الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين
منطقة متوترة:
لم تكن الأزمة التي مرت بالخليج في الأيام والأسابيع الماضية هي الأولى من نوعها وأحسب أنها لن تكون الأخيرة، لما تتمتع به المنطقة من نعم أفاضها الله عليها، نعم جعلت أبناء هذه المنطقة من المتمتعين بمكان بارز بين الدول التي تعد من بين أصحاب الدخول العالية، مما جعل لعاب بعض الناس يتحلب وشفاههم تتلمظ للحصول على بعض هذه النعم بطريق أو بآخر، فكان كيدهم وكان تدبيرهم إلى جانب الحسد من بعض الأقربين في الجوار، والجهل من بعض المسئولين في المنطقة بما يدبر لها، ويحاك في الخفاء لتكبيلها، والاستيلاء على بعض خيراتها .. إلى غير ذلك من الأسباب التي جعلت من هذا الخليج منطقة ملتهبة منذ قرابة عقدين من الزمان، ما تكاد النيران فيه تهدأ حتى تشب من جديد، دون أن يخمد أوارها، أو ينطفئ جمرها.
من هنا نظن -وبعض الظن إثم- أن هذا التوتر مقصود، وأن الشد والجذب والتلويح بالأمل في خلع الطاغية صدام،
|
النعم التي وهبها الله لأهل الخليج يتحلب لها لعاب بعض الناس وتتلمظ شفاههم. |
والتخويف من الألم الذي صاحب مرحلة التوتر الماضية وما تحدثه الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية وغيرها من الأسماء التي تحدث آلاما نفسية، وتثير زوابع معنوية، كل هذا أمر مقصود، ليكون بمثابة مقدمة تؤدي إلى نتيجتها المرتقبة في غير غضب ولا نفور .. فما هذه النتيجة؟
إن النتيجة المعلنة هي تدمير أسلحة الدمار الشامل، والسماح لمفتشي الأمم المتحدة بالوصول لأي مكان في العراق لتفتيشه، فأين إزالة الباغي من هذه النتيجة المعلنة؟ إنها ليست في الحسبان، فأولبرايت صرحت أن إزالة نظام صدام ليس هو المراد، وإنما المراد احتواؤه!!!
وكارتر أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية السابقين صرح بأن الضربة -التي كانت متوقعة في حالة فشل مهمة عنان- لن تزيل صدام، بل إنها ستقويه وتدعمه.
وخبراء الاستراتيجية والعسكرية قرروا أن الضربات الجوية لا تقضي على جميع أسلحة الدمار الكامل، مما يجعلنا نتساءل: فيم كانت التوتر الذي ساد المنطقة من بضعة أسابيع؟ وما جدواه إن لم يكن مقدمة لأمر قادم بعد شهور أو بعد سنين؟ ومن الكاسب من وراء هذا التوتر ومن الخاسر؟
تهمة عالقة بالجائرين:
والمستقبل كفيل بكشف الستار، ولن يتحقق هذا الكشف إلا بعد أن تختلف الآراء، وتتحكم الأهواء، ويضيع بين الرغبة والرهبة الحق والوفاء، ويشتجر الناس ويختلفون، ويتبادلون التهم ويزايدون: حول استدعاء النصارى إلى الخليج، وإعطائهم فيه حق الوجود، ورفع رايتهم فوق مياهه، بحيث لا يمر شخص أو شيء أو عمل إلا من تحت هذه الراية، فإذا استقر الأمر على هذا النحو هدأت الأحوال، ولكن بعد أن تتدفق في جيوب الآخرين الأموال.
