بقلم الشيخ د. جاسم المهلهل الياسين

حق لا خلاف فيه:

من حق سمو أمير البلاد أن يصدر مرسوما بما يراه محققا المصلحة العامة، وما يراه داعما لكل جهد فيه عنصر من عناصر القوة لأبناء الكويت، ومن حق المؤسسات والهيئات والجمعيات المختصة والمفكرين والمثقفين أن يناقشوا هذا الأمر في ضوء المصلحة العامة كذلك، فالمصلحة العامة المنضبطة بحدود الشريعة الإسلامية، هي المحور الذي تصدر من أجله المراسيم الأميرية، وهي المحور الذي ينبغي أن تستند إليه المناقشة بالتأييد والقبول، أو بالمعارضة والرفض.

دراسة متأنية:

والفرصة متاحة أمام المنصفين من الدارسين ليبحثوا حق المشاركة الديمقراطية للمرأة من جوانبه المختلفة، وأن يرجعوا إلى الدراسات التي كتبت في هذا الشأن، حتى يأتي الحكم في هذه القضية خاليا من كل مطعن.

فالحلال والحرام كلاهما يحتاج إلى نص قطعي، والنص الوارد في هذا الشأن وهو “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” ليس قطعي الدلالة في المنع من هذه الممارسة.

وفي حالة عدم وجود النص لابد من الأخذ بالمصالح المرسلة، وأن نراعي الجوانب الاجتماعية والمصالح العامة والخاصة وغير ذلك من القواعد الأصولية والفقهية، التي تسمح بتعدد الآراء، من غير تراشق بالتهم أو إساءة الظن بالآخرين.

وحديث “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة” أصل في هذا الموضوع حيث أجاز النبي صلى الله عليه وسلم رأي كل فريق من الفريقين ولم يأمر فريقا بإعادة الصلاة أو ينبهه إلىخطأ وقع منه، مما يدل على سلامة تصرف الجميع. فلم يكن الذين نظروا إلى مقاصد الحديث ومراميه مخطئين، ولم يكن الذين وقفوا عند ألفاظ الحديث مخطئين.

آراء الفقهاء:

والفقهاء المعاصرون مختلفون في هذا الشأن بين مجيز ومانع فالذين أجازوا للمرأة أن تكون ناخبة كثيرون منهم الشيخ / محمود شلتوت، والشيخ / محمد رشيد رضا والأستاذ / محمد عزة دروزة والدكتور / مصطفى السباعي.

واستند هؤلاء إلى الأدلة الشرعية التي منها:

  • قول الله تعالى “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف (البقرة: 228)
  • وقوله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(التوبة: 71)
  • قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم هانئ بعد أن أجازت اثنين من مشركي مكة عام الفتح: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) وإقراره لفعلها ومنعه علي بن أبي طالب من التعرض لهما.
  • عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بما أشارت عليه زوجته أم سلمة في صلح الحديبية حين قالت له بعد أن دخل عليها غاضبا من أن المسلمين لم يحلقوا ولم ينحروا كما أمرهم، فقالت: أخرجه عليهم وانحر واحلق رأسك ففعل ذلك فأسرع المسلمون يفعلون كما فعل.

المانعون:

من بينهم الشيخ / محمد حسنين مخلوف مفتي مصر سابقا.

ويستندون إلى بعض الأدلة الشرعية ومنها: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم“.

وحديث أبي بكرة: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة

الرأي الراجح:

هو جواز انتخاب المرأة لمن تراه صالحا، ليكون عضوا في المجالس النيابية وغيرها، بشرط أن تكون مراكز الاقتراع مفصولة، فيكون للرجال مراكز، وللنساء مراكز، وأن تخرج المرأة متحشمة، وفي حدود الأدب الإسلامي، وبشرط ألا تدخل في تحزبات الرجال، واجتماعاتهم ومجادلاتهم.

والتاريخ الإسلامي القديم يؤيد ذلك، فعلى سبيل المثال:

قام عبدالرحمن بن عوف باستشارة الناس في تولية علي وعثمان رضي الله عنهما “حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن” (البداية والنهاية في التاريخ لابن كثير ج7 ص159-160).

ثانيا: ترشيح المرأة نفسها للمجلس النيابي:

اختلف الفقهاء كذلك فمنهم من أجاز ومنهم من منع، أما المجيزون فقد استندوا إلى أدلة المجيزين لإبداء رأيها وقد تقدم بعضها ومن بين هؤلاء المجيزون الأستاذ / محمد عزة دروزة، الذي يقول: “إن ترشيح المرأة لنفسها مع أهليتها وحقوقها السياسية والاجتماعية واستقلال شخصيتها، وكل ذلك مما قرره لها القرآن نصا صريحا وحتما، وإلى هذا فإنها نصف المجتمع، وكل ما يتقرر في هذه المجالس تتناولها كما يتناول الرجل على السواء.

نظرة على واقعنا العملي:

وحين نستنطق الواقع العملي على الصعيد المحلي نجد أن الذين يعارضون إعطاء المرأة هذا الحق من الإسلاميين ليسوا معارضين حقيقة للشواهد الآتية:

  • فالأخوان المسلمون وحزب الفضيلة يجيزون للمرأة الترشيح والانتخاب.
  • والجماعات السلفية تقرر أن الأمور الخلافية يحسمها ولي الأمر.
  • اختلف الصحابة في أمور أخطر من هذا بكثير دون أن يؤثر ذلك في الود بينهم، فلو أن (رجلا زنى بامرأة ثم تزوجها) يرى عمر أن ذلك لا بأس به، ويرى ابن مسعود أنهما لا يزالان زانيين، ومع خطورة المسألة وما يترتب عليها من حقوق كثيرة تتصل بالأنساب والمواريث وغيرها فإن أحدا لم يطعن في الآخر.
  • ومجال التطبيق العملي خير شاهد، فنرى أن كل شرائح المجتمع والإسلاميين في المقدمة يدفعون بالنساء لإنجاح مرشحيهم في “جمعيات النفع العام، الجمعيات التعاونية، والنقابات والاتحادات” فلماذا لم تُخش المحاذير الشرعية التي تذكر في معرض الحديث عن الانتخابات البرلمانية؟!! كما أن غالبية المجتمع الكويتي بناتهم وزوجاتهم يشتغلن في الوظائف العامة (طبيبة – مهندسة – موظفة .. إلخ)
  • ومشاكل الاختلاط والسفور والتبرج وغيرها من المشاكل الأخلاقية التي يمكن أن تحدث مع الحق السياسي للمرأة يمكن معالجتها من خلال أمور إجرائية في الإمكان سنها في عملية الاقتراع والترشيح، كما يمكن إدخالها بنفس القانون حين مناقشته في المجلس القادم لإقراره كما ينص الدستور، على أن هذه المسائل الأخلاقية تتصل بكل ما تمارسه المرأة من أعمال خارج البيت، ومن المهم علاج هذه الأخطاء في كل موقع تمارس فيه المرأة نشاطاتها.

وأخيرا فإن مرسوم إعطاء المرأة حقها السياسي وإن تم إقراره في مجلس الأمة القادم، فهو لا يعدو أن يكون في دائرة الإباحة لا الإلزام، وهنا يسع كل من يرى حرمه هذه الحقوق منع من له عليهن حق الولاية من ممارسة هذا الحق إن كان يعتقد أنه حرام، فالتبعية هنا فردية والإنسان يستفتي قلبه وإن أفتوه “وكلهم آتيه يوم القيامة فردا

والحمد لله رب العالمين