ربهم قبل أن يخافوا من الناس، وحرصهم على مصلحة بلادهم، ووقوفهم –بقوة- ضد أي محاولة لإقصاء جانب من الدين أو التهجم عليه، أو إغماض العين عنه.

الحركة الدستورية الإسلامية:

وكانت الكويت من البلاد التي احتضنت الحركة الإسلامية، فعملت على إفساح المجال أمام العاملين في الحركة مما كان له أثر بارز في الدعوة، وقد سارت الحركة فيها سيرها في البلاد الأخرى، حتى كان الغزو فالتحرير، الذي تمخضت عنه الحركة الدستورية الإسلامية التي تعبر –كما يقول الأستاذ / فؤاد الهاشم- عن (تيار سياسي له تواجده على الساحة الكويتية، وله حضور دائم في انتخابات الجمعيات التعاونية والمجلس البلدي ومجلس الأمة، وكذلك في الاتحاد الوطني لطلبة الكويت) (الوطن 26/6/1999م)

وهي بذلك تمثل الفهم الصحيح للعمل السياسي الإسلامي، فلا تَعِدُ بما لا تملك ولا تقدر ولا تضع يدها حيث ينبغي أن تضع قدمها، ولا تناور مناورات كاذبة، ولا تذم المنافسين، ولا تفجر عند الخصومة، ولا تزيف على الآخرين أقوالا أو أعمالا، ولا يعمل أبناؤها وفق مصالح خاصة، وإنما يعملون وفق المصالح العامة، لأن الذين يعرضون أنفسهم للعمل العام في المجال السياسي أو الاجتماعي أو غيرهما لا ينبغي له أن يحول العمل العام عملا خاصا يستفيد منه هو وجماعته، من غير أن يعنيهم شأن الآخرين. ليس الأمر كذلك عندهم لأنهم يعرفون ويحفظون ما قاله عمر بن الخطاب: لو عثرت دابة بشط الفرات لخشيت أن يسأل عنها عمر. فإن مسئوليته لم تقف عند نفع الإنسان بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو لسانه، وإنما تعدت ذلك حتى ليحس أنه مسئول عن الحيوان الأعجم إن تعثر في طريقه، ويخشى أن يسأل أمام الله: لِمَ لمْ يسو له الطريق؟

كيف –بعد هذا النموذج- يستطيع أحد يقتدي بالسلف الصالح أن يتجه إلى تحقيق مصلحة خاصة على حساب مصلحة عامة؟ إن عملهم هو لصالح كل أبناء الكويت، ولإصلاح كل خلل قد يحدث فيها، وللوقوف في وجه كل انحراف أو تبديل أو تغيير للمعالم التي ارتضاها أبناء الكويت، وتوارثوها جيلا بعد جيل.

إنها صمام أمان للمستقبل السياسي في الكويت، فأهدافها واضحة ووسائلها شريفة، والذين يمثلونها

أصحاب الضمائر الهزيلة والذمم العليلة يبيعون أصواتهم بما لا يساوي وجبة واحدة من الفول والحمص

في أي مجال لهم حضور مشهود، ولهم تفاعل محمود. ولسنا نبرئ ساحتها من الخطأ، فهي ليست بمعصومة، والعاملون فيها ليسوا كذلك معصومين، وعند المحاسبة الدقيقة للعاملين فيها نجد أنهم لهم وعليهم، مثل بقية الناس، وبقية الكتل السياسية الأخرى، ولكن أخطاءها أقل من أخطاء غيرها، وميزان حسناتها أرجح من ميزان غيرها (إن مواقف الحركة من قضايا أسلمة القوانين، والدفاع عن الحريات، والمشاركة الشعبية، والقضية الأخلاقية، وحماية المال العام، وحقوق الإنسان، والتعليم، وتوظيف العمالة الوطنية هي مواقف ساطعة وثابتة في محاضر مجلس الأمة) (المجتمع العدد 1356)

ثم إنها لا تسلك مسالك بعض الذين لا يعنيهم إلا أن يحققوا أغراضهم بأي وسيلة، حتى لو كانت في ذاتها جريمة من الجرائم التي يعاقب عليها القانون، ويدخل صاحبها في عداد الذين لعنهم رسول الله e. ومن هذه الوسائل أو الجرائم:

شراء الأصوات:

