بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

تضم الكويت بين جوانحها ما يقرب من مليوني نسمة، منهم كويتيون يزيدون على سبعمائة ألف نسمة، والبقية تمثل عديدا من الجنسيات العربية وغير العربية، الإسلامية وغير الإسلامية، وكل هؤلاء يجمعهم التعبير المتداول على الألسنة وعند أجهزة الإعلام، وهو لفظ (الوافدين) أي القادمين من البلاد الأخرى للعمل في بعض وزارات الدولة ومؤسساتها، أو للعمل عند بعض الأفراد الكويتيين.

والحديث العام عن الوافدين يضعهم كلهم في قائمة واحدة، ويتحدث عنهم وكأنهم شريحة واحدة لا اختلاف بينها في نوعية العمل وأهميته أو ضرورته أحيانا، ولا اختلاف بينها في المقدرة الفنية، أو الكفاءة الذهنية، وفي إمكان الاستغناء عن بعضها ببعض الوسائل التقنية، مع أن الدولة تعاملهم، وهي تضع في اعتبارها بعض عوامل الاختلاف التي لابد من مراعاتها عند الحديث عن حقوق هؤلاء الوافدين، وما يجب لهم؟ وما ينبغي عليهم ؟ إلى غير ذلك من الأمور، التي يغفلها الحديث العام في الجانب الإعلامي، وفي حديث الديوانيات والمناسبات، مما يتم فيه تداول الأحاديث حول بعض القضايا، ومنها قضية الوافدين.

والتفرقة لازمة عند الحديث عنهم من حيث العمل على الأقل، فلابد أن نفرق في الحديث المتداول أولا وعند اتخاذ

 للكفاءات في أي دولة اعتبارها، لأنها عماد النهضة وأساس التنمية.

التدابير المستقبلية المتصلة بهؤلاء الوافدين ثانيا، فلا يعقل أن أسوي بين الطبيب الناجح، والمدرس الكفء، والمستشار القانوني، والخبير الاستراتيجي، من ناحية وبين عامل النظافة أو السائق من ناحية ثانية.

وحتى لا يساء فهم كلامنا، ولا يخرجه أحد عن مقصودنا نقول: إن كل عمل شريف -وإن صغر في أعين الناس- يستحق صاحبه منا التقدير والاحترام، ما دام يؤديه بإتقان وإحسان .. فالعمل في ذاته إنجاز يفيد منه المجتمع، لكن نوعية العمل تختلف باختلاف المهن والحرف، وبالتالي ينبغي النظر إلى صاحبها والحديث عنه في ضوء ما يقدمه للمجتمع من خدمات وأعمال.

الرافد والوافد:

تسعى بعض وزارات الدولة وبعض مؤسساتها لاستقدام نوعية خاصة من العاملين أو فئة مميزة من بين الناس بضوابط معينة كالأطباء والمدرسين مثلا، ومن في حكمهم من القائمين بأعمال لا يستغني عنها المجتمع، ولا ينكر أحد دور هؤلاء في التنمية الكويتية بمختلف جوانبها الصحية والتربوية والاجتماعية وغيرها، وأن الاستغناء عن بعضهم فيه خسارة كبيرة، لأنهم ألفوا المجتمع وألفهم، وعرفوا عاداته وعرف طباعهم، وصاروا جزءا من حركة الدولة الكويتية، يكيفون أحوالهم بحسب ما تريد، ويعملون بهمة وإخلاص ولا ينبغي أن يقلل من مكانتهم، ولا أن  يحجب جهودهم شخص نشاز في مستشفى أو في مدرسة أو في أي موقع آخر، وهؤلاء لا ينبغي أن نسميهم وافدين، بل ينبغي أن نسميهم رافدين، فهم روافد للمجتمع الكويتي الذي ينمو ويكبر ويتسع على مر السنين.

وهو بحاجة إلى جهود هذه النوعيات التي أثبتت إخلاصها للبلاد، وحملت جزءا غير قليل من العمل في التنمية الكويتية، بل وبقي بعضهم في الكويت حتى أثناء غزوها، يخدم الكويتيين المقيمين أثناء الغزو، ويسعى في مصلحتهم ما استطاع.

