بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الخلاف المذموم والخلاف المقبول:

الخلاف الذي يصل إلى حد المنازعة والمخاصمة بين الأفراد أو الجماعات أو الدول الصديقة والشقيقة مذموم ومرفوض، لأنه جاوز حده، وخرج عن الخط الذي ينبغي أن يظل فيه، مما يجعله كفيلا بهدم جسور المودة بين الناس أو الدول.

وقد يختلف اثنان في الرأي من غير أن تقوم خصومة أو يحدث شقاق بينهما، لأن خلافهما يعبر عن وجهة نظر كل منهما نحو مسألة معينة، وقد يتفق المختلفان على حل مشكلة من المشاكل ثم يختلفان في وسائل هذا الحل، وقد يتفقان على الهدف والوسيلة ويختلفان في المدة الزمنية اللازمة لذلك.

فليس بالضرورة أن يكون الخلاف تاما في كل شيء، إذ قد تعدد وجوه الاتفاق حول الشئ الواحد وتختلف وجهات

الوفاق الذي تمّ بين المملكة العربية السعودية وبين دولة الإمارات العربية أثلج صدر كل مواطن محب للخير والأمان 

النظر حول جزئية محدودة منه ، ومن الضرورة اللازمة أن يظل الخلاف في دائرته المحدودة لا يخرج عنها ولا يتجاوزها ، ولعل المقولة المشهورة : اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية تدخل في إطار الخلاف المحدود الذي يتفهم كل طرف فيه دوافع الآخر وأهدافه، فيلتمس له العذر في هذا الخلاف، ويكون هذا العذر بمثابة نقطة التقارب والالتقاء بين الطرفين، مما يجعل تلاحم الصف وتقاربه يقوم من غير منغصات.

وفاق لا شقاق:

والخلاف الذي ظهر مؤخرا بين دولة الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية لم يكن من الممكن قبوله أو استمراره أو السكوت عنه دون محاولة للإصلاح وتقريب وجهات النظر، لأن الدولتين ركنان من أركان مجلس التعاون الخليجي، وعضوان بارزان في منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي جامعة الدول العربية، ولأنهما دولتان جارتان بينهما من علاقات التقدير الاحترام ما يكفي لمحو أي خلاف أو نزاع بينهما، وتحجيم دوره ونزع فتيله، ولأن قادة الدولتين والمسئولين فيهما يتميزون بالوعي الكامل والإدراك التام لمدى ما يجره الخلاف بينهما من خسائر لهما أولا ، ولدول الخليج ثانيا، والدول العربية ثالثا ، ولدول العالم الإسلامي رابعا.

وقد كانت مبادرة أمير دولة قطر لإزالة أسباب الخلاف بينها مبادرة طيبة جاءت في وقتها، فحسمت النزاع والخلاف الذي أوجده أن كل دولة منهما نظرت من زاوية خاصة بها، فالإمارات ترى أن الجزر الثلاث ، التي استولت عليها إيران من عدة سنوات كفيلة بتأخير أي تقارب بينها وبين أي دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي، والسعودية ترى أن التقارب الذي حدث مؤخرا بينها وبين إيران لا يفهم منه التسليم بالأمر الواقع في الجزر الثلاث ولا يترتب عليه إعطاء أي حق لإيران في استمرار السيطرة على هذه الجزر، وتصريف شئونها.

وأظن أن كلتا الدولتين (السعودية والإمارات) تفهمت موقف الأخرى، وقدرت وجهة نظرها، ومن ثمَّ عاد الوفاق بين

أدعو كل قادر على الإصلاح بين فردين أو جماعتين أو دولتين أن يبادر بمحاولته ، حتى لا يبقى بيننا شقاق أو خصام 

الدولتين الشقيقتين، وبعودة هذا الوفاق يسعد كل محب للخير، حريص على وحدة الأمة، ونأمل أن ينمحي كل خلاف بين الدول الإسلامية والعربية، وأن تزول أسبابه الجغرافية أو العرقية أو الطائفية أو الحزبية أو اللسانية، التي غرس الاستعمار بذرها في أرضنا المسلمة فأنبتت لدى البعض أشجارا مرة الثمار، وأنبتت لدى آخرين حشائش ضارة يمكن القضاء عليها بقليل من الجهد، وإننا ندعو كل قادر على إبطال أي خلاف –مهما صغر- بين جارتين أو دولتين مسلمتين أن يبادر بصنيعه وأن يتقدم به، لعل الله أن يبارك في جهودهم، فتزول أسباب الشقاق وينفتح الطريق واسعا أما الوفاق. وما ذلك على الله بعزيز.

