الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الاستباق إلى الخيرات:

الاستباق إلى الخير سمة إسلامية يسعى نحوها ويبادر إليها المسلمون، الذين ينفقون من أموالهم ابتغاء رضوان الله وتثبتا من أنفسهم، وإنقاذا لإخوانهم من براثن الفقر والمسغبة، أو من بين أنياب القتل والفتك، بتقديم كل عون مستطاع لمنع ما يقع عليهم من إجرام وعدوان في حق أنفسهم وأعراضهم وديارهم وأموالهم، وفي التفريق بين أهليهم وذويهم.

فالمسلمون كلهم جسد واحد يتألم جميعه لألم أي عضو من أعضائه “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر

ولهذه الجامعة الشعورية التي تربط كل مسلم في الأرض بأخيه المؤمن برباط الإيمان الذي هو أقوى من رباط النسب عند اختلاف الأديان بين الأقرباء، كان التأكيد القرآني على رابطة الأخوة التي هي من مستلزمات الإيمان “إنما المؤمنون إخوة” ومعنى الحصر في الآية: لا يكون المؤمنون إلا إخوة، ومن شأن الأخوة ألا يتقاعسوا عند النصرة، وألا يتكاسلوا عند الملمة، وألا يضنوا بجهودهم وأموالهم عند الضرورة، بل إن من شأنهم أن يتسابقوا إلى الخيرات لأن الله أمرهم بهذا فقال: “فاستبقوا الخيرات وقال: “وسارعوا إلى مغفرة من ربكم” وقال: “سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرضوقال عن بعض الصالحين بعد أن أجاب دعوته، وحقق الله له رغبته “إنهم كانوا يسارعون في الخير ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين

والمسلمون في كوسوفا إخوة لنا من واجبهم علينا في محنتهم أن نعينهم، وأن نحاول نصرتهم على

النساء شاركن الرجال في التبرع لأهل كوسوفا بل سبقن الرجال في البذل والعطاء، ونساء الكويت علم في ذلك.

أعدائهم الذين بغوا عليهم، فإن لم نستطع رد أعدائهم لعجزنا وضعفنا فإن من الواجب ألا نتركهم لأولئك الأعداء، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ويغتصبون بناتهم، ويأخذون أموالهم، ويستولون على بيوتهم وقراهم، ويبعثرونهم في الشتات في كل أرض من أمريكا غربا إلى استراليا شرقا .. وإذا لم نتمكن من إيقاف هذا النزيف البشري الذي ينتشر فوق الأرض كلها، فليس أقل من أن نمدهم بما يقيم أودهم، ويعالج مريضهم، ويؤوي شاردهم، وحتى في هذا الجانب الذي يمثل أضعف الإيمان كنا مقصرين أبلغ تقصير، بتباطئنا، وقلة ما قدمنا، أمام كثرة الشاردين الضائعين تحت طعنات الغربة والجوع والبرد والتمزق النفسي، وتقسيم أفراد الأسرة الواحدة بين عدة مناطق، بحيث لا يلتقي أفرادها في الوقت القريب، وربما كذلك في الوقت البعيد، لأن هؤلاء المستضعفين لم يجدوا فينا وليا ولا نصيرا، ليقولوا كما قال بعض المستضعفين الأولين وهم يدعون ربهم “واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا

وقد جعل الله لهؤلاء المستضعفين نصيرا قليلا من بين المسلمين، لا ليكف عنهم يد العدوان، بل ليقدم إليهم بعض الطعام وبعض الشراب، وفي هذا العون الضعيف تفاوت المسلمون في عطائهم ومبادرتهم، وحتى في إحساسهم نحو إخوانهم فكان السبق للبعض دون الآخر.

النساء سبقن الرجال:

لا عجب من سبق النساء في مجال الخير، فقد كان للنساء دور كبير في حمل أعباء الدعوة الإسلامية في صدرها الأول. لقد حملت أم المؤمنين خديجة عبء الدعوة المالي في وقت مبكر حتى قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وواستني بمالها إذ حرمني الناس” وكانت النسوة يتصدقن بحليهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لم تجد منهن كثيرا تصدقت بالقليل، الذي يتجمع فيحدث أثرا، ويزيل كربا ويذهب غما، وعلى مدى عصور الإسلام الزاهية كان للنساء دور رائد في الانفاق وتشجيع المنفقين والعمل على تخفيف معاناة البائسين، فقد كُنَّ يتصدقن بحليهن وبما يملكن من متاع أو ثياب.