ونحن لا ننكر وجود الآخرين في الخليج، ولكننا نتساءل مع المتسائلين ومن الذي استدعاهم؟ أهم الخليجيون أم العفلقيون؟ هل قرأتم أن الجيش الكويتي استولى على بغداد وشرد أهلها واختطف أبناءها، واغتصب نساءها، وسرق أموالها، وحرق آبار النفط فيها، وأبى إلا أن يعلن أن العراق جزء من الكويت تابعة لها، وأن الأرض يجب ألا يكون فيها دولة اسمها العراق؟ هل قرأتم أو سمعتم وشاهدتم هذا أو قرأتم وسمعتم وشاهدتم أن الجيش العراقي سنة 1990م استولى على الكويت، وأزال اسمها من فوق الأرض، ولم يترك فيها صغيرة ولا كبيرة إلا ادعاها لنفسه، بعد أن شرد أبناءها، واختطف بعض شبابها، ونهب أموالها، واغتصب حرماتها، وأبى أن يخرج من فوق أرضها، أو يتزحزح عن كيانها مدعيا أنها جزء من العراق عاد إلى كله، وفرع عاد إلى أصله، فالتأم به الشمل، يا من تزايدون ألم تشاهدوا هذا؟ ألم تقرؤوه؟ ألم تسمعوه؟ ألم يعشه بعضكم؟ فماذا يفعل الكويتيون؟ وإلى أي وجهة يتجهون؟ وهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه، ولا مسعى إلى سلكوه، لكي يعيدوا حقهم، ويسترجعوا بلدهم، ويحافظوا على بعض ما في أيديهم .. فكانت القوة الوحيدة القادرة على إرجاع هذا الحق إليهم هي قوة هؤلاء النصارى .. أينكر أحد شيئا من ذلك؟ أتلومون الكويتيين على ما فعلوا وأنتم لم تذوقوا ما ذاقوه، ولم تكابدوا ما كابدوه؟ أليس جار السوء الذي ستدور عليه الدائرة يوما ما هو باعتدائه الآثم وفجوره الباغي وتجبره الذي أبى التراجع هو الذي دفع إلى ذلك، وماذا يفعل الذي اشتعلت النيران في بيته وأمسكت بثيابه إلا أن يمسك أقرب يد امتدت إليه، لينجو من النار؟ ماذا يفعل الغريق المستغيث إلا أن يتعلق بأقرب شيء فيه حياته؟ أم أنكم لا ترون غير هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، دون أن تروا البعير تثقله الأعباء الجسام حتى كل وأعيا فجاءت القشة التي قصمت ظهره؟
إننا غير منكرين وجودهم، ولكننا ننكر على غيرنا ألا يعرف حجتنا، وألا يقبل منطقنا وهو منطق المستصرخ الذي لم
|
منذ عقدين من الزمان والنيران ما تكاد تهدأ في المنطقة حتى تشب من جديد دون أن يخمد أوارها أو ينطفئ جمرها. |
يجد من يصرخه إلا هؤلاء، أفلو عادت لنا بلدنا وديارنا وبعض خيراتنا على أيدهم نقول: لا ونأبى، في الوقت الذي لا نجد عند غيرنا من إخواننا مأوى ولا نجد من بين البشر ناصرا ولا معينا؟ فلماذا التجني على الحق والتحامل على الصدق؟ ولماذا لا نسمي الأشياء بأسمائها، ونرى الحقائق بذاتها ثم نحكم لها أو عليها؟
مهمة التاريخ التي أضعناها:
إن التاريخ -في الحقبة الحاضرة- يعيد نفسه دون أن نستفيد من هذه الإعادة عبرة ولا عظة، ودون أن نأخذ لأنفسنا منه عظيم فائدة ولا جليل عائدة كما يقول الإمام أبو شامة في كتابه: مختصر كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، ثم يردف ذلك بقوله: (وفي كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أخبار الأمم السالفة، وأنباء القرون الخالفة، ما فيه عبر لذوي البصائر، واستعداد ليوم تبلى السرائر، قال الله -عز وجل- وهو أصدق القائلين: “وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين” ويستطرد: (وقد اختار الله -سبحانه- لنا أن نكون آخر الأمم، وأطلعنا على أنباء من تقدم لنتعظ بما جرى على القرون الخالية، وتعيها أذن واعية، فهل ترى لهم من باقية، ولنقتدي بمن تقدمنا من الأنبياء، والأئمة الصلحاء، ونرجو بتوفيق الله -عز وجل- أن نجتمع بمن يدخل الجنة منهم ونذاكرهم بما نقل إلينا عنهم، والمرء مع من أحب .. وإن الجاهل بالتاريخ راكب ظهر عمياء، خابط خبط عشواء، ينسب إلى من تقدم أخبار من تأخر، ويعكس ذلك ولا يتدبر، وإن رد عليه وهمه لا يتأثر، وإذا ذكر فلجهله لا يتذكر) (نفس المرجع ص20-21).