في ساحة الانتخابات:

كلما حاولنا الابتعاد بالحديث عن ساحة الانتخابات الكويتية، شدتنا إليها وأعادتنا إلى الحديث فيها وعنها من جديد، لأن التصور الصحيح لهذه الساحة أنها ميدان سباق يمكن أن يتقدم إليه من يشاء سواء تدرب قبل ذلك واستعد أم لم يفعل، ويوم السباق يبرز المتدربون المستعدون له بالوعي والخبرة والمهارة والحنكة وإثبات القدرة على خدمة الناس في ميادين سابقة من قبل، هؤلاء وأمثالهم يتقدمون في السباق، ويتأخر غيرهم، وليس في هذا السباق من يعوق غيره، ويضع العوائق والأشواك في طريقه ليتقدم هو، لأن الأساس في كل سباق أن تقوي نفسك لا أن تعوق غيرك، والذين يضعون الأشواك أمام المنافسين، يضعون جذور الفتنة في المجتمع، تلك التي لو شبت فإنها تقضي على الأخضر واليابس، وتحوّل ساحة المنافسة الشريفة إلى ساحة يتطاير منها الشرر كما حدث قديما في حرب داحس والغبراء.

بضاعة في سوق الديمقراطية:

ولسنا نعدم في ساحة الانتخابات من يتقدم بتاريخه في خدمة الناس، تدفعه إلى ذلك الثقة، فلا يشتط في وعوده، ولا يسفّ في كلامه، ولا يتعرض للأشخاص أو الهيئات بالتجريح، ولا يرمي بالاتهامات هذا أو ذاك من الذين عرف عنهم المجتمع صدقهم وإدراكهم لمتطلبات الناس، وحرصهم على المصلحة العامة، التي تدعوهم إلى الإقدام حينا وإلى الإحجام حينا ، فلا يتأخرون عند الإقدام ، ولا يتباطئون عند الإحجام.

في ساحة الانتخابات هذا الصنف ، وفيها صنف آخر لا يدرك من أبجديات هذا السباق إلا أن عليه أن يشوه صورة هذا أو ذاك، وأن يتهم –بغير دليل- زملاء السباق بتهم صغيرها يستحق المحاسبة وأحيانا المقاضاة أمام القضاة، وهؤلاء وأمثالهم يعتمدون على الطائفية والحزبية، وكل ما يؤدي إلى التمزق النفسي، ويترك في النفس آثارا قد تبقى زمنا حتى تمحى. فلماذا هذا التشويه وهذا التمزيق؟

إن سوق الديمقراطية –إن صح التعبير- يعرض فيه كل مرشح ما عنده من البضاعة من غير أن يذم هذا بضاعة ذاك،

السباق في ساحة الانتخابات ينبغي أن تكون وسائله شريفة نظيفة ، بعيدة عن الإساءات 

فإن كانت حسنة أقبل عليها الجمهور واشتراها بثمن غال، وإن كانت كاسدة فاسدة أعرض عنها وتخوف من شرها أو القرب منها.

إن هذه الساحة الانتخابية وجدت ليستشعر المواطن فيها أهميته، وليدرك أن له رأيا في تقرير أمور دولته عن طريق وكلائه وممثليه في مجلس الأمة، فهو بذلك عضو متفاعل مع الآخرين في الدولة، وهذا التفاعل العام من جمهور الناس يؤدي إلى قوة القرار وقوة في النظام وقوة متماسكة في الدولة.

فهل الاتهامات والشائعات للأفراد أو للهيئات تؤدي إلى ذلك؟

وهل تصنع المزايدات الممقوتة –في سوق الانتخابات- غير الفرقة والشتات؟

أخطار وتحديات:

إن هذه الانتخابات لا ينبغي أن تجعلنا ننسى أن هناك الآن محاولات تتم على استحياء من بعض الدول الغربية والشرقية لإعادة العراق بنظامه الحالي الذي اكتوينا بناره – إلى الساحة الدولية، مقابل مصالح غير معلنة ولكنها لا تخفى على صاحب إدراك يتدبر ويتأمل، ومثل هذا الأمر يجعلنا لا نذهل عن توفير أقصى درجات الأمن والأمان لبلدنا بكل ما نستطيع، والتناحر الذي يعقبه تدابر في الساحة الانتخابية، لا يؤدي إلى ذلك ولا يقرب إليه.

فلنحذر أن نكون كأهل روما الذين جلسوا يتجادلون في صغائر الأمور وروما تحترق من حولهم.

وإن أمامنا تحديات صعبة في القرن القادم وفي العقود الأولى منه على وجه التحديد، حيث تتوالى في كل يوم –تقريبا- اكتشافات بترولية ضخمة، وتدخل إلى سوق النفط دول جديدة مما يجعل المعروض من هذه السلعة يفوق الطلب، وهذا يمكن الدول الصناعية من التلاعب في أسعاره، أو الإعراض –بعض الوقت- عن استيراده من جهة معينة، فإذا أضفنا إلى ذلك المتطلبات الكثيرة التي تحقق لعدد كبير من الشباب الوظائف والمساكن وتوفر للناس الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها أمكننا أن نعرف مدى الجهد الذي ينبغي أن نبذله لتحقيق المطالب والقضاء على المشاكل. وكل جهد في ذلك المجال تضيع ثمرته إذا صاحبه الخلاف والشقاق والتنازع بين الهيئات أو المؤسسات أو السُّلْطات. ومن هنا

