بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

لا يفوتنا في هذا الصباح الجديد أن نحيي أعضاء مجلس الوزراء، وأعضاء مجلس الأمة سنة 1999م وهم يجتمعون للمرة الأولى تحت سقف المجلس، ليرتبوا أمورهم، ويكوّنوا لجانهم وكوادرهم، ليتحملوا بعد ذلك أعباء العمل في أمانة وعفة وشرف، يقتضيها دورهم في هذا الوقت الذي يخطو فيه العالم نحو القرن الحادي والعشرين، وهو يحمل معه أزماته الأخلاقي والسياسية والاقتصادية وأنئمته الدولية، التي تحاول الآن أن تتلاقى بدلا من أن تتضارب وأن تتعاون فيما هو متاح بدلا من أن تتعارض، وإذا كان هذا يحدث على مستوى الدول الكبرى، فمن الأولى أن يحدث على مستوى البلد الواحد وخاصة الكويت التي لها وضعها الخاص والمميز بين ثلاث دول كبرى محيطة بها، ولها وضعها كذلك من حيث إنتاج البترول فيها، ولها وضعها بين دول مجلس التعاون وفي العالمين العربي والإسلامي، وهذه الأوضاع الداخلية منها والخارجية ليست في حاجة إلى بيان أو توضيح، ولكن ما هو في حاجة إلى ذلك هو التأكيد على مراعاة العوامل التي ينتظرها الشعب منكم وعلى أيديكم، والعمل –بقوة- على التمسك ببعض الأسس ومنها:

  • الحفاظ على تماسك هذا الشعب بالابتعاد عن كل ما يخلخل البنية الاجتماعية، أو يمزق وحدة الصف، أو يقلل من قيمة البناء الداخلي، الذي يؤدي إلى التلاحم وترك الخلاف والشقاق، بوضع المصلحة العليا للبلاد فوق مصالح الأفراد أو الطوائف أو المذاهب أو التوجهات، لأن تقديم مثل هذه الأمور على غيرها لا يجهل أحد ضرره، ولا يخفى علينا –جميعا- أثره، وقد كانت المصلحة العليا مقدمة دائما على غيرها.
  • ولا يمنعنا هذا من أن نسلك كل طريق مشروع لتحقيق مصلحة البلاد العليا، فإذا كانت المصلحة في مخالفة عرف شائع أو عادة متبعة فلا بأس بذلك ولا ضرر منه، لأننا ندور مع المصلحة، حيث دارت إلا إذا كانت مخالفة للدين (وهذا لا يتصور عقلا)، فإننا –في هذه الحالة- نتوقف عنها ونبتعد ونقول: فيما يحثنا الدين عليه غناء لنا عن غيره، وقد تتغير المصلحة غدا عما نراه اليوم، فلا يمنعنا رفضنا أو قبولنا لها بالأمس من الأخذ بها اليوم، أو التخلي عنها كذلك إن وجدنا غيرها أفضل لبلادنا وأحسن لمسارنا وأقوى حفاظا على مستقبل بلادنا.

ولا مجال في السياسة للعواطف والمشاعر ، وإنما المجال للعقول التي تحكم على الوقائع، وسوء في ذلك السياسة الخارجية أو الداخلية فكلها

تحية الإسلام نرسلها مع أشعة هذا الصباح إلى أعضاء الحكومة وأعضاء المجلس فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محتاجة إلى النظرة المستقبلية وإلى التخطيط الواعي والإدراك الذي يستوعب قضايا الدولة ، ويراعي الأوليات في هذه القضايا ، بحيث لا نهضم الأجيال القادمة حقها ، لحساب الجيل الحالي ، ولا نمنع هذا الجيل حقه في الحياة لحساب الأجيال القادمة ، فالتوازن مطلوب وحقوق الجميع مصونة .

