الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
التلاحم الذي تم بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت إبان حرب الخليج الثانية وما بعدها وحّد بين الشعبين في الآلام والآمال والرؤية الموحدة تجاه الأحداث.
نظام الحكم في المملكة العربية السعودية يقوم على دعامتين: الشريعة الإسلامية والأخذ بكل المستجدات العصرية الممكنة التي لا تتعارض ولا تتضارب مع الشريعة.
لقد انتقلت المملكة العربية السعودية في عقود قليلة من السنين إلى دولة عصرية تكثر فيها مظاهر العمران، ويزداد فيها الإنتاج والتقدم والازدهار.
المملكة العربية السعودية بدورها البارز في العمل الخيري الإسلامي صنعت المعالم الشاهدة على قوة هذا الدين.
الصبر والمصابرة والمجاهدة هي الأسلحة التي تواجه بها المملكة العربية السعودية والكويت معا عدوهما المشترك، الذي سيتلاشى عما قريب.
الكويت بين جارين:
لم تسلم الكويت الشمالية من الاضطرابات والقلاقل، التي تهب عليها من جار الشمال منذ حاول عبدالكريم قاسم أن يضمها إلى العراق فحالت دون ذلك حوائل إلى أن فعل ذلك صدام حسين سنة 1990 ووضع الكويت رهينة بغية سبعة أشهر حتى تحررت بقوة السلاح من قبضته، فلما أفاق مما أصابه عاد إلى تهديداته التي لا تغيب عن الساحة إلا قليلا، ثم تعود إليها لتبذر الخوف، وتثير الاضطراب، وتأذن بتدخل الدول الكبرى، لتكف شره، وتحجز عن الكويت ظلمه.
وعلى العكس من ذلك فإن الحدود الجنوبية والغربية المتاخمة للمملكة العربية السعودية تتسم بالأمن والأمان، فلا بغي ولا عدوان، لأنهم في المملكة ارتبطوا بنا وارتبطنا بهم منذ قرابة قرن من الزمان، حيث خرجت قبائل عربية نجدية من أماكنها في وسط الجزيرة واستقرت في الكويت، وعملت على نشأة الدولة الكويتية ورقيها، وما زال كثير من هذه العائلات الكويتية ترتبط برباط القرابة أو المصاهرة بعائلات في الجزيرة وتتوادّ وتتراحم، وتدرك أن المصير واحد، والمسير واحد، والغاية واحدة، وهذا جعل من الشعبين في الكويت والسعودية شعبا واحدا، تربطه الآمال المشتركة، وتجمعه الآلام المشتركة فالعدو الذي نواجهه عدو واحد، وسل حرب الخليج الثانية تنبئك عن مدى التلاحم الذي تم بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، لأن الخطر الذي دهم الكويت كان يهدد السعودية، بل دخل مع رجالها في معركة حربية في الخفجي وأطلق صواريخه على المدن السعودية، وهدد أمنها، واستنزف بعض مواردها، وشنت أجهزة إعلامه عليها حربا شعواء، وما تزال المملكة العربية السعودية تلقى من الهجمات الإعلامية من هذا العدو –في كل أزمة خليجية ما تلقاه الكويت من تهديد أو اتهام، مما دفع بعض الدول الصديقة “دول إعلان دمشق” إلى أن تؤيد الكويت وتصادق السعودية وتعمل على الوقوف بجانبهما في كل ما يمس أمن الدولتين، أو يؤثر عليهما من قريب أو من بعيد، وقد جعل هذا الترابط والتوافق والتعاون بين الجارتين الحميمتين “الكويت والسعودية” النظرة واحدة لقضايا العالم العربي والإسلامي، فلم يعد هناك خلاف يذكر في أي من هذه القضايا التي تستجد على الساحة لا في السياسة الاقتصادية القائمة على البترول في أغلبها، ولا في التحالفات الدولية أو الإقليمية، ولا عجب في ذلك فحين يكون الصديق بين الدولتين مشتركا، ويكون عدوهما كذلك مشتركا، واقتصادهما متشابه، والموقف من التحالفات موقف موحد فماذا ننتظر غير الارتباط الكامل في الطريق والغاية، وخاصة بعد أن توحد الإحساس الشعوري النفسي الذي تسربت فيه حتى التشبع دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب القائمة على أساس متين من المدرسة السلفية التي وضح معالمها الإمام أحمد والإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم وغيرهم من أعلام المدرسة السلفية القائمة على دعائم الإسلام الصحيح المصفى من بدع المبتدعين، وشطحات الغالين.