واليوم وأمام محنة كوسوفا نجد زوجة الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وقد فاقت

إن التجار الخليجيين يرسلون معوناتهم ومعها أبناؤهم ليشرفوا على توزيعها فيتعلموا بذلك صناعة الخير وسياحة الشرف والعفة.

غيرها من المتسابقين في هذا الميدان حيث هالها وأفزعها منظر المسلمات المشردات بعد أن غاب عنهن العائل، وتخلى عنهن الكثيرون، وتركن وسط غابة من الذئاب البشرية لم تعرف الرحمة قلوبهم فسارعت إليهن تبسط يدها بالغذاء والدواء، وتحنو عليهن لتخفف من آلامهن النفسية ومعاناتهن الجسدية، فكانت خير من يعين، وهي ما زالت تعلم أن أمامها الكثير والكثير حتى تخفف بعض جراح المجروحين، وتواسي بعض نفوس المتعبين المظلومين، ولعلها بعملها هذا تكون قدوة لغيرها من النساء يقتدين بها ويعملن عملها، فيحيين بعملهن نفوسا يميتها الحزن والجوع والأسى والخوف، و قد كان من بين المتبرعات فاعلة خير قطرية تبرعت بإقامة 40 وحدة سكنية تكلف الوحدة الواحدة 4000 د.ك، والتي أعلنت عنها لجنة السنابل بالتعاون مع لجنة العالم الإسلامي في الأمانة العامة للجان الخيرية التابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي.

وزوجة الشيخ زايد بذلك ومثلها فاعلة الخير القطرية تسيران على نهج زبيدة زوجة هارون الرشيد التي علمت بمعاناة الحجاج في مكة لقلة الماء، فحفرت على نفقتها عين ماء أوصلتها إلى مكة لتيسر على الحجاج بعض الجهد وبعض المشقة، من غير أن يطلب منها أحد ذلك، ولم تضرها أو تغير من موقفها كثرة الإنفاق في هذا السبيل.

فهل عندنا –في الكويت- زبيدة أخرى، أو زبيدات أخريات؟ نعم: إن عندنا موضي الحجي وعائشة اليحيى اللتين لم تدخرا وسعا في سبيل التحرك لنصرة أهل كوسوفا، وعندنا د. سعاد الصباح التي لم تترك مناسبة من مناسبات الخير إلا وقد ساهمت فيها، بل قد تكون سبقت إليها قبل غيرها، لتكون قدوة لبقية النساء الكويتيات، ونحن ندعوها في هذه المناسبة لتساهم بجهودها في إنقاذ المسلمات ولو بالدعوات الصالحات أن يحفظهن الله ويرعاهن، أما أم فهد الحميضي وأم مازن الحمد وأم هلال المطيري فلهن معنا في كل شبر بصمة خير، فآثارهن في البوسنة والقارة الهندية، والجمهوريات الإسلامية، والآن في كوسوفا، ولهن في كل مشروع مع تواجدنا حضور واضح.

وإذا كانت هؤلاء النسوة هن في مقدمة العاملين المنقذين، فإن غيرهن من القادرات مطلوب منهن

إن المعونات والإغاثات تقدم لجميع المنكوبين بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو الدين فـ “في كل كبد رطبة أجر”

أن يتقدمن وأن يعملن على مساعدة المسلمين في كوسوفا في هذا الظرف العصيب .. إننا نريد زبيدة في كل منطقة، وفي كل قطعة، بل في كل شارع بل في كل أسرة أو في قبيلة؟

نريد منهن الحركة الذاتية، وأن يكن رائدات في مجالات المساعدات الإنسانية عامة والمساعدات للأخوات المسلمات خاصة في المناطق المنكوبة مثل كوسوفا وغيرها.

