الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
تتنوع المواهب والاستعدادات بين الناس، وتتفاوت تفاوتا كبيرا بفعل الصقل والتدريب والتجربة والخبرة، وحب الاطلاع على كل جديد، ومحاولة التقبُّل والتغلّب على ما يستجد على الدهر مما لا تشتهيه النفوس وتحبه، ولذلك تعددت مهارات الناس وحرفهم وأعمالهم تعددا متشعب المسالك، متعرج الدروب، فمنهم من مهنته تأتي في قائمة الأولويات، ومنهم من تأتي مهنته في آخر المطلوبات، ولكن لا غنى لهذا عن ذاك ولا لذلك عن هذا
فالناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
والعمل في مجلس الأمة ليس حرفة من الحرف ولا مهنة من المهن، ولكنه محتاج إلى أن يتحلى صاحبه بكثير من
| النائب القادم ينبغي أن يتحلى بكثير من المهارات وكثير من القدرات؛ نظرا لخطورة موقعه في الدولة |
المهارات وكثير من القدرات، نظرا لخطورة موقعه في الدولة، حيث يتاح له من معرفة الأسرار ما لا يتاح لغيره، وتتوافر أمامه المعلومات الرسمية الموثقة بقدر يعجز غيره عن الوصول إليه، وتنتج عنه وعن أصحابه قرارات وموافقات أو معارضات قد تجنب الدولة مآسي متعددة، أو تصيبها في مقتل، إن كانت قرارت غير صائبة.
لهذا كله آثرنا أن نضع بعض تصوراتنا في النائب الذي يمثل الناس في مجلس الأمة، ولا نزعم لأنفسنا ولا إلى غيرنا أن هذه التصورات جامعة مانعة، أو أنها غير قابلة للزيا دة ولا للنقصان، فقد يضيف إليها غيرنا ما تكتسب به ثراء وجدة، وقد ينقص منها البعض ما لو حذف لأفاد وأجدى.
وأول ما ينبغي أن يتحلى به النائب أن تكون له مرجعية لا تخطئ، ولا نقصد بذلك مرجعية حزبية أو مرجعية لتيار بعينه أيّا كان توجهه، إنما أقصد أن تكون له مرجعية إلى الإسلام يحكم من خلالها على الأشياء والأحداث والمستجدات، مرجعية تجعله يقظ الضمير قوي الإحساس بآلام الناس، لا يتخلى عن واجبه نحوهم، ولا يصدهم عن بابه حين يحتاجون إليه، ولا يزيف أمامهم الحقائق من أجل أن يكتسب بينهم بطولة غير موجودة، مرجعية يستشعر بها رقابة الله عليه، فيعمل بدافع ذاتي، فيصدّ كل ما يخالف مرجعيته الدينية الإسلامية، ويعضد كل ما لا يخالف تعاليم الله ورسوله، مما لا بد منه للناس في حياتهم، وتكون هذه المرجعية الإسلامية الإنسانية السمحة هي الفيصل وهي الدليل لكل قول يقوله، أو عمل يعمله، أو حتى استجواب يقدمه، من غير نظر إلى استعراض العضلات، أو رفع الشارات.
والأمر الثاني الذي ينبغي أن يتحلى به النائب هو التجرد في كل أفعاله وأقواله عن أن ترتبط بمصالح خاصة لشخصه
| الهمة العالية والنظرة الثاقبة، ومعرفة عناصر التأثير ومرتكزاته، إلى جانب الغيرة على الوطن والحرقة لما يصيبه من أسى، هي بعض ما هو مطلوب في النائب المنتظر |
أو لفئته أو قبيلته أو طائفته، ولسنا نعني بذلك أن يتجاهل مطالب دائرته ومصالح الناس فيها، ولكننا نعنى أن تكون المصلحة العليا للدولة مقدمة في حسّه دائما على بعض المصالح الصغيرة التي تشغل بال هذا الشخص أو ذاك، أو تشغل بال هذه القبيلة أو تلك، ولا مانع من التوفيق بين المصلحتين إن أمكن ذلك، بحيث لا يقع ضرر ولا حيف على مصلحة الدولة.