والارتباط بين الشعبين، البادي الآن للعيان، ليس وليد الأحداث الأخيرة التي ظهرت آثارها منذ عقدين في الخليج وفي المنطقة، وإنما هو قديم يضرب في الزمان إلى قرن كامل بل إلى أكثر من ذلك، حيث عاش عبدالرحمن بن فيصل آل سعود وأولاده في الكويت زمنا، في عهد الشيخ مبارك، الذي اعتنى عناية خاصة بالأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن سعود الذي اتجه وهو في العشرين من عمره إلى إنشاء المملكة العربية السعودية فاتجه إلى الرياض ومعه 40 رجلا وتمكن من الاستيلاء عليها سنة 1902م[1] واستمر يعمل وبدأب حتى أنشأ المملكة القائمة الآن، والتي تعمل مع الكويت على درء العدو الصدامي، وترتبط معنا بروابط قوية لا تنفصم على الزمن، وقد ذكرنا بعضها من قبل.
احتفال مئوي:
وهذا يوجب علينا في الكويت أن نجعل احتفال المملكة بمرور 100 عام على إنشائها احتفالا لنا، خاصة وأن للمملكة دورا مشهودا في تحديث الجزيرة، والعمل على مسايرة الدول المتقدمة، مع الاعتزاز بالإسلام وإعلاء شأنه، وجعل نظام الدولة قائما على أساس الإسلام الصحيح، وهذا ما أعلنه الملك عبدالعزيز في مرسوم ملكي أصدره سنة 1932م إذ جاء فيه: “وبالإضافة إلى أن الحكومة تستمد سلطتها السياسية من الشريعة الإسلامية التي تحدد الأطر السياسية في جميع مجالاتها، فإن القواعد التالي تشكل العمود الفقري لبناء الأمة في المملكة العربية السعودية.
1- الاستقرار: وذلك عن طريق تعميق الحس الديني لدى الشعب وتطبيق الشريعة، وتطوير الأنظمة.
2- سهولة الوصول إلى الحكام: وبمقدور كل المواطنين أن يتصلوا بحكامهم وينقلوا لهم مظالمهم.
3- تعزيز التكامل والوحدة الوطنية بالتوزيع العادل للثروة وتوفير الخدمات في سائر أنحاء المملكة.
4- تقسيم الدولة إلى 14 إمارة كي يسهل حكمها وتقديم الخدمات لها.
وأما السلطة القضائية ونظام الحكم فإن المحاكم الشرعية فإنها “تقوم بمعالجة القضايا المدنية وقضايا الإجرام حسب الشريعة الإسلامية”[2].
وقد قوى هذه الأسس ونماها وأضاف إليها من المستجدات في نظام الحكم ما لا غنى عنه في العصر الراهن، فصار نظام الحكم في المملكة العربية السعودية قائما على دعامتين: الشريعة الإسلامية، والمستجدات العصرية التي لا تناقض الشريعة ولا تتضارب معها، بل تنطوي تحت لوائها وتعمل في ركابها، فكأنما ردت هاتان الدعمتان إلى ركيزة واحدة كبرى تستوعب كل جديد وتهضم كل مفيد، وتعيده للمجتمع في صورة نفع عام يصيب منه الأفراد كل ما يودون وما يحبون في ضوء قاعدتي الحق والعدل.
إن هذه الركيزة هي الركيزة الإسلامية التي تواجه قوانين الآخرين وتتغلب عليها لأنها تجد لها في قلب كل إنسان محب للحق والخير والعدل نصيرا ومعينا، وقد جاء النص على هذه الركيزة في مقدمة النظام الأساسي للحكم حيث قام خادم الحرمين الشريفين: “إن دستورنا في المملكة العربية السعودية هو كتاب الله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة رسوله e الذي لا ينطق عن الهوى” وقال: “وإننا لا نغلق بابا دون المنجزات الحضارية النافعة كي نستفيد منها بما لا يؤثر على ثوابتنا وهويتنا”.
وقد أولى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد هذه الركيزة عناية فائقة، إذ اصدر في 27/8/1412 هـ مرسوما يحمل الرقم أ/90 يحدد فيه النظام الأساسي للحكم وصدره بمقدمة بين فيها نعمة الله تعالى على عباده، وأعمها وأشملها على الإطلاق “نعمة الإسلام فهو الدين الذي إن تمسكنا به لن نضل أبدا”[3].