وأهمية التدبر في التاريخ وأخذ العبرة منه والعظة التي ذكرها أبو شامة أكدها وأصلها رائد علم الاجتماع ابن خلدون بقوله عن التاريخ في المقدمة: (فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا) (ابن خلدون في المقدمة).
فهل استفدنا من التاريخ في حياتنا المعاصرة أو أننا نكرر أخطاء السابقين فيظلم بعضنا نحن -المسلمين- بعضا، ويغزو
|
نتساءل مع المتسائلين: من الذي استدعى للمنطقة غير المسلمين؟ أهم الخليجيون أم العفلقيون؟ |
بعضنا بعضا، حتى نضطر للاستنجاد بغير المسلمين فيأخذون بعض ما في أيدينا، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ألم يحدث ذلك مع مسلمي الأندلس إبان ملوك الطوائف؟ ألم يحدث ذلك مع المسلمين في الشام ومصر إبان الحروب الصليبية؟ يعتدي بعض المسلمين على جيران مسلمين فيستنجد هؤلاء بالنصارى لرد العدوان ومنع الطغيان، ثم ما لبث التاريخ أن طوى الجميع في الأندلس، ونسأل الله أن يسلم وجه الأرض في الشرق العربي الإسلامي من أن يحدث فيه ذلك، فلا يستعين المسلمون فيه باليهود ولا يحتمون بهم ولا يوادعونهم ولا يتخذونهم أولياء.
صفحة من التاريخ:
إن ما حدث في الأندلس فيه الغناء لقوم يعتبرون لو كانت العقول مفكرة، والقلوب متدبرة، لقد كانت بلادهم -حتى بعد أن تقسمت دولا- ترفل في النعمة، فدب بينهم الحسد واعتدى بعضهم على الآخر فاستنصر بالنصارى فأعانوه .. لا لوجه الحق ولكن لوجه النفع، وظل المسلمون لا يتعظون ولا يعتبرون رغم القوارع التي تصيبهم أو تحل قريبا من دارهم حتى بادوا جميعا، وأصبحوا أثرا بعد عين، وصدق فيهم قول الشاعر الأندلسي:
النفس تفزع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور؟
وإليك أخي هذه الصفحة من تاريخ الأندلس:
(استولى بنو زيري على مالقة وقضوا على بني حمود عام 449هـ / 1057م، ثم استطاع بنو عباد الاستيلاء منهم على جيان عام 466هـ / 1074م، فاضطر أمير غرناطة للاستعانة بقوات الفونش السادس ملك قشتالة، لكن المعتمد بن عباد أرسل وزيره أبا بكر ابن عمار إلى الفونش السادس وعقد معه حلفا ضد غرناطة نظير خمسين ألف دينار، وكان ابن ذي النون أمير طليطلة قد توسط لدى الفونش حتى يرضى بمحالفة غرناطة، ويتمكن هو من الاستيلاء على قرطبة، وقد أراد الفونش أن يصعد الخلاف ويكرس العداوة بين المسلمين فحالف غرناطة، وترك ابن ذي النون يستولي على قرطبة عام 462هـ، وكانت قرطبة في الواقع تحت سيطرة بني عياد.