أمامنا تحديات صعبة خارجية وداخلية ، تحتاج منّا إلى تعاون وتلاحم ووحدة ، حتى ندرأ أخطارها

تأتي أهمية اتخاذ الوسائل الشريفة للغايات الشريفة، دون أن يؤثر فيها حدث طارئ ينتهي يوم الانتخاب ، فلنحتفظ    –دائما- باحترامنا لأنفسنا وللآخرين، ولنبتعد عن كل ما يسيء أو يشين حتى تبقى صفحة الانتخابات في حياة الكويت بيضاء نقية ، وحتى تظل الكويت كلها في قلب كل مواطن ، يحرص على سلامتها، ويساهم في حمايتها ، ويعمل على بنائها وصيانتها من كل من يحاول العبث فيها .

قناة الجزيرة:

حسنا فعلت وزارة الإعلام حين أغلقت مكتب قناة الجزيرة في الكويت، وإن كان هذا العمل قد جاء متأخرا عن وقته كثيرا، لأن توجه هذه القناة منذ بداية بثها، وظهور صوتها كان توجها معروفا لكل ذي فكر وبصيرة، فليس يخفى على أحد توجهها وتوجه العاملين فيها، فهي قناة مأجورة تعمل لصالح جهات عديدة داخلية وخارجية، وهي التي تغذيها بالمال وتستعد بها على الآخرين. ومنذ أن بان نهجها فقد ابتعدنا تماما عن المشاركة فيها في حديث أو نقاش، لعلمنا أن الذين يعملون فيها تميل آراؤهم نحو جهات أخرى وحتى وإن ابتعدت عن الحق، وآثرت الباطل والضلال، لذا فقد نأيت بنفسي عن أن أزج بها في مستنقع هذه القناة الهابطة، التي لا يحلو لها إلا الإسفاف وإلا السباب والهجاء المقذع، ولطالما قدم بعض العقلاء النصح للعاملين فيها أن يكفوا عن مساوئهم، وأن يعملوا على إرساء قواعد إعلامية نظيفة، ولكن العاملين فيها أصموا أسماعهم، واستمروا في غيهم دون أن يعبأوا بأحد، فاستوى عندهم الناصحون وغيرهم لأنهم يصدق عليهم قول الله: “إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث”

إن الحقائق تظل ثابتة لا يهزها إفك مذيع أو ادعاء جاهل، أو كذب سفيه، لأن الحقيقة أبقى من هؤلاء جميعا وأعظم، وليس لمأجور أن ينصف، لأن الإنصاف سمة الرجال الأحرار الذين لا يبيعون أنفسهم لأحد. فكيف يمكن أن تقدم قناة الجزيرة وهي مأجورة من ألفها إلى يائها؟ وكيف يمكن للعاملين فيها إلا أن يعيشوا وسط التزييف والتزوير والضلال والبهتان؟ فالحمد لله الذي جعلنا لا نشارك معهم في أي عمل، والحمد لله الذي كشف زيفهم وأظهر باطلهم “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

ولئن كان أمير قطر قد قام بإصلاح ذات البين بين المملكة العربية السعودية وبين دولة الإمارات

قناة الجزيرة المأجورة آثرت الباطل والضلال على الحق والاعتدال، والعاملون فيها لا مجال لهم إلا وسط التزييف والتزوير والافتراء

العربية، لإدراكه أن فساد ذات البين هي الحالقة التي لا تحلق الشعر، بل تحلق الدين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يسمح لقناة الجزيرة أن تفسد ذات البين بين قطر وبين الكويت، إن إصلاح ذات البين هنا أمر لا يقل أهمية عن إصلاح ذات البين هناك، إذ إن الهجوم على سمو أمير دولة الكويت، ولكل من يدرك مقدار ما يتمتع به الإنسان في الكويت من خير ونعمة.

وإننا لنعجب ونلوم كل مرشح دفع 50 د.ك حين يذم ويتهجم على هذا أو ذاك أفلا نعجب ونلوم شخصا مكنت له الجزيرة أن يسب أمير البلاد في مكالمة تليفونية لم تكلفه أكثر من بضعة دولارات؟

إن إغلاق مكتب قناة الجزيرة في الكويت هو مرحلة أولى ينبغي أن يتبعها من جانب دولة قطر إجراء رسمي يعيد الصواب إلى العاملين فيها، وإلا كانت إحدى وسائل التمزق والاختلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي. وهل من التعاون أن تسمح دولة لقناة فيها بتمكين من يسب أمير البلاد؟ أي تعاون ذلك؟ إن التعاون يكون في درأ الإساءة، والابتعاد عن الخصومة، وجلب عوامل المحبة والوحدة. فهل ما تفعله الجزيرة يوصل إلى ذلك؟ وإننا في انتظار إجراء رسمي من دولة قطر يعتدل به ميزان هذه القناة أو حتى ينكسر به ميزانها.