حقائق نظام الحكم وركائزه:
وقد أجمل خادم الحرمين حقائق النظام بـ:
1- حقيقة ثبات المنهج الإسلامي وهذا أساس من أساسياته.
2- حقيقة وجوب الثبات على المنهج وعدم اتباع الهوى.
3- حقيقة وفاء حكام المملكة العربية السعودية للإسلام في كل الأحوال والظروف.
ثم بين الركائز التي قامت عليها هذه المملكة على يد عبدالعزيز آل سعود رحمه الله تعالى، والتي ما يزال العمل بها جاريا ومستمرا، وهي:
أولا: عقيدة التوحيد والإخلاص لله تعالى وعدم الشرك به.
ثانيا: سلامة المجتمع بكل أبعاده لا تكون إلا بالشريعة الإسلامية.
ثالثا: حمل الدعوة إلى الله عز وجل تعتبر من أهم وظائف الدولة الإسلامية وأهمها.
رابعا: قيام مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تؤمن واحة إسلامية صحيحة.
خامسا: تحقيق الوحدة الإيمانية.
سادسا: عدم إهمال أسباب التقدم كي تتيسر حياة الناس.
سابعا: تحقيق الشورى.
ثامنا: تأمين الأماكن المقدسة للحج “قياما بحق الله وخدمة للأمة الإسلامية”.
تاسعا: الدفاع عن والقدسات..
نظرة على الواقع:
فإذا ما تركنا هذه الجوانب النظرية الفكرية إلى نطاق العمل العام، وجدنا أن المملكة انتقلت في عقود قليلة من السنين من طور إلى طور، وبرزت فيها مظاهر العمران في عقود قليلة من السنين من طور إلى طور، وبرزت فيها مظاهر العمران المتعددة، وكثرت فيها المزارع والمنتوجات، وأخذت من الحضارة المعاصرة جوانب حديثة تدعم الاتجاه العام وتقويه، وقدمت تيسيرات عديدة لمواطنيها وللذين يؤمونها لقصد أداء النسك وكان في مقدمة هذه الجهود تحقيق الأمان التام للناس، وتسهيل وسائل الاتصال والمواصلات وتوفير كل الاحتياجات اللازمة لكي يؤدي الناس مناسكهم وهم في أمن من الخوف، واطمئنان على ما يملكون وما يحملون.
توسعة الحرمين الشريفين:
وقد جاءت توسعة الحرمين الشريفين في وقت يكثر فيه ورود المسلمين إلى هذه الأماكن المقدسة حتى يبلغوا ملايين عديدة -في بعض الأحيان- مما يعني أن هذه التوسعات جاءت في وقتها لتستوعب هذه الأعداد المليونية، الذين يودون أن يؤدوا مناسكهم في راحة وهذه التوسعة خدمت جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، الذين يأتون رجالا وركبانا إلى هذه الأماكن معتمرين أو حاجين أو زائرين.
ثم امتدت جهود خادم الحرمين الشريفين لتعمير المسجد الإبراهيمي في فلسطين، والمسجد الأقصى في بيت المقدس، واتسعت هذه الجهود وامتدت إلى غير بلاد المسلمين ثم أقيم على نفقته الخاصة عدد من المراكز والمساجد الإسلامية في عديد من الأماكن منها مسجد في جبل طارق افتتح في يوم الجمعة 5 من ربيع الآخر 1418 هـ الموافق 8 من أغسطس 1997م وصحب هذا الافتتاح هذا المسجد وضع حجر الأساس لمركز ثقافي إسلامي في مدينة “مالقة” الإسبانية، يتم تشييده على نفقته وقام بوضع حجر الأساس ابنه البار الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز –حفظه الله- المستشار بالديوان الملكي في يوم الاثنين الموافق 11 أغسطس 1997م نيابة عن والده.
وما زالت الجهود التي تقوم بها المملكة في هذا المجال متواصلة ممتدة، وما زالت المملكة العربية السعودية تولي هذا الجانب أهمية كبيرة ولا أدل على ذلك من أن عدد المراكز الإسلامية التي قامت المملكة بإنشائها أو المساهمة في بنائها، 120 مركزا وأن عدد المساجد 1359 مسجدا موزعة في شتى بقاع الأرض.