سبق دولة الإمارات:

لقد سبقت دولة الإمارات العربية غيرها من الدول حين تابعت الأزمة، وساهمت قبل غيرها في تخفيف المعاناة عن أهلها، الذين مستهم الضراء والبأساء وسيرت طابورا من الطائرات يحمل الإغاثات إلى هناك، فكسبت بذلك سبقا في مجال الخيرات في هذه الآونة، كما كسبت سبقا من قبل في عديد من الأزمات، التي تصيب المسلمين هنا أو هناك، وهذا ليس بغريب على الإخوة في دولة الإمارات، وليس بغريب على رئيسها الشيخ زايد بن سلطان، الذي له في مجال صنع الخير جولات وجولات، نرجو أن تمتد وتمتد وتظل متواصلة مع أهل كوسوفا حتى تنتهي محنتهم إن شاء الله.

سبق تجار الخليج:

وقد سبق تجار الخليج وأثرياؤه التجار عندنا والأثرياء، إذ حددوا مواقفهم وحزموا أمرهم وأرسلوا أموالهم وأولادهم إلى هناك.

يقول شاهد عيان: “ونحن في تيرانا كانت تنزل الطائرات تلو الطائرات وهي تحمل إغاثات من بعض التجار، ومع هذه الإغاثات بعض أبنائهم الذين يشرفون على التوزيع الإغاثات ليتعلموا هم أيضا صناعة الخير، ويتدربوا على مد أيديهم بالعون لإخوانهم.

إن ذلك منهم سياحة في الخير تغنيهم عن السفر صيفا إلى بعض المصايف العالمية، وكيف يقبل أناسٌ من المسلمين أن يسافروا للترفيه عن النفوس هنا أو هناك، وإخوانهم لا يجدون ما يأكلون ولا ما به يتداوون، ولا يجد أطفالهم ما يسد رمقهم، ولا يجدون كلهم مأوى آمن يلجأون إليه.

لقد تبرع د. محمد عبده يماني بأطنان من المواد الغذائية، وأرسل معها ولده، ليرى بعينه ما يدور هناك ولقد تبرعت سيدتان مصريتان بمبلغ نصف مليون دولار وهما الآن في طريقهما إلى مخيمات اللاجئين لتريا على الواقع ما هو موجود هناك من مآس. فهل يلحق التجار عندنا بهذا الركب إن لم يحاولوا أن يسبقوه؟

أقول هذا لمعرفتي بالتجار الكويتيين الذين كان السبق لهم في كثير من المواطن والمواقف وأرجو أن يستمر الخير موصولا على أيديهم بغير انقطاع.

مفاهيم ضيقة:

ومما يتصل بهذه الأزمة، ويكشف الخلل الذي ابتلينا به، أن الداء الذي أصاب الأمة الإسلامية ليس قاصرا على سلوكها بل تعدى ذلك إلى أفكارها ومفاهيمها ويتمثل ذلك فيما يأتي:

  • لم يأتنا توجيه:

كثير من الرجال الذين بيدهم مقدرات الأمور، والذين يستطيعون التصرف والمساعدة، يكفون أيديهم ويقولون بألسنتهم: لم يأتنا توجيه، وهم يقصدون بذلك أنهم لم يأتهم توجيه حكومي أو تنظيمي أو حزبي وسواء في ذلك من كانوا في منصب حكومي أو موقع تنظيمي أو في مجالس معينة، فجميعهم يتعللون بأنهم لم يأتهم توجيه ليتصرفوا في ضوئه، وهي حجة واهية، لأن نصرة الإسلام والمسلمين تعتمد على ذاتية المؤمن وعمق الإيمان في قلبه، وحبه لله ولرسوله وللمؤمنين “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ونحن لا نطلب من هؤلاء أن يعملوا على أن تكون العزة –اليوم- للمؤمنين، وإنما نطلب منهم أن يعملوا على رفع الذلة ودفعها عن المؤمنين ما استطاعوا إلى ذلك

متى تنتهي المفاهيم المغلوطة عند العاملين في الحقل الإسلامي ويعون فقه الأولويات.