ولما أسرع بنو عباد لانقاذ قرطبة من يد ابن ذي النون وكان كلاهما يستعين بالنصارى المرتزقة، أدرك الأخير صعوبة بقائه على حصار قرطبة وعاد إلى طليطلة، وانتهز بنو عباد الفرصة واستولوا على قرطبة من يد حلفائهم بني جهور، وإن كان ابن عذاري يقول إن ذلك تم باتفاق أهلها مع بني عباد، بسبب سوء سيرة عبدالرحمن الذي كان أبوه أبو الوليد بن جهور قد تنازل له عن حكم المدينة، وتم القبض على بني جهور، أما شيخهم أبو الوليد فقد اختبأ في مقصورة هو وبناته ونساؤه فاقتحمها عليه قوم من النصارى وجردوهم مما معهم، وتم نفيهم إلى جزيرة شلطيش، وهكذا انتهى ملك بني جهور في قرطبة على يد بني عباد عام 467هـ.
وكانت علاقة اشبيلية بجيرانها من بني الأفطس حكام بطليوس سيئة أيضا، بسبب الصراع على مدينة لبلة التي تقع
|
لماذا لا نسمي الأشياء بأسمائها ونرى الحقائق بذاتها ثم نحكم لها أو عليها؟ |
بينهما، وقامت الحروب بسبب ذلك، واستعان بنو الأفطس بحكام قرمونة، ولكن الهزيمة كانت من نصيبهم عام 421هـ / 1030م، وقتل أمير قرمونة كما قتل عبيد الله الخراز صاحب بابرة وابن عم حاكم بطليوس، ونجا ابن الأفطس نفسه بصعوبة بالغة، وبلغ عدد قتلاه ما لا يقل عن ثلاثة آلاف، وكانت الخسارة كبيرة لدرجة أن بطليوس بقيت مدة من الزمن خالية من سكانها إلا من الشيوخ والأطفال والنساء.
وانتقم ابن الأفطس لنفسه من بني عباد بطريقة غير شرعية، لكنها تدل على روح العصر وعلى ما ساده من صراع لا يحكمه أي مبدأ من مبادئ الأخلاق، ذلك أنه في عام 425هـ / 1034م سمح عبدالله بن الأفطس أمير بطليوس لجيش بني عباد أن يمر عبر أراضيه لقتال مملكة ليون، وأثناء عودته هاجمه ابن الأفطس بغتة، وقتل من جنود أشبيلية عددا كبيرا، وفر إسماعيل بن عباد ونجا من الموت بصعوبة، ومنذ ذلك الحين تأصلت العداوة والبغضاء بين بني عباد وبني الأفطس.
وكان هناك صراع بين بني ذي النون حكام طليطلة، وبين بني هود الجذاميين العرب حكام سرقسطة، ودانية (بعد أن استولوا عليها من على بن مجاهد العامري) وطرطوشة (بعد أن مات صاحبها لبيب ثم مقاتل الفتى العامري)، وكان الصراع بين بني ذي النون وبني هود بسبب تنافسهم على امتلاك مدينة وادي الحجارة، ولما استولى عليها سليمان ابن هود قامت قيامة المأمون بن ذي النون، واستعان بنصارى الشمال، ودعته الضرورة أيضا إلى محالفة المعتضد بن عباد والدخول في دعوته لخلف الحصري المشبه بهشام عام 436هـ.
إزاء ذلك استعان ابن هود بملك آخر من نصارى الشمال، واستطاع أن يعيث في طليطلة وأعمالها، وأن يدمر زرعها، فأرسل إليه أهلها يطلبون الصلح، فتظاهر ابن هود بموافقتهم إلى ما طلبوا، ثم لم يلبث أن سار هو وحلفاؤه من النصارى، واحتلوا مدينة سالم التابعة لبني ذي النون، وساعده على ذلك عبدالرحمن بن اسماعيل بن ذي النون الذي كان ينازع أخاه يحيى صاحب طليطلة في حكمها، ودامت الفتنة بين ابن هود وابن ذي النون من عام 435هـ إلى آخر عام 438هـ ولم تنته إلا بوفاة سليمان بن هود، ولما زال خطر سرقسطة عن طليطلة، بدأ أميرها يستعد لمنازعة ابن الأفطس صاحب بطليوس وبني جهور أصحاب قرطبة.