وهذا ما ينبغي أن نراعيه عند التشريع والتنفيذ ، فلابد يكون الخلاف في الرأي لإثبات الذات،ولا يكون التعصب لتيار بعينه ، أو توجه بذاته فكلنا كويتيون ، يعمنا الخير فنفرح به، ولا تفرق بيننا شدة – مهما عتت – ويبقى الرأي متداولا بيننا ننشد به المصلحة العليا ، وان اختلفت بيننا زاوية الرؤيا وطريقة التعبير فإن قاعدة ” اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ” تسود بيننا وتكون عالقة في أذهاننا مسيطرة على مواقفنا وتصرفاتنا .

ومن واجب أعضاء المجلس اليوم وأعضاء الحكومة أن يجعلوه من أول الأمور التي ينبغي الاهتمام بها ، والالتقاء حولها في تعاون كامل يكون أصحابه كالبنيان المرصوص يشد بعضه، ويؤازر بعضه بعضا، وليتناس الجميع بعض الأسباب والمشكلات التي كانت وراء حل المجلس السابق ، ولينشغلوا بهموم الكويت،وآلامها ، لقد شهد المجلس السابق تشريعات يقضي بزيارة رواتب الأعضاء ومخصصاتهم المالية ، وتوظيف فريق من الموظفين (خمسة أفراد لكل عضو) ليعملوا له ما ينفع الدولة ، وما يحقق بها أعظم الفوائد . فهل حدث ذلك ؟

إننا اليوم لا نبكي على اللبن المسكوب ، ولكننا نضع أمام الأعضاء المحترمين في المجلس والحكومة أن مصلحة الشعب

للكويت وضعها الخاص المميز، الذي يوجب التعاون بين جميع أبنائها، بحيث يكونون يدا واحدة أمام أي حدث

مقدمة على غيرها وأن المصالح الذاتية الفردية ينبغي أن تتأخر لتفسح المجال للمصلحة العامة .

ولن تتحقق المصلحة العامة إذا أخذ كل تيار سياسي في حسبانه أن عليه أن ينازع التيارات الأخرى ويعرقل مشاريعهم واقتراحاتهم من أجل إطفاء شعبتهم، وإظهار تكالبهم على المناصب لذاتهم ولمحبيهم .. إن هذا –إن حدث- يدل على أننا نسعى نحو الخلاف المبني على حزازات نفسيه شخصية، ونسعى نحو الخلاف الذي يريد أن يفرق بين أبناء الكويت على أسس قبلية أو طائفية أو مذهبية، وكلنا يعرف نتيجة هذا الخلاف وأضراره على جميع المقيمين فوق الأرض الكويتية.

وأعضاء المجلس وأعضاء الحكومة هم واجهة البلد، ينظر إليهم ويحصون عليهم أعمالهم وأقوالهم، لأن هؤلاء الأعضاء وضعوا أنفسهم في مقدمة العاملين للخدمة العامة، والعاملون في هذا المجال تتجه إليهم الأنظار دائما وينتظر منهم الناس الكثير من العطاء والبذل والتضحية والتحمل والصبر، والابتعاد عن كل منّ أو أذى أو أن يحاول التشفي من هذا المسئول أو ذاك لأنه لم يلب رغبته، ولم يحقق مطلبه، فتجري له الاستجوابات في المجلس بحجج واهية، وأسباب ظاهرها الحرص على المصلحة العامة، وباطنها الانتقام أو الحسد أو الكبرياء.

إن العيون متعلقة بكم والآمال معقودة عليكم في إصلاح ما أفسد الدهر. فهل نرى ما تقر به العيون وتسر به النفوس؟ آمل في ذلك أن يكون.

العزوف عن الوزارة:

في الكلمة التي كتبها الأستاذ / فؤاد الهاشم جعل عنوانها تساؤلا مثيرا للعجب والدهشة “هل نستورد وزراء؟!!