سبيلا، ولن يتحقق ذلك أو بعضه إذا انتظر هذا المسئول توجيها من هنا أو أمرا من هناك، وإنما ينبغي عليه أن يتصرف في ضوء الواقع وحسب ما يقتضيه الموقف حتى لا يكون توانيه سببا في زيادة الجراح والآلام، أو قد يكون سببا في مزيد من الدماء.

  • التمييز بين الناس:

الإغاثة مجعولة للمستغيثين الذين أصابهم الكرب والبلاء، وهي لهم جميعهم بغير تفرقة بين الألوان أو الأجناس أو الأديان، فكل من وقع عليها التهجير والطرد من بيته وبلده في كوسوفا ليخرج منها إلى غيرها من حقه علينا ومن واجبنا نحوه أن نقدم له العون، لأننا نقوم بعملية إنقاذ، ومن ينقذ إنسانا من حريق، أو غريقا من بين الأمواج لا يتوقف حتى يسأل عن لونه أو جنسه أو دينه، فذلك مضيعة للوقت وقد يكون سببا في الهلاك.

وبعض رموز العمل الإسلامي الإغاثي عندنا حين ذهبوا إلى مخيمات اللاجئين في ألبانيا أصدروا أوامرهم بألا ينال غير المسلمين شيئا مما يقدمونه على سبيل الإنقاذ. فأي إنقاذ هذا؟!! لقد أوشكت الدموع تتقاطر من عيني وأنا أتصور طفلا غير مسلم يمد يده لينال شيئا من طعام أو شراب أو دواء فترتد إليه خائبة، وقلت في نفسي: أعوذ بالله من الخذلان .. وعجبت من فهم هؤلاء للإسلام وفقههم للدعوة، وكأنهم لم يسمعوا حديث رسول الله e: “بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيه فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملا خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر” (متفق عليه) أئذا قرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن لنا أجرا في البهائم إن قمنا بحقها، نتصرف نحن مع الآدميين هذا التصرف المزري المشين؟ فمن أين هذا الفهم؟ ومن أين هذا الفقه؟

غياب فقه الأولويات من حياتنا:

تابع الناس عندنا قضية لا يزيد عدد أطرافها عن أصابع اليد الواحدة، وشغلوا أنفسهم بها أسبوعا أو يزيد في العمل وفي الدواوين وفيما قاله هذا وفيمن أنكر تهمته، وفيمن يكيد للآخر. وهل تمَّ في هذه القضية اغتصاب أو أن الأمر تهويم وتضليل وارتياب؟ شغل الناس أنفسهم بذلك، ونسوا أن شعبا بأكمله قد تعرض للاغتصاب، وأحاط به الذل والهوان، ومع هذا فنحن ننسى ما يحدث لهم ونسترسل في الحديث أياما حول قضية يتكون أطرافها من خمسة أشخاص. لقد أصدرت بعض الصحف الغربية تحقيقا حول ما يدور في كوسوفا جاء فيه أن الصرب قد حولوا كوسوفا كلها إلى مصنع للاغتصاب.

فهل هذا لا يعنينا ولا يؤذي مشاعرنا، ولا يجعلنا نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون على حالة الذهول التي منيت بها الأمة حتى تقطعت بينها المشاعر، وتشتت بها الدروب؟

نصرة الخطب والبيانات:

لقد كنا نأمل أن تكون نصرة شعب “كوسوفا” غير محصورة في مهرجان خطابي يستثير النفوس ويحرك حماستها، ثم يترك هذه الجماهير بعد ذلك، وكأن البيان الذي صدر وفيه حشد لمآسينا، وبعض المنشورات وكمية الورق التي وزعت وهي لا تساوي ثمن وليمة عشاء لمجموعة من الناس في أي ديوانية، كأن هذا يغني عن إطعام هؤلاء الشاردين المشردين ومد الأيدي لهم بالجود والسخاء والعمل على مناصرتهم ولو بأقل القليل الذي يتمثل في مقاطعة ممثلي الصرب في بلاد الإسلام ابتداء من درجة السفير، وإنتهاء بأقل عامل صربي يعمل في البلاد العربية والإسلامية.

