بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
“اللهم بارك لأمتي في بُكورها” بهذا الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذ البركة معناها السامي البعيد عن الدروشة والتشويش وعدم الاكتراث، إلى المعنى المقصود من كثرة الخير والنماء والكفاية، التي تفيض وتزيد عن العدد الكثير من الشيء القليل، وقد وردت الكلمة بهذا المعنى في القرآن الكريم. قال سبحانه: “ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد” (ق9).
فالبركة حقيقة ثابتة لا يحصل عليها إلا الذين عرفوا الورع في طعامهم واكتسابهم، وعرفوا الاعتدال في إنفاقهم، وعرفوا كيف يشركون غيرهم معهم في أرزاقهم، التي قد تكون قليلة في كميتها وفيرة في غنائها.
وقصة التغلبي مفتي الحنابلة بدمشق عبدالقادر بن عمر (ت 1135هـ) تدل على معنى البركة دلالة حقيقة لا مجاز فيها، فقد كان يرتزق من عمل يده في تجليد الكتب، ومن ملك له في قرية دوما، وبارك الله في رزقه، فحج أربع مرات، وكان يلازم الدرس لإقراء العلوم بالجامع الأموي بُكرة النهار، وكان ديِّنا، صالحا، عابدا، خاشعا، ناسكا، مصون اللسان، منور الشيبة، بشوش الوجه، تعتقده الخاصة والعامة، ولا يخالط الحُكام، ولا يدخل إليهم، وألجأته الضرورة مرة لأداء شهادة عند قاضي الشام، فدخل وجلس، فناوله الخادم فنجان القهوة فتناوله ووضعه بقرب فمه، وأوهم القاضي أنه شربه، ثم أعطاه للخادم، فعرف القاضي ذلك؛ لأنه كان يلاحظه، فقال له: أراك تورَّعت عن شرب قهوتنا، فمن أي تكتسب؟ فقال: من عمل يدي في تجليد الكتب، وقد حججت بحمد الله أربع مرات، فقال له القاضي: كيف هذا؟ فقال له: إن الله تعالى خلق آدم واحدا وبارك في ذريته حتى ملؤوا الدنيا، كذلك يبارك الله في الرزق الحلال القليل حتى يكون كثيرا، فأذعن القاضي لذلك، وأثنى عليه. (ثبت مفتي الحنابلة بدمشق ص10،11)
هذه البركة نراها كل يوم في العمل الإسلامي من حولنا، فيبارك الله في جهود القلة المخلصة، فتثمر أفرادا عديدين، والذين يقرؤون تاريخ الحركة الإسلامية والصحوة الإسلامية يجدون أنها قامت وبنيت على جهود أفراد محدودين عددا، موفورين نشاطا وهمة، أمدهم الله بمدد من عنده فشمروا عن ساعد الجد، وبذلوا غاية الوسع فأضافوا في كل يوم رصيدا إلى رصيدهم، فكثر عدد المنتمين، حتى إنهم يبلغون اليوم بغير مبالغة مئات من الألوف إن لم يزيدوا عن ذلك.
ورغم أن هذه الكثرة مطلوبة ومرغوب فيها إلا أنها لا ينبغي أن تخدع الحركة عن مراجعة نفسها من حين لآخر، لتراقب مظاهر الإخلاص لله في أفرادها، وتزيد من التقوى في القلوب، ومن الحرص على فعل الخيرات للناس، ومشاركتهم في كل ما يسرهم أو يسوؤهم.
لأن البركة في العمل لا يؤتاها إلا الورعون الأتقياء. فكم عدد هؤلاء الآن بين أفراد الحركة الإسلامية؟ وكم عددهم بين أفراد الصحوة الإسلامية؟
إن الأمر يحتاج إلى مراجعة شاملة للمنهج والطريقة التي تسير عليها الحركة الإسلامية، فبعض الأتقياء يتخفون، في حين يظهر غيرهم ممن ليس لهم من الورع نصيب كبير، وهؤلاء يصيبون العمل الإسلامي بشيء من الجفاف العملي، الذي يقطع حبال المودة بين العاملين، فتحل الجفوة وتزول البركة، ويقف الرصيد من الأفراد عن حدٍ بعينه، وقد يتناقص بأسباب الفتور والخمول واليأس، ولعل مظاهر هزال الحركة الإسلامية في بعض البلاد، وانكماشها على نفسها مرده إلى هذه الأسباب المعنوية، التي ينبغي أن يتحلى بها العاملون وأن يكتسبوها أثناء سلوكهم طريق الحركة والدعوة، ولن يستطيع إنسان أن يكتسب مودة الآخرين وثقتهم ما لم يأخذ لنفسه من العبادة والطاعة ومراقبة الله بنصيب كبير، ليحقق ما سجله الله –سبحانه- في كتابه: “يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون” إن البركة لا تكون ولا توجد بغير تقوى، فهي من نتائجها وثمارها، فإذا لم نحقق في نفوسنا التقوى، فلا أمل لنا في البركة، وإن كثرت الحركة، وزاد عدد الناس، لأنهم حينئذ يصبحون غثاء كغثاء السيل، لا يفيد وقد يضر.
إن هذه المراجعة للحركة ضرورة يفرضها العمل الإسلامي إن أردنا له الوصول إلى الغاية من أقرب طريق.