أما غير هؤلاء من العاملين الذين نحترم عملهم ونقدر دورهم كذلك، فإنهم وافدون لأن نوع العمالة الذي يقومون بها لا

قد تغني الأدوات التقنية في بعض الأعمال عن الأيدي العاملة، ولكنها لا تغني أبدا عن الكفاءة الفنية المدربة.

يحتاج إلى نواح فنية كبيرة، ولا إلى قدرات ومهارات عالية، ويمكن أن يذهب بعضهم ويحل غيرهم محلهم -كما تفعل شركات النظافة كل حين- دون أن يتأثر أحد برحيل هؤلاء أو بقدوم أخرين.

هناك إذن وافد وهناك رافد، الأول يمكن استبدال غيره به، والثاني يصعب تغييره بعد أن أثمرت خبرته، وأثبت جدارته، ولذا فالحديث عن هؤلاء جميعا تحت اسم واحد ليس من الإنصاف، ووضع اللوائح والإجراءات التي تنظم التعامل مع هؤلاء وأولئك ينبغي النظر إليها من خلال هذه التفرقة، خاصة في ضوء المستجدات التقنية الحديث التي يمكن الاستغناء بها عن عدد غير قليل من أصحاب الأيدي العاملة، بينما تكون هذه المستجدات التقنية في خدمة المهارة الفنية، تسهل لها أداء عملها، وتيسر لها الوصول إلى العمل الصحيح، فمهما استجدت المستحدثات الطبية التقنية فإنها لا تغني عن الطبيب البارع، ومهما كثرت الوسائل التعليمية فإنها لا تغني عن المدرس الناجح، وهكذا في أمور كثيرة.

تحسين المعاملة:

وأمثال هؤلاء الوافدين للتنمية الكويتي ينبغي إحسان معاملتهم وإعطائهم بمقدار أعمالهم، وتوفير جوّ لهم يشعرون فيه بالاستقرار والاطمئنان على مستقبلهم القريب، حتى لا يتحولوا من الكويت إلى غيرها عند أول فرصة تلوح لهم -كما حدث بالفعل مع بعضهم- وفيهم كفاءات قد يصعب تعويضها، والناظر في أجور بعض الفئات يجد تفاوتا كبيرا بين أصحاب الفئة الواحدة قد يصل عند المقارنة في بعض الحالات إلى مئات من الدنانير، مع أن المهنة واحدة والخبرة واحدة والشهادات المطلوبة واحدة، وليس معنى ذلك تسوية هؤلاء بالحد الأدنى لبعضهم، ولكن معناه مراعاة الخبرة والجهد وطبيعة العمل عند تحديد الأجر، بحيث لا يكون التفاوت كبيرا عند أصحاب الفئة الواحدة كما هو الآن.

وعند نقطة الأجر هذه قد يختلف معنا بعض الناس بأن هناك نوعيات مختلفة يمكن أن تقوم بالأعمال بأجور أقل. ونحن نعرف ذلك ولا نجهله، لكنا نعرف أيضا أن الكفاءات في أي مجال لها تقديرها، ولها اعتبارها في أي مجتمع، إذ بهذه الكفاءات تنمو الدولة، والشخص الكفء في أي مكان قد يؤدي من المهام والخدمات ما لا يقوم به فريق، وينبغي إذن تقدير هذه الكفاءة، وإعطاؤها حقها، كي يظل عطاؤها ناميا وسعيها دائما نحو الرقي.

وكل المجتمعات الآن -بما في ذلك أمريكا ذاتها- تسعى لجلب العقول، وأصحاب الخبرات العالية والكفاءات النادرة لتساعد في التنمية، وتقوم بدورها في التطوير، وترسيخ وسائل التقدم.