لقد فزّع الصرب مليون مسلم في كوسوفا في الوقت الذي يسير فيه ممثلوهم في شوارعنا ويعيشون

الشكر واجب علينا نحو المسئولين والنواب وأبناء الشعب جميعا وكل الذين قاطعوا احتفال السفير الصربي بالعيد الوطني لبلاده، والشكر والتقدير للحركة السلفية العلمية على بيانها في كيفية التعامل مع السفير اليوغسلافي.

بيننا آمين تحت غطاء الدبلوماسية، ولو أن بعض أطراف القضية التي شغلت الرأي العام عندنا تصدوا للسفير الصربي وأرهبوه لكانوا قد أدوا عملا جليلا يدل على حمية حقيقية تود أن تثأر لمئات الألوف التي أنزل بها العدوان الصربي أعظم الضرر، ولاستحق هذا الموقف الذي كنا نأمل منهم أن يقفوه تهمة الإرهاب التي لصقت بهم دون أن يرهبوا أحدا، أو يغيظوا عدوا ودون أن ينالوا من عدو نيلا، كالضرب الذي يحدث بين أي متخاصمين في أي وقت.

دعوة متبجحة وحياء مفقود:

ولقد أحسنت دولة الكويت صنعا حين قاطعت حكومتها ونوابها وأبناء شعبها دعوة السفير اليوغسلافي بالعيد الوطني لبلاده، ولعل هذه المقاطعة تشعره وتشعر أمثاله أنهم غير مرغوب فيهم في دولة الكويت المسلمة بعد أن فعلوا الأفاعيل في مسلمي كوسوفا، وأذاقوا أكثر من مليون نفس مرارة الحزن والخوف والأسى والقتل والفقر والتهجير، وما يزالون مستمرين في عملهم الإجرامي بدون رادع من ضمير أو دين أو حياء من المسلمين، لقد كان من المفروض على هذا السفير ألا يفكر أصلا في إقامة احتفال بعيد بلاده الوطني، وألا يدعو إليه أحدا، لأنه احتفال بالمآسي التي يقع فيها إخواننا المسلمون في كوسوفا، احتفال بهزيمة المسلمين هناك، احتفال بالمقابر الجماعية التي يحفرونها، احتفال يمجد عصابات الإجرام من أمثال “ميلوسيفتش”، و “أركان “، وغيرهما من كل فاجر فاسق، فكيف يفكر هذا السفير في احتفال؟!! وكيف يرد على خاطره أن يدعو أحدا من أبناء الكويت كلها إلى هذا الاحتفال؟!!

لقد كان الأجدر بهذا السفير وغيره من سفراء بلاده في البلاد العربية والإسلامية أن يتواروا عن الأنظار وأن يكفوا عن الظهور العلني –فضلا عن أن يحتفلوا ويدعوا غيرهم للاحتفال- حتى لا يثيروا مشاعر المسلمين، ويؤذوا نفسياتهم التي تتمزق من أجل إخوانهم، وإننا لنعجب مما عجب منه الأستاذ فهمي هويدي يوم الاثنين الماضي 26/4/1999م حين قال: لا يعقل أن تواصل حكومة بلغراد سياسة الإبادة والتهجير في كوسوفا بينما سفراؤها والعاملون في سفاراتها (في البلاد العربية والإسلامية) يؤدون وظائفهم بأمان واطمئنان!!! ونحن إذ نشكر المسئولين وأبناء الشعب الكويتي جميعا على موقفهم هذا، نطلب منهم خطوة أكبر من هذه، تذهب بعض غيظ المسلمين وتشفي قليلا مما في صدورهم.

ولقد أحسنت المملكة الأردنية الهاشمية حين طردت السفير الصربي منذ تكشفت الأحداث وكانت هي الدولة الوحيدة -بحسب ما نعلم- من بين الدول العربية والإسلامية التي تتخذ هذه الخطوة وتراعي مشاعر المسلمين، ولو تبعتها أو سبقتها بعض الدول الإسلامية الأخرى لكان هذا موقفا يحمد عليه حكام المسلمين.