وما إن أحس بنو جهور بذلك حتى عقدوا حلفا مع أمراء بطليوس وأشبيلية ضد بني ذي النون أمراء طليطلة، وتحالف هؤلاء بدورهم مع بلنسية ومع قشتالة النصراني، واستطاعوا أن يوقعوا بقوات قرطبة، لكن العباديين أنقذوها واستولوا عليها حسبما تقدم، وعاد الطليطليون مهزومين عام 452هـ / 1060م (العلاقات بين الأندلس الإسلامية وأسبانيا النصرانية في عصر بني أمية وملوك الطوائف – د.رجب محمد عبدالحليم).
وصحفة أخرى من التاريخ:
فإذا ما انتهينا من هذه الصفحة بحلوها ومرها وعدم أخذ العبرة من أحداثها انتقلنا إلى صفحة أخرى من المشرق (بلاد الشام ومصر) حيث نجد نفس الأحداث تقريبا مع اختلاف الشخصيات، (كان من أهم أسباب نجاح الصليبيين في احتلالهم للبلاد الشامية ما كان عليه المجتمع الإسلامي ورؤساؤه من التدابر، فقد كان النزاع سائدا في مجموع المشرق الإسلامي، إذ كان فاقدا للزعيم الذي يقوده لصد أي عدو يهاجمه، وقد سجلت المصادر الأدبية والتاريخية صورا محزنة من التدابر والتخاذل كان يتخبط فيها المشرق الإسلامي، بينما العدو ينتزع المدينة بعد الأخرى، ولهذا نرى كثيرا من مؤرخي تلك العصور يشيرون إلى تلك الحالة بين حين وآخر بمثل هذه الفقرات:
1- بينما الافرنج يحاصرون ويحتلون القدس كان محمد بن ملكشاه يحارب أخاه لأبيه بركياروق.
2- ملك الافرنج عكا من واليها …. هذا وملوك الشام مشتغلون بقتال بعضهم بعضا.
3- توجه فخر الملك أبو علي بن عمار من طرابلس إلى بغداد مستنفرا لما حل بطرابلس وبالشام من الافرنج، واجتمع بالخليفة المستظهر وبالسلطان محمود، فلم يحصل منهما على غرض .. وتم للافرنج الاستيلاء عليها.
4- .. ووصل المستنفرون إلى بغداد في رمضان فاجتمع أهل بغداد في الجوامع واستغاثوا وبكوا، حتى أنهم افطروا من عظم ما جرى عليهم، ووقع الخلاف بين السلاطين السلجوقية فتمكن الفرنج من البلاد.
“وهذه النقول مأخوذة من كتب المؤرخين الثقاة: ابن الأثير -أبي الفداء- ابن الوردي”
(انظر الحروب الصليبية في المشرق والمغرب / محمد العروسي المطوي)
الاستعانة:
فإذا لم نستفد نحن -المعاصرين- من هذه الأحداث التي مر بها أسلافنا في تاريخهم فلماذا نقرأ التاريخ ولماذا نقرره في مدارسنا؟
وأولى الدروس بالاعتبار وأقواها عند الاستبصار، هو الركون إلى العدل والصدق، وتحقيق قول الله: “إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا” وقوله سبحانه: “كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين” وقوله: “كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى” وهل من العدل أن يغتصب مسلمون أموال المسلمين وديارهم، وأن ينتهكوا حرماتهم؟ وهل من العدل حين يجد هؤلاء المظلومون من يعيد لهم بعض حقوقهم أن نقول لهم: كفوا أيديكم ولا تستعينوا بغير المسلمين ..؟ ألا يسأل هؤلاء أنفسهم -لو كانوا منصفين- لماذا استعنا بغير المسلمين؟ وعلى أي شيء استعنا بهم؟ أما لماذا استعنا بهم فقد بيناه فيما تقدم، والأمر كله معروف مشهود معاش، أما على أي شيء كانت هذه الاستعانة فإني أقول: إنها لم تكن لانتزاع الأرض من دولة
|
مضت (عاصفة الصحراء)، ومر بعدها (رعد الصحراء) فمتى يأتي المطر؟ وكيف يكون؟ |
مجاورة، ولا للاعتداء على الأقربين، ولا للاستيلاء على أموال الآخرين، ولا رغبة منا في استباحة ديار المسلمين، ولا حبا في التمكين للآخرين، فلم تغب عن أذهاننا عبر التاريخ، ولكن .. ما الحيلة؟
إن المضطر يأكل الميتة ويأثم إن علم أن بقاء حياته في الأكل منها ثم امتنع، والجائع الذي لا يجد الطعام الذي يقوته، ويمسك عليه حياته، أبيح له أن يأخذ من أموال الآخرين ما يقيم أوده، ويمسك رمقه، فهل كنا مضطرين حين استعنا بالآخرين أو كنا مختارين؟ وهل نحن استعنا بهؤلاء وحدهم أو استعنا بالناس أجمعين، فأعاننا -بحمد الله ومنته- مسلمون وغير مسلمين.