وإن تعجب فعجب عظيم من بيع الضمائر. أتباع الذمم؟ أتشترى المواقف؟ أيكون الضمير في الإنسان مساويا لسلعة من السلع أو أداة من الأدوات التي يبحث عنها الإنسان في الأسواق، ثم يشتريها بقليل أو كثير من المال؟ لا تستغرب أيها القارئ الشريف النظيف، فنحن في عصر الغرائب والعجائب الذي أصبح فيه الضمير أقل ثمنا وأرخص أجرا من وجبة طعام من الفول والحمص، لقد حسب أحد الحاسبين قيمة الصوت الذي يشترى بألف دينار على عدد أيام السنوات الأربع التي يقضيها المشتري –عادة- في مجلس الأمة فوجدها 682 فلسا في اليوم، فهل تطعم هذه جائعا وجبة واحدة، ألا ما أرخص الضمائر الهزيلة والذمم العليلة المدخولة!!!

ولسنا –بذلك- نرضى ببيع الضمائر وإن ارتفع الثمن، وزادت أسعار الشراء، لأن هناك قيما أقوى

إن الشعار الذي يتردد الآن بأن “من يشتري الصوت اليوم يبيع الوطن غدا” شعار صحيح، وهو إشارة حمراء ينبغي التوقف عندها وعدم مجاوزتها

وأبقى وأعلى من المال. أيجوز أن يبيع الإنسان ولده؟ أيجوز أن يبيع الإنسان الشريف الحر عرضه وشرفه؟ إن الشرف والأمانة والوفاء وغيرها من القيم والفضائل لا تقدر بثمن مادي مهما علا وارتفع، لأن هذه الفضائل مرتبطة بالنفس والروح، وهما غير قابلتان للبيع أو للشراء، عند المؤمنين أو الكافرين على السواء.

إن صوتك أيها الناخب أمانة تسأل عنها أمام الله، وهو شهادة بأحقية من اخترته ليكون في هذا المكان نائبا عنك متحدثا باسمك، مطالبا بحقك، مدافعا عنك. فانظر من تختاره لهذه المهمة الخطيرة، وتحرَ الدقة في الاختيار بعد موازنات بين المرشحين، لتشهد –وأنت تعطي صوتك- للذين يخافون ربهم، ويراعون حقه أولا وحق المجتمع ثانيا، فلا يعود عليك خسران أو ندم نتيجة الاختيار، لأنك أحسنت الاختيار بمحض إرادتك، ولم تبع ضميرك، لبعض المتسلقين الذين يعطونك مئات من الأفلاس، ليأخذوا لأنفسهم ملايين من الدنانير، غير ناظرين لعمران الدولة، أو تحقيق الأمان لها، أو العمل على نهضتها ورقيها، وفي الكلام المتداول الآن “إن من يشترى الصوت الآن يبيع الوطن غدا” وهو كلام صحيح، فالطريق الذي يبدأ بالتعاريج والمنحنيات الخطيرة ماذا تنتظر في آخره؟ إن الذين يزرعون الشوك لا يحصدون العنب، وإن الذين يبيعون أصواتهم اليوم لا يجنون ولا يحصدون غدا غير خسائر كبيرة تنعكس على حياتهم وعلى مجتمعهم لأن الذي اشترى منهم ضمائرهم –اليوم- يبيعهم غدا متى وجد ربحا ولو قليلا في هذا البيع، ووسط هؤلاء تضيع الأمانة ويضيع الوفاء، ويضيع حاضر الدولة ومستقبلها.

هذا من الناحية العقلية ومن الناحية الشرعية فإن الذي يبيع صوته يكون قد شهد زورا، والنبي صلى الله عليه وسلم  عدّ شهادة الزور من الكبائر، بل من أكبر الكبائر حين قال: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثا) قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، ثم جلس وكان متكئا فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت والمال الذي يقدمه المرشح للناخب رشوة ظاهرة لا شبهة فيها، ويصدق عليهما معا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم” (ص.ج.ص 5093) وعليك أخي الناخب أن تفر بنفسك من شهادة الزور وأن تفر بنفسك من أن تكون من الملعونين المرتشين، فإياك أن تبيع ضميرك، أو تخون أمانتك، أو تحبط عملك.