ورغم اختلافنا مع الأردن نظرا لموقفها من الغزو العراقي للكويت إلا أننا نشيد بعملها هذا لأنه في صالح المسلمين، وهو لم يحدث الدوي المناسب أو يؤثر التأثير المناسب لأنه عمل مفرد وحيد، لم تكرره دولة أخرى أو تفعل ما هو أكثر منه.

المقاطعة الإسلامية للصرب:

ألم يكن الأولى أن تتخذ بعض الخطوات الإيجابية في هذا الصدد ليشعر هؤلاء المعتدون أن هناك مَنْ يأسى على المسلمين ويحزن لما أصابهم ويتصرف بعض التصرف الذي يضر عدوهم؟

إن هناك أمورا لا تكلف أحدا شيئا ولكنها تضر بالعدو وقد تجعله يراجع موقفه ويتوقف قليلا عما ينفذه أو يدبره ومنها:

  • مقاطعة الرحلات الجوية للطائرات اليوغسلافية التي تخرج من بلغراد وتتجه إلى كل عواصم الشرق الإسلامي، ولو أن هذه الطائرات قوطعت يوما أو أياما لأشعرت المسئولين في يوغوسلافيا بشيء من الضرر أو الخطر الذي يمكن أن يصيب مصالحها.
  • وقف العمل بالاتفاقات القائمة في التصدير والاستيراد بين العالم الإسلامي ويوغسلافيا وهو أمر من الممكن الاستغناء عنه دون ضرر يلحق بنا، بل وقد نجد بديلا أفضل للتعامل معه، فما الذي يمنع من قطع هذه العلاقات.
  • وقف عقود الشركات الاقتصادية اليوغوسلافية العاملة في العالم الإسلامي ومنعها من العمل من غير أن يحدث ذلك لنا منغصات أو مكدرات، فلماذا يتمتعون في بلادنا بهذه المزايا وينعمون بالأمن في الوقت الذي يفعلون فيه ما لا يقبله عقل ولا دين ولا ضمير في مسلمي كوسوفا؟

إن الدول العربية لم تقم بمثل هذه المقاطعات التي لا تسبب لها ضيق أو ضرر، بل إنها كلها –باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي- لم تقم بالواجب الإغاثي كما ينبغي.

فهم مغلوط:

لقد توقفت كثير من الدول العربية عن العمل الإغاثي بل لم تمد إليه يد أصلا على اعتبار أن العمل الإغاثي مرتبط بالإرهاب، وهذا خلط في المفاهيم، وتداخل بين أمور متناقضة، فالعمل الإغاثي إعاشة وتخفيف للآلام، ومواساة لمنكوبين، والعمل الإرهابي قتل وسفك للدماء وإثارة للفزع والرعب وزيادة في الآلام، فأين هذا من ذاك؟

إن الإرهاب يقوم به الصرب ويلقون التأييد والنصرة من روسيا والعراق وغيرهما، والعمل الإيجابي يجب أن يقوم به المسلمون على النحو المطلوب، فهل فعلوا؟

شكر وتقدير:

وهنا لا بد من أن نعطي العاملين حقهم من التقدير والثناء على جهودهم ومشاعرهم، وفي مقدمتهم وزارة الإعلام التي أخذت على عاتقها تبني حملة للتضامن مع مسلمي كوسوفا فأثمرت أربعة عشر مليون دولارا حتى أمس، ونحن ما زلنا نأمل في المزيد من الشعوب العربية والإسلامية، ولكنا -والحق يقال- نعترف بأن مثل هذا المبلغ لم يكن يمكن جمعه في مثل هذه المدة لو لم تشارك وزارة الإعلام وجهازها (التلفاز) في هذه الحملة التي أسأل الله أن ينفع بها. وللمسئولين عنها والقائمين بها منا كل الشكر والتقدير.

ولا ننسى أن نقدم موفور الشكر والتقدير لكل مواطن أو مقيم شارك في هذه الحملة بأي تبرع

إننا في الكويت بحاجة إلى وقفة العقلاء الذين يعرفون الأمور ويوازنون بين المصالح ويدركون خطر التصادم بين السلطات.