والمجتمع الكويتي ليس بدعا في ذلك، لأنه يعز عليه أن تهمل شئون الكويت من أجل حفنة دنانير يوفرها من هنا لينفقها هناك، والبلاد المتعطشة للتقدم لا تبنى بالعملة الرخيصة، التي لا يرغب فيها أحد، وقد أدركت الكويت ذلك منذ بدأت في استقدام الآخرين، فاختارت كفاءات عالية بأجور عالية، فجعلوا الكويت وجهتهم، مما جعلها تزدهر ازدهارا عاليا في السبعينات والثمانينات، فكانت حينذاك أمنية كل كفاءة، وحلم كثير من القدرات أن يكون له من العمل في الكويت نصيب. أما اليوم فقد سبقتها دول أخرى في هذا المجال، لا لشيء إلا لتوفير رعاية أكثر لهم .. وأولى بنا -نحن الكويتيين- أن نعمل على رعاية هؤلاء ليكونوا رافدا قويا في تحقيق الرقي والتقدم الكويتي.

ولا نترك هذه النقطة أيضا دون أن نتحدث عن حقوق من أسميناهم الوافدين من عمال بعض الشركات، الذين تنشر الصحف من حين لآخر بعض إضراباتهم واحتجاجهم على أنهم لم يأخذوا أجورهم منذ شهور .. والكتاب الذين يتناولون -مشكورين- مثل هذه المشكلة، ويطالبون أرباب العمل أن يسددوا أجور هؤلاء، لأن إضرابهم من أجل المطالبة بحقوقهم يشوه صورة الكويت أمام لجان حقوق الإنسان .. هؤلاء الكتاب لهم الشكر والتقدير لغيرتهم على مكانة الكويت في المحافل الدولية وأولى بنا أن نراقب الله في هؤلاء قبل أن نراقب حقوق الإنسان، وأن ندرك “أن الظلم ظلمات يوم القيامة” وأن “من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة” وأن الله سبحانه حرّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما، وأن دعوة المظلوم مستجابة، وفي الحديث: “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه” لكل هذا ينبغي إعطاء هؤلاء وأمثالهم حقوقهم في موعدها، لأن من ورائهم أسرا تعيش في بلادهم، وأناسا ينتظرون ما يرسله إليهم هؤلاء الذين يعيشون في الكويت بلد الخير. وهنا ننقل ما كتبه الأستاذ مبارك بن شافي في جريدة الوطن بتاريخ 6/5/98 قال: قبل أيام وجدت أحد أبناء الجاليات المصرية يتذمر عند أحد الأصدقاء من فعل رب العمل الذي يعمل عنده. يقول: أنه أمضى ثلاثة أشهر دون أن يتسلم راتباً، وهو الآن يصرف مما يتسلفه من أبناء موطنه الأصلي،  لكنه لا يستطيع أن يستمر على هذه الحال.

وقبل ذلك بسنوات وجدت أحد العمال البنغلاديش الذين يعملون في شركات النظافة المتعاقدة مع شركة نفط الكويت

 الضوابط الأخلاقية والروابط الاجتماعية لا غنى عنهما لكفاءة منتجة، تصلح ولا تفسد، وتبني ولا تدمر.

يبكي، وعندما سألته عن السبب قال: إنه لم يتسلم راتبه منذ ستة أشهر، ولم يأكل منذ ثلاثة أيام.

وعندما بحثت في الأمر وجدت صاحب العمل المتعاقد مع الشركة الذي امتهن امتصاص دماء البشر يكسب من وراء جوع هؤلاء المساكين مئات الآلاف من الدنانير، ويشح على العامل براتبه الذي لا يتجاوز ثلاثين ديناراً.

حاولت أن أساعد هذا العامل المسكين بالطرق الرسمية فوجدت الأبواب موصدة والآذان بها صمم، فقدر الله ما شاء وساعده ثلة من الزملاء الأخيار هو وغيره، بأن اقتطع كل منهم جزءا من راتبه لإعاشة هؤلاء المساكين.

لكن ذلك لم يكن حلا دائما، ولن يكون كذلك ما دام هؤلاء المساكين لا يجدون من ينقذهم من جشع التجار.