مناصرة شعب العراق:
وهؤلاء الذين أعانونا لم يعينونا -بحمد الله- على ظلم أحد، ولا على منع حق أحد، ولا على الجور على أحد، فنحن -بحمد الله- لا نرتضي الظلم ولا نقبل الجور، بل ونتجاوز نطاق الواجب المفروض -في معاملاتنا مع الآخرين- إلى نطاق المستحبات والنوافل والمندوبات، إننا لا نرضى أن يصيب الشعب العراقي مكروه، أو ضرر .. إننا نحزن لما يصيب هذا الشعب على يد الطاغية المتجبر صدام، ولما يعرضه له من اعتداء أو جوع أو حرمان، إن المسئولين في الكويت لا يزالون يمدون أيديهم بالعطاء للمشردين العراقيين الذين يعيشون في العراء.
وقد نبهت الصحف على لسان بعض المسئولين أن الكويت ليست طرفا في الأزمة التي قامت بين العراق وبين الأمم المتحدة، ولعل ذلك كان ردا على كتاب الزوايا والأعمدة في الصحف اليومية، الذين حاولوا بتعليقاتهم وكتاباتهم أن يجعلوا الكويت طرفا في الأزمة، ولربما كان ذلك بدافع من غيرتهم على وطنهم، ولما يشعرون به من غصة في حلوقهم تجاه ما فعله صدام، ولما تكنه القلوب له من بغض وكراهية، حتى لتتمنى زواله وزوال نظامه العفلقي في أقرب فرصة ممكنة .. ومع هؤلاء الكتاب الحق فيما يشعرون .. ولكن الموضوعية والواقعية تجعلنا نبين أن الكويت ليست طرفا في الأزمة، وفرق بين الأمنيات التي تعبر عن المشاعر، وبين الأحداث المتعاقبة التي تعبر عنها الوقائع مما استدعى التنبيه إلى مثل هذا الأمر .. ولقد صرح المسئولون في الدول الخليجية أنهم غير موافقين على الضربة العسكرية، وأنهم متمسكون بوحدة الأراضي العراقية كما جاء في تصريح الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام في المملكة العربية السعودية أثناء زيارته لأسبانيا، وأنهم يتمنون الانفراج القريب كما صرح بذلك النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد في 17/2/98 أثناء حدة الأزمة واشتدادها، بل ورحب المسئولون في دول مجلس التعاون الخليجي بالاتفاق الذي تم أخيرا، لأن خسائر الضربة العسكرية في حال حدوثها خسائر عامة، ولأن أمثال هذه الضربة -في نظرنا- تضعف النظام ولا تزيله، بل تبقيه ليشاغب عند اللزوم، ويقوم بحركاته في أوقات معلومة لأغراض مفهومة، يساق هو إليها فهم أم لم يفهم.