والساسة فيها وأهل الخير يدركون أن الثواب والأجر عند الله -سبحانه- غير محدود “لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لم من حمر النعم” هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه وهو قول ممتد يشمل كل من هيأ دعوة الحق ليهتدي بها الإنسان في أي مكان.
وصحب هذه الجهود في مجال عمارة المساجد وتشييدها جهود إسلامية أخرى تنتشر في عديد من بقاع الأرض أنها جهود متصلة بكتاب الله كتاب الحق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الكتاب الذي جعله الله نورا يهدي به من يشاء من عباده، فهو كتاب هداية، وهو كتاب رحمة، لا ينبغي أن يقتصر على فئة من الناس دون الأخرى، لأنه بيان للناس كل الناس، ومن واجب المسلمين أن ييسروا هذا البيان للناس أجمعين بكل وسيلة مستطاعة وهذا ما يحاول أن يقدمه مجمع خادم الحرمين الشريفين بحيث أصبح هذا المصحف متداولا، لتبليغ دعوة الإسلام للناس أجمعين ولإخراجهم من ظلمات الشرك والوثنية إلى نور الحق والهداية امتثالا لقول الله: “فذكر بالقرآن من يخاف وعيد”.
جهود دعوية:
ولا تقف هذه الجهود عند هذه الحدود، وإنما تتعداها إلى العديد من وجوه الخير، التي تكثر وتتعدد، فالمملكة العربية السعودية بدورها البارز في العمل الخيري الإسلامي الحضاري صنعت المعالم الشاهدة على قوة هذا الدين في كل مكان، فالمركز الإسلامي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالولايات المتحدة الأمريكية بواشنطن الذي أقامته السعودية، ليعمل على خدمة المسلمين في تلك القارة المترامية ويعرفهم بأسس الدين على أساس من العقيدة الصحيحة، عقيدة السلف الصالح، التي هي مبعث كل خير، وأساس كل نفع، وليدفع هذا المركز الشبهات التي تثار حول الدين، ويعمل على تنشئة أبناء المسلمين هناك تنشئة إسلامية صحيحة، لا تختلط فيها عادات تلك البلاد وتقاليدها بما ينبغي أن يتربى عليه أبناء المسلمين في ضوء تعاليم الدين.
ولئن كان هذا معلما بارزا في أمريكا يعلي من شأن حضارة الإسلام في تلك القارة، فإن المسجد الذي أقامته المملكة العربية السعودية في إيطاليا يعتبر معلما آخر في قلب أوربا يشهد بقوة حضارة الإسلام في تلك القارة كلها، ويثبت أن المسلمين أصحاب حضارة باقية، لأنها حضارة مستمدة من كتاب الله المحفوظ “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون“ ولأنها حضارة مؤسسة على التقوى “أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار“ ولأنها حضارة قائمة على الحق الذي لا يضل من تمسك به واتبع طريقه “أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى“.
والمعالم الإسلامية التي تقيمها السعودية ليست قاصرة على هذين المعلمين الشامخين، فهناك معالم عديدة نذكر منها تلك الفروع العديدة من المعاهد الدينية والكليات الشرعية التي أنشأتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على مساحة من الأرض تمتد من أندونيسيا شرقا إلى أمريكا غربا مرورا بأوربا وأفريقيا ودول آسيا الوسطى التي استقلت مؤخرا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والتي هي في أشد الحاجة لمعرفة التعاليم الإسلامية الصحيحة، فكانت مبادرة السعودية بإنشاء هذه المعاهد مبادرة في حينها، تلبي حاجة المسلمين في تلك البقاع، وإلى جانب هذا كله تجد مراكز تحفيظ القرآن الممتدة في كل مكان، تزرع في قلوب الناشئة من أبناء المسلمين حب هذا الدين، والمعرفة بكتابه الكريم.