وأقبح أنواع شراء الأصوات هو القبض النقدي .. ثم تأتي من بعده في القبح والبغض المقايضة التي

الحركة الإسلامية عملت على نشر الوعي الديني الصحيح في عديد من البلاد مستندة في ذلك إلى ركائز إسلامية راسخة، وأسس عصرية متينة

تتم كصفقة لازمة بين فردين أو قبيلتين أو جماعتين أو تيارين على أن يعطى هؤلاء أصواتهم لفلان مقابل إعطاء أصوات الآخرين لفلان آخر، وتلك صورة من صور البيع كذلك، وإن خفي أمر البيع فيها على الناس، ولو أن هذه الصفقة تمت لاجتماع الناس على صلاح مرشح معين يخدم الأمة لما كان في هذا ضرر، ولكنها إن تمت لتحقيق مصالح بعض الأفراد فإنها حينئذ تكون مقيتة غير حميدة، لأن أمثال هذه الصفقات لا تترك للأفراد الحرية والقناعة في اختيار من يرون أنه الأفضل، ولكنها تفرض عليهم الالتزام باختيار شخص معين، قد لا يكون هو الشخص المنتظر أو الإنسان المرتجى، وأمثال هذه الصفقات قد يضيع بسببها بعض الشرفاء القادرين على أداء دور كبير في المجلس لو أنهم وصلوا إليه.

والناخب اللبيب الشريف قادر على حسن اختيار من يرى أنه يقوم بدوره في المجلس بالمراقبة والمحافظة على القوانين التي تتفق وشريعة الإسلام. والاشتراك في سن التشريعات التي لا تخالف الشريعة الإسلامية في شيء، وأما الذين لا باع لهم في المراقبة، ولا صلة لهم بمراعاة التشريع القانوني ومدى ملائمته أو مخالفته للشريعة الإسلامية وكل همهم تقديم بعض الخدمات أو إنجاز بعض المعاملات لهذا أو لذاك، فإن هؤلاء كذلك ليسوا مؤهلين لدخول المجلس، ويعتبر تزاحمهم في (سوق الديمقراطية) محاولة منهم لشراء الأصوات بثمن بخس خدمات محدودة أو إنجازات فردية صغيرة، لأنهم ضيعوا حق المجتمع عليهم وفرطوا في واجبهم نحو الدولة وأفرادها على السواء.

إن الفرصة –أيها الناخب- في يدك اليوم فلا تهملها ولا تضيعها لتبقى من بعدها سنوات تعيش على المزايدات والمهاترات. فهل تنتهز الفرصة وتختار الشرفاء العاملين الذين يحافظون على عهودهم مع الله ومع الناس؟

الجزائر على طريق الوفاق.

أعلنا سعادتنا وفرحتنا من قبل بالوفاق الذي تمَّ بين المملكة العربية السعودية وبين دولة الإمارات العربية، ودعونا في الأسبوع الماضي كل قادر على إصلاح ذات البين بين فردين أو جماعتين أو دولتين أن يبادر إلى ذلك حتى تزول أسباب الخلاف، وتحل محلها أمارات الوفاق.

وقد جاءت موافقة الحكومة الجزائرية على إقرار العفو العام الذي قدمه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة جاءت هذه الموافقة لتزيد من فرحتنا وسرورنا، إذ شعرنا أنها –بعد الإقرار المنتظر لها من الشعب الجزائري- تؤلف بين قلوب الجزائريين، وتزيل من بينهم أسباب الخصام، وتستل من قلوبهم السخائم والأحقاد، وتحقن الدماء التي سالت بعد أن أغرقت في لجتها 100 ألف قتيل وأصابت بجراحها مليون شخص.

إنها خطوة على طريق التئام الجراح بين أهل الجزائر، ونأمل أن تكون خطوة أولى لإعطاء جميع التوجهات حقها في العمل السياسي والاجتماعي المشروع، الذي يؤدي إلى قوة الأمة واختيار أفضل عناصرها لتقوم بدورها في خدمة المجتمع والرقى به، بعد أن يتحقق فيه الأمان ويزول عنه الخلاف والخصام.

وليت المسئولين في بعض بلادنا العربية والإسلامية التي فيها حزازات أو خصومات تخطو مثل هذه الخطوة إن هذه الخطوة الجزائرية

لا غرابة في أن يتقدم أصحاب المشروع الإسلامي للعمل السياسي لأن العمل الإسلامي يغطي جميع جوانب النشاط الفردي والجماعي، والعمل السياسي جزء منه، غير منفصل عنه

إصلاح على الجبهة الداخلية، والوفاق بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات إصلاح على الجبهة الخارجية. ولعل بلادنا العربية والإسلامية تخطو مثل هاتين الخطوتين، ليكون ذلك بداية إصلاح شامل للأمة كلها. والله أدعو أن يكلل كل جهد خير بالنجاح والتوفيق.