إن العداء ليس بين الكويت والشعب العراقي، وإنما العداء مع هذا النظام الظالم الباغي الذي اعتدى على الكويت
|
استفادت جميع الأطراف من الأزمة، ولم تستفد الكويت شيئا. |
وحاول ابتلاعها وهضمها والقضاء عليها، ثم تراجع عنها قسرا وقهرا، وما زال يعلن تمسكه بموقفه منها، ويظهر حبه للهيمنة عليها، فماذا يكون موقفنا تجاه هذا النظام؟ لا شيء غير العداء، ورفع الأكف إلى الله بالدعاء أن يهلك الظالمين، وأن يقطع دابر المعتدين، وحينها يكون لكل حادث حديث.
ولكننا لا نترك القلم حتى نذكر بعض ما يتصل بالأزمة الماضية:
1- ماذا بعد الرعد؟
انتهت عاصفة الصحراء بما انتهت إليه، ومر ما أطلق عليه “رعد الصحراء” بالاتفاق الذي تم، فكيف سيكون المطر القادم بعد ذلك؟ ومتى يأتي هذا الماء الذي نرجو أن يكون ماء رحمة، تزول به أدران المنطقة؟
وحتى يكون المطر القادم ماء ينتفع به البشر لا عذابا مهلكا لهم ولمساكنهم، لا بد أن يكون الشعب مهيأ ومستعدا، للانتفاع بالماء، ولن يتم هذا التهيؤ وذاك الاستعداد إلا إذا أحسن الناس الانتماء إلى عقيدتهم، وعاشوا في ظل شريعتهم التي جاء بها محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وأخلصوا انتماءهم إلى الله دون غيره، فلا يعنينا في شيء أن ينتمي الناس لهذا الحزب أو ذاك، أو لهذه الجماعة أو تلك، وإنما يعنينا ويسعدنا ويقر عيوننا أن ينتمي الناس إلى ربهم، وأن يحسنوا صلتهم بخالقهم، وأن يشكروا نعم الله عليهم “لئن شكرتم لأزيدنكم” فهذا وحده طريق النجاة، ولا طريق غيره، إن النجاة في الدنيا والآخرة قائمة على الاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيلهما، هذا هو حبل الله الذي أمرنا بالاعتصام به: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”، “ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم“، “قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة”
هذا هو طريق النجاة، فلا ينبغي أن نحيد عنه، وهذا حبل الله فلا نتخلى عن الاستمساك به، ولنذكر أن قوم صالح أهلكهم الله لأن واحدا من بينهم عقر الناقة، ولنحذر الفتنة فإنها مهلكة للناس أجمعين، “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”.
فليكن هذا المنهج عصمتنا حين يأتي المطر أو الماء بعد عاصفة الصحراء ورعد الصحراء.
2- استفاد الجميع من الأزمة إلا أهل الكويت:
هذا ما أثبتته الأزمة فقد استفاد الجميع غير أهل الكويت .. فأمريكا أثبتت أنها ما زالت -رغم المعارضين- قطب النظام الموحد، وأنها قادرة بمفردها -إن لزم الأمر- أن تفعل ما تريد سواء في الأمم المتحدة باستخدام حق الفيتو، أو غير الأمم المتحدة بتسيير بعض قطع الأساطيل البحرية، والطائرات الجوية، والاعلان عن انزال ضربة ببعض الدول حتى ولو كانت هناك معارضات شعبية أو رسمية لهذه الضربة .. وأثبتت بذلك أنها قادرة على تحقيق الاستراتيجية الأمريكية المطلوبة التي تعمل من أجلها وفي ظلالها، وأنها صاحبة أكبر المغانم والمكاسب في السلم أو في الحرب وأن تأثيرها في معظم الأحوال باق وقائم ابتداء من موقفها من القدس الإسلامية واسرائيل الصهيونية إلى إدارة الأزمة الحالية والاشتراك في صنعها.