وكم من دعاة منتشرين في بقاع الأرض، يدعون إلى الله على بصيرة ويعملون على إظهار دين الله تكفلهم السعودية وترعاهم، وتيسر لهم طرق النجاح، إلى جانب هذا كله تقوم كفالة الطلاب شاهدة على دعم العلم الشرعي وترسخ جذوره بحيث لا تستطيع رياح الشبهات التي تثار أن تقطع هذه الجذور من قلوب الأبناء، هذا نموذج من البناء الحضاري، أما عن البناءات التربوية والفكرية التي انتشرت من خلال رابطة العالم الإسلامي والندرة العالمية للشباب والبعثات الدعوية التي انطلقت من الرئاسة العامة للبحوث والإفتاء بتوجيه من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز والجهود المركزة التي تقوم بها الآن وزارة الأوقاف الإسلامية وشؤون الحج بعد أن تجمعت طرق التوجيه والبناء الحضاري والفكري والدعوي في وزارة الأوقاف لضمان التنسيق بين جهات العمل، فإنها جهات حثيثة تعمل على خدمة الإسلام والمسلمين.
بعض جهود الممارسة والتطبيق:
إن المملكة العربية السعودية جعلت الجهود السابقة جزءا من الممارسة والتطبيق الذي تقيمه في أرضها على أساس من الإسلام ويتمثل هذا التطبيق وتلك الممارسة في الملامح الآتية التي هي جزء من كل:
1- إن المملكة هي الوحيدة التي اتخذت لها التوحيد شعارا فليس في العالم راية عليها كلمة التوحيد إلا رايتها في كل وقت وفي كل مكان يوجد فيه تمثيل لها، ترتفع فيه هذه الراية لتعلن أن هذا هو ديننا وعقيدتنا.
2- تأخذ المملكة على عاتقها إرسال المبعوثين للدعوة إلى الله تعالى في كل مكان.
3- تحويل كلمة الجلالة الملازمة لمصطلح الملك إلى كلمة خادم الحرمين الشريفين.
4- الحكم بنا أنزل الله تعالى وتطبيق الحدود، والمملكة تجهر بذلك على رؤوس الإشهاد وعبر وسائل الإعلام بواسطة الأقمار الاصطناعية، مرئية كانت أم مسموعة..
5- أن أبواب الحكام مفتوحة للقاصي والداني، يقول خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبدالعزيز: “نحن في المملكة العربية السعودية من جلالة الملك إلى آخر مواطن الحمد لله ما هناك عندنا فوارق ولا فيه عندنا ميزات للواحد على الآخر، ولا فيه عندنا ملك وأمير وغيره فالألقاب في الواقع لا تغني ولا تسمن من جوع، إن سميته رئيس جمهورية أو أي لقب آخر، فكله واحد والمطلوب هو الصالح”.
6- جعل المشايخ محور تشاور واستشارة، والملك وولي العهد يزوران العلماء في بيوتهم إذا مرضوا أو حصلت عندهم مناسبة خاصة.
7- إن المسلم بإمكانه أن يعيش إسلامه في المملكة دون خوف على حياته أو شعور بالخطر على معاشه .. والهيئات الحكومية كلها تتعطل وقت الصلاة ويقوم الجميع بأدائها في جماعة، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم موجودة في كل مكان وخاصة بالنسبة للنساء.
8- تعتني المملكة بالمساجد، فالمساجد مؤسسة لها موظفون يتمتعون بسائر ما يتمتع به موظفو الدولة من المعاشات وتؤمن لهم المساكن.
9- الدولة تقوم بجمع الزكاة بواسطة لجان مختصة تدور على المحلات وغيرها، تأخذها وتنفقها في مصارفها الشرعية.
10- إن جميع المسؤولين في المملكة يشرفون على خدمة الحجاج وتأمين راحتهم والاعتناء بالأماكن المقدسة بشكل يصعب تصوره لولا أنه مشاهد وموجود.
وينشأ ناشئ الفتيان:
إنها خدمات عديمة يقدمونها ويعملون على نشرها بينهم ويربون عليها أبناءهم لكي يمارسوها عملا وسلوكا قبل أن تكون أقوالا وسطورا.
ولذلك تجد كثيرا من الأبناء يشبون وقد غرست في قلوبهم محبة العقيدة الإسلامية والعمل من أجلها وإظهار آثارها في شرائع الناس ومعاملاتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
ومن هؤلاء الأبناء الأمير عبدالعزيز بن فهد الذي تذكرنا تربيته وحسن معاملته بما كان يربى عليه أبناء الخلفاء في العصور الإسلامية السابقة حيث كانوا يقدرون العلماء حق قدرهم ويعرفون لهم احترامهم وعلو منزلتهم فكانت منزلة العلماء في النفوس مقدمة عندهم على منزلة أصحاب الجاه والصولجان.