وهو بالفعل عنوان يستحق العجب لأمر هو أعجب، لأن منصب وكيل الوزارة مثلا تجد كثيرين يبادرون محاولين الفوز به، وقد يهددون بالإستقالة إن خرج المنصب عن دائرتهم وشغله أحد من غيرهم، كما حدث مؤخرا عند اختيار وكيل وزارة التربية والتعليم. فإذا ما نزلنا في السلم الوظيفي عن درجة وكيل الوزارة إلى درجات أقل وجدنا نفس ظاهرة التسارع لفوز بالمنصب، وقد تحدث شكاوي أو تظلمات من بعض الذين لم يختاروا لهذا المنصب أو ذاك.

فإذا ما تركنا مجال الوظائف والدرجات إلى مجال الأداء الشعبي وجدنا تسابقا شديدا، كما حدث في انتخابات مجلس

المصلحة العليا للبلاد مقدمة على غيرها من المصالح، لأنها أبقى وأعظم، وأكثر نفعا وأعمّ فائدة

الأمة حيث زاد عدد المرشحين في دائرة واحدة عن عشرين مرشحا، يتم اختيار اثنين من بينهم –كما هو معروف- ومثل ذلك حدث في انتخابات المجلس البلدي، ويحدث ذلك في انتخابات النقابات المهنية والجمعيات التعاونية والأندية الرياضية وغيرها. هذا التسابق على جميع المستويات يتوارى وينكمش عند منصب الوزير، الذي يرفضه كثيرون ممن هم قادرون على حمله والإبداع فيه أو السير به إلى الأمام. ولعل هذا هو مثار العجب والاندهاش. لا لأن بعض الذين عرض عليهم المنصب رفضوه، لكن لأن منصب الوزير كان من المناصب ذات البريق اللامع، الذي لا يملك كثيرون أنفسهم حين يعرض عليهم من أن يقبضوا عليه بقوة، وقد يتحملون في سبيل الفوز به تضحيات ومشقات، فما الذي حدث اليوم حتى صرنا نتساءل: هل نستورد وزراء؟

لا شك أن هناك خللا ما نتج عنه تخوف الناس من هذا المنصب، وعزوفهم عنه، وخاصة وزارات الخدمات، التي تتصل مباشرة بالشأن الداخلي، ويلمس المواطن مباشرة ما أداه الوزير وما لم يؤده ويرى هل تحسنت الخدمات في عهده أم لم تتحسن؟ ولنا أن نتساءل نحن كذلك: هل الوزراء مبدعون أو منفذون؟ بمعنى هل هم يبدعون في وزاراتهم بناء على آراء الخبراء والفنيين الذي يستعينون بهم أم هم منفذون فقط لسياسة موضوعة سلفا لا يخرجون عن دائرتها مهما استدعت مصلحة الوزارة والعاملين فيها والمواطنين الذين يخدمهم؟

وإجابة هذا السؤال تعيننا كثيرا في تحديد أماكن الخلل، التي يتخوف الوزراء منها فيعزفون ويبتعدون عن هذا المنصب. ولست أنا المعني بالإجابة لأن هذه الإجابة تحتاج إلى عديد من القانونيين والفنيين في مجالات متعددة لتحديدها وتحليلها وبيان التغلب عليها.

هل الخلل في طريقه عرض الوزارة عليهم.

أعضاء الحكومة وأعضاء المجلس هم واجهة الدولة، تتجه إليهم الأنظار، ويراقب الناس أعمالهم وتصرفاتهم للحكم لهم أو عليهم

هل الخلل في أن بعضهم يريد وزارة معينة بينما تعرض عليه وزارة أخرى؟

هل الخلل في أن الوزير مسئول عن قطاع عريض في الدولة، يحمل فيه تبعة أي موظف لديه أمام مجلس الأمة؟

إن الأمر يحتاج إلى دراسة علمية موضوعية لا تحجب شيئا من الأسباب مجاملة لأحد، لأن الهدف ليس محاكمة شخص أو أشخاص، وإنما الهدف اعتبار الاعتبار لأحد المناصب العليا في الدولة والتي لا يمكن الاستغناء عنها. وإني لأرجو أن تأخذ هذه الدراسة كل الاهتمام حتى لا نضطر في المستقبل لاستيراد وزراء.