واستفاد صدام بنظامه الآثم بأن استطاع شق الصف الخليجي على نحو من الأنحاء وبصورة من الصور، بحيث لم نستطع ستر هذا الأمر أو اخفاءه، واستمال واكتسب عطف الشعوب العربية فخرجت مظاهرات مؤيدة له في بعض العواصم العربية .. وبهذا الاتفاق الذي تم مع عنان، اكتسب جولة دبلوماسية ودعاية إعلامية لو كان أنفق عليها الملايين ما كانت تحقق له مثل هذا المكسب، واستفاد قبل الاتفاق بساعات تعديل صيغة (النفط مقابل الغذاء) فسمح له ببيع أكثر من ضعفي ما كان يبيع من قبل .. وتنادت الصحف الأجنبية -ثاني يوم إعلان الاتفاق- بأنه قد آن الأوان للالتفات لرفع المعاناة عن الشعب العراقي.
ونحن -في الكويت- لم نستفد شيئا، فلم يسقط نظام صدام الجاثم على صدر الشعب العراقي، والمثير للفزع والضيق عند الشعب الكويتي، مما يجعل جريمته التي ارتكبها ماثلة أمام الأبصار، عالقة في الفؤاد، فتسبب الأحزان والآلام، ونظل غير مطمئنين لجواره، متوقعين منه الخيانة كل آن.
ولم يستفد إعلامنا شيئا في التعامل مع هذه الأزمة من حيث السبق والتفرد، فلم تكن قضية الأسرى عالقة في أذهان
|
كان التعامل في الشارع الكويتي مع الناس -مواطنين أو وافدين- أثناء الأزمة تعاملا حضاريا راقيا. |
الناس خارج الكويت، بينما علقت في أذهانهم صور الأطفال العراقيين، وقرؤوا عن معاناتهم، وبعض مآسيهم، واستطاع الإعلام العراقي أن يجعل الكويت طرفا في القضية، بينما لم يستطع الإعلام الكويتي ألا يجعل من الكويت طرفا فيها حتى أعلن بعض المسئولين ذلك للناس.
ولم تستطع الكويت خاصة ودول الخليج عامة أن تكون شبكة بث عالمية تخاطب الشعوب التي لها تأثير في حكوماتها لتبني قضية مثل قضية الأسرى وتحافظ على الحق الكويتي.
وانتصرت الكويت:
ولعلك تسأل: كيف يتحقق لنا نصر ونحن لم نستفد من الأزمة؟ ونقول: إن الكويت انتصرت بتمسكها بمبادئها وقيمها الثابتة وبتعاملها الراقي حيث فرقت بين النظام الطاغوتي في العراق والشعب المستكين المغلوب على أمره هناك .. وحيث كان تعاملها مع الأمة الإسلامية تعاملا راقيا في الحرص على الأخوة الإسلامية والعاطفة العربية وتجلى ذلك في الخطابات والبيانات والاتصالات الكويتية بالدول الإسلامية والعربية الأخرى.
وانتصرت الكويت في هذه الأزمة بتوحيد التعامل بين الحكومة والمجلس بحيث كان عمل الجميع عمل فريق واحد متماسك حريص على مصلحة البلد، محقق لأعلى قدر من التوافق والتعاون في العمل لخير البلاد وحفظ وحدتها وتماسكها وهذا ما نريد استمراره.
انتصرت الكويت حين تعاملت مع الأزمة بروح حضارية في الشارع الكويتي، فلم يتجاوز رجال الأمن في تعاملهم مع المواطنين أو الوافدين الظروف العادية، بل كانوا يتعاملون بروح الوفاء والمودة والأخوة مع الجميع.
انتصرت الكويت بثبات أبنائها فلم يغادرها أحد بسبب الأزمة ولم يحدث خلل في البنوك ولم يتقافز الناس على السلع بحيث تحتفي من الأسواق بل ظل الأمر هادئا، والعمل مستمرا، والناس غير فزعين، وإن كانوا حذرين.
وظل أهل الخير ينفقون ويبذلون، وهم يحملون في قلوبهم أمنا وسكينة حتى ليعجب القادمون من الخارج من حالة الناس في الداخل، وتعاملهم مع الأزمة بروح الصبر والعمل والاحتساب.
وكل هذه جوانب إيجابية تحسب لأهل الكويت في ميزان النصر على النفس وعلى الشدائد.
ونسأل الله أن يحفظ الكويت وأهلها والبلاد الإسلامية جميعها من كل مكروه.