وكانت معرفة واقع الناس وأحوالهم وشؤون معاشهم وما يؤثر في حياتهم مقدمة على لذائذ النفس ورغبات الذات.
لقد جمع الأمير عبدالعزيز بن فهد العلماء من حوله لأنه يعرف أقدارهم ويدرك دورهم في صنع الحياة الراشدة التي تقوم على مرضاة الله سبحانه، هو على صغر سنه يحادث الجميع ويعطي كل واحد حقه من الرعاية والاهتمام، يتواضع لهم في مجلسه، ويحسن استقبالهم، ويحمل عنهم أعباءهم، ويبادر في تلبية طلباتهم وتحقيق رغباتهم، ويؤانسهم بالحديث، ويلاطفهم بالمودة، تشعر في حديثه بروح الثقافة الإسلامية الأصلية، وتشعر في سلوكه بالرجولة العربية، التي قامت على الأخلاق الإسلامية الراسخة فلا غضب ولا صخب، ولا تأفف ولا نفور ولا تسرع ولا تكاسل ولا إهمال ولا توان.
إنه يجمع في مجلسه عددا غير قليل من العلماء يدور الحوار بينهم رقراقا يأخذ منه كل إنسان بالقدر الذي يريده، وزاد من جو الألفة والمحبة بينه وبين العلماء تواضعه الجم وأدبه البالغ وتقديره للجميع بغير استثناء.
لقد سلك هذا الابن البار، الذي سلك مسلك كبار المسؤولين وهو في ريعان الشباب، إنه نعم الابن في تحمله للمسؤولية، ونعم الابن في تقريبه للعلماء، ونعم الابن في بره بوالده وقد حرص على إظهار هذا البر في كل مناسبة وكل حديث، وهو بذلك نموذج لتربية الشباب، تعدهم لمستقبل يحملون فيه هموم الأمة ومشاكلها ويعملون على حلها حلا إسلاميا صحيحا.
تحديات معاصرة:
إن التحديات التي تواجه المملكة العربية السعودية اليوم، وتواجه أخواتها في بقية دول الخليج وخاصة الكويت، ليست جديدة، فقد سبق للمملكة أن واجهت في بداية عهدها – معركة التحديث الإداري والاجتماعي، والعمراني، فأقامت المؤسسات المختلفة في المجالات المتعددة، وربطت مناطق المملكة بشبكات من الطرق المتعددة، وكثرت مظاهر العمران في كل مكان وأقامت وسط الصحراء بساتين فيحاء ومزارع خضراء تكاد تكفي بمحصولها بل وتصدر إلى الدول المجاورة ما يفيض عن حاجتها ويزيد عن ادخارها وواجهت معارك عديدة مع بعض الأنظمة الانقلابية العسكرية في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، فصمدت وصبرت، وزالت هذه الأنظمة بما حملته من أفكار ونزعات دون أن تنال من ثبات المملكة أو أمنها أو مكانتها شيئا يذكر.
والتحدي الذي يواجه المملكة اليوم ستخف حدته عما قريب، وسوف تتغلب الكويت والسعودية على عدوهما المشترك، والأمر لا يحتاج إلى أكثر من السلاح المجرب من قبل في التحديات المحلية والإقليمية والدولية، وهو سلاح الصبر والمجاهدة، ومدافعة الأعداء حتى يزولوا بعد أن تلحقهم الهزيمة -إن شاء الله-.
واليوم والمملكة تحتفل بمرور قرن على إنشائها لا يسعنا بعد أن ذكرنا بعض جهودها واستعرضنا بإيجاز بعض أعمالها إلا أن نرفع خالص التهنئة لخادم الحرمين الشريفين وإلى سمو ولي العهد الأمير عبدالله وإلى جميع الرجال القائمين على أمر المملكة والذين يمسكون بيدهم زمام شؤونها، وإلى الأمير عبدالعزيز بن فهد الذي يقرب العلماء، ويعرف أقدارهم.
والله نسأل أن يجعل جهودهم في خدمة الإسلام والمسلمين متواصلة ممدودة آمادا بعد آماد، وأن يحفظ المملكة والكويت من كل سوء ومكروه.
[1] انظر كتابنا: الدولة الإسلامية ص247
[2] ملامح عن المملكة العربية السعودية.
[3] المجلة العربية (الملحق ص3) سنة 1412 هـ، 1992م.