ولقد قتلني سؤال أو كاد: من المسؤول عن هؤلاء؟ الشؤون؟ لا أعتقد أنها تملك الوقت الكافي لمساعدتهم فهي مشغولة بسن القوانين التي لا تسمن ولا تغني من جوع. الداخلية؟ لا يهمها من أمرهم إلا صلاحية الإقامة!!.

مجلس الأمة؟ لا أظن، فهناك مقاييس خاصة لتناول المواضيع وموازين ليس من بينها المحافظة على إنسانية الإنسان.

لذلك، نطلقها صرخة علّها تصل إلى مسامع من له الأمر في هذا الوطن: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. إن كل من على هذه الأرض أمانة في أعناقكم،  فأدوا الأمانات، جزاكم الله خيراً!!

فكيف لا نبالي بدفع أجور هؤلاء حتى يضطروا إلى القيام بإضراباتهم، وتتدخل سفاراتهم، ويشاهد ويسجل مراسلو الصحف الأجنبية ما يظهرونه من غضبهم وسخطهم؟ ثم بأي حجة نلقى الله وقد أخرنا أجور بعض خلقه وهم في احتياج إليها؟

ضوابط:

الكفاءات إذن مطلوبة، ومن الصعب الاستغناء عنها، وينبغي أن نعمل على استقدامها وتحقيق الرعاية اللازمة لها، لأننا نريد أن نبني الكويت على أسس راسخة ثابتة، ولذا فإن التركيز على العمالة المدربة، والخبرة الفنية العالية هو ما ينبغي الالتفات إليه في هذه الآونة، ومع التدريب والكفاءة لابد من عدة اعتبارات لنضع الأمور في نصابها، ونحن ذاكرون لك -أخي القارئ- بعضها:

أ- انتقاء أصحاب الأمانة والشرف، فلا قيمة لخبرة فنية بغير أخلاق، لأن صاحب هذه الخبرة قد يفسد ولا يصلح ويدمر ولا يبني، والعمل الفني قبل غيره يقوم على الأمانة ومراقبة الله قبل غيره، فإن لم يكن هذا موجودا فهل يوجد غيره؟ إن أصحاب الخبرة ما لم يكن لهم وازع من خلق قد يجلبون معهم من الانحرافات ما يصيب المجتمع بأضرار كثيرة في المستقبل، حين تتفشى بين الناس أخلاقهم السيئة، وعاداتهم المنكرة، وتفاديا لوقوع مثل هذه الأضرار ينبغي التدقيق والتركيز عند الاختيار وأمر الاختيار هذا قائم على غلبة الظن أكثر من كونه قائما على اليقين، فلنحاول ذلك ما استطعنا والله يعيننا ويوفقنا.

ب- ينبغي التقليل قدر المستطاع من شريحة العزاب، لأن للمتزوجين روابط اجتماعية تفرض عليهم الالتزام بسلوكيات معينة وانضباط في العمل،

 كل عامل يؤدي عمله بإتقان وإحسان يستحق منا التقدير والاحترام.

وحرص على أن يكون بين الناس نموذجا معتدلا لا يجنح إلى الفساد، لأن اهتمامه منصب في الدرجة الأولى بعد عمله على تربية أولاده، والعناية بأسرته، أما العزاب فبماذا يهتمون -بعد عملهم؟- ولسنا نتهم أحدا من هؤلاء العزاب بسبب وضعهم الاجتماعي الذي لا خيار لهم فيه في أغلب الأحوال. ولكننا نفضل لمن يعيش بيننا أن يكون قد اكتمل بناؤه الاجتماعي، فذلك أدعى للاستقرار.

وإذا حدث ذلك فإن حركة الإنتاج والبناء والعمران والنماء التجاري والاقتصادي والتقدم المادي والمعنوي ستزداد حتما عما هي عليه، وستقل حوادث كثيرة، وتتلاشى جرائم عديدة، وستظهر روح التعاون والمحبة أكثر وضوحا وبروزا بين الذين تضمهم الكويت بين جوانحها ، وتنمي فيهم حبها والحفاظ عليها، وحسن الدعاية لها عند عديد من الشعوب.