والنائب يعيش في دوائر متعددة، دائرة أسرته ودائرة قرابته، ودائرة قبيلته أو طائفته أو انتمائه الحزبي أو غير ذلك. وعمله داخل هذه الدوائر كلها لا ضرر منه إن كان تحت مظلة المصلحة العليا للدولة، التي هي القطب في جمع هذه الدوائر بعضها إلى بعض، وإن كانت هذه الدوائر بما فيه مصلحة الدولة العليا لا تتعارض مع مرجعية الكتاب والسنة.
وثالث هذه الأشياء: اتساع الأفق وبعد النظرة، لأن كثيرا من المؤثرات الداخلية في أي بلد لا تنفصل عن بعض المؤثرات الخارجية، ذات الضغوط القوية التي من الممكن أن تذيب كل من يقف في طريقها، ولذا لا بد من معرفة مصدر التأثير في الداخل والخارج كما لا بد للطبيب المعالج من معرفة الجزء المصاب من جسم الإنسان قبل أن يعطي الدواء المناسب.
ومعرفة مصدر التأثير تفيد كثيرا في إمكان قبول الرأي أو رفضه بدون خسائر كثيرة ومع معرفة المصدر تكون
| استناد النائب في أقواله وآرائه إلى كتاب الله وسنة رسوله، يجعله بمنأى عن المنزلقات، بعيد عن العثرات، وهذا يزيده مكانة على مكانته عند الناخبين |
معرفة الهدف والوسيلة ومعهم جميعا يمكن تحديد المواقف، ولا يتأتى ذلك كله إلا لرجل أو لشخص شديد الذكاء واسع الأفق، بعيد النظرة لا تسيره الأحداث؛ لأنه قادر على النفاذ إليها قبل وقوعها ومعرفة خباياها فلا يعجزه أو يثقله التصدي لها.
الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا
ورابع هذه الأشياء: علوّ الهمة والغيرة على مصلحة الوطن، والحرقة لكل ما يصيبه من أسى.
وهذه صفات نفسية يظهرها العمل بين الناس في ميادين الحياة المختلفة، فالإنسان المحافظ على أمن الوطن، الحريص على إعزازه، الذي لا يدخر وسعا في خدمة الآخرين ليحقق لهم السعادة، هذا الإنسان الذي لا يرضيه إلا أن يكون عاملا دائما من أجل سلامة الوطن من الأخطار المحدقة أو القادمة، ومن أجل سلامة الناس وطمأنتهم إلى أن حاجتهم مقضية، لأن هناك من يفكر فيها كما يفكرون، ويعمل على حلها حسبما يريدون ويقدرون.
هذا الإنسان –بصفاته الجامعة- هو من نريده أن يمثلنا في مجلس الأمة القادم الذي سيعبر بنا إلى سنة 2000م وما بعدها، فهل هذه الصفات تتوفر فيمن يجيد القراءة والكتابة؟ وهل تتوفر في كثير ممن يجيدون القراءة والكتابة؟
وكم كنت أود من كثير من الذين تقدموا لحمل الأمانة في مجلس الأمة القادم أن يفكروا فيما هم مقدمون عليه من جسيم المسئوليات قبل أن يقدّموا أوراقهم وينشغلوا بالدعاية لأنفسهم، فإن كانوا على هذا المستوى فلهم الشكر على مبادرتهم، وإن كانوا غير ذلك فآثروا ألا يرشحوا أنفسهم فقد كفوا أنفسهم وإخوانهم مئونة الدعاية ومشقاتها، وجنَّبوا الدولة كثيرا من الخسائر والنفقات. وهم في هذا محسنون للآخرين، لأنهم ابتعدوا عن الخوض في لجة الانتخابات، التي تسفر في كل مرة عن غرقي في بحرها، أو عاجزين عن العمل من أجل الصالح العام، بعد السباحة الطويلة التي سبقت وصولهم إلى شاطئ المجلس، فجلسوا هناك يستريحون مما نالهم، ويستعدون لجولة قادمة. غير ناظرين إلا إلى مصلحتهم وحدها، فهي القبلة وهي الهدف وراء كل حركة وكلام، أو كل سكون وصمت.