صغير أو كبير، لأن عمله يدل على إحساس كامل بمشاعر المسلمين وعلى أنه يشاركهم فيما نزل بهم ولو بشيء قليل. ونطلب منهم جميعا الدعاء لأهل كوسوفا أن يرحمهم الله ويخفف عنهم مأساتهم ويزيل بلاءهم وكربهم.

الحركة السلفية العلمية:

لقد قامت الحركة السلفية العلمية بجهد مشكور حين نشرت بيانها الذي يدين الصرب على جرائمهم، ويرفض المشاركة –على أي مستوى- في احتفالهم، ويدعو إلى مقاطعتهم، بناء على مسلمات عقلية أو مقدمات منطقية، وأدلة شرعية “* وحيث أن اقتضاء واجب الأخوة الإيمانية والعقيدة الإسلامية ورابطة الإسلام المقدسة بين أهله، موالاة المسلمين من أهل كوسوفا ونصرتهم والوقوف معهم فيما أصابهم من محنة عظيمة، والبراءة من عدوهم الفاجر ومقاطعته كليا على جميع المستويات. * وحيث أن سفير النظام الصربي في الكويت يعتزم إقامة احتفال باليوم الوطني لنظامه المجرم اليوم الثلاثاء الموافق 27/4/1999م، فإنه لا يجوز شرعا مشاركته في الاحتفال، وفرض على كل المسلمين مقاطعته، وحكم مشاركته في الاحتفال الوطني لنظامه الصربي الصليبي الحاقد بعد ما فعل بالمسلمين، أنه ضرب من موالاة الكفار التي حذر الله تعالى منها في القرآن قائلا: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل، إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون“. صدق الله العظيم) كان هذا جزء من البيان الذي أراح النفوس.

فجزى الله الإخوة القائمين على هذه الحركة خيرا على جهودهم التي يبذلونها ويبصرون عامة المسلمين بها وينبهون خاصتهم إليها. وأسأل الله أن يجعل هذا العمل وأمثاله في ميزان حسناتهم

إن النضال بالكلمات لا يكلف نقيرا ولا قطميرا، وإن الجهاد بغير المال والأنفس لا يؤدي إلى غاية، ولعل ذلك أحد الإرشادات التي تشير إليها الآية الكريمة: “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فأين المسلمون من هذا؟

نوع الإغاثة المطلوبة:

ما زال حجم الإغاثة التي تقدمها الدول العربية والإسلامية -رغم ما يبذله أفراد ومؤسسات من جهد جهيد- أقل من حجم الكارثة بكثير، ولولا أن غير المسلمين يعملون في نفس الميدان لكان الهلكى من المهجرين أضعاف ما هم عليه الآن، لقلة الغوث لا عن فقر في ذات اليد، وإنما عن ضعف إيماني، وعدم إدراك كامل بحدود هذه المأساة الإنسانية التي نزلت بالمسلمين.

ولو أن المسلمين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تصرفوا عام الرمادة تصرف مسلمي اليوم لهلك سكان المدينة كلهم، ولكن الجهات القادرة في الدولة الإسلامية أمدت –حينذاك- سكان المدينة بما يحتاجون إليه، وكانت قوافل الإبل منتظمة السير تقريبا ما بين مصر والمدينة لنقل كل ما يحتاج إليه الناس مما يحفظ حياتهم، ويبقي على كرامتهم.

ونحن اليوم وإن قدمنا بعض الغذاء وبعض الدواء إلا أننا نفتقر إلى أن نجعل هؤلاء الناس يتماسكون معنويا، ولا يتغيرون دينيا، إن إحساس المظلوم المضطهد بإنسانيته كفيل بتخفيف شيء من الظلم الواقع عليه، وكفيل بتماسك نفسه وكفيل بعدم خروجه من دينه إن أتيحت أمامه فرصة الخروج من هذا الدين -وهي متاحة- وتلك مهمة المغيثين، الذين يغيثون الجسم والعقل والقلب، ويحمون العرض بتوفير المأوى المناسب، حتى لا تتحول مخيمات المهجرين إلى أسواق للرقيق الأبيض، تنقل فيها الفتيات المسلمات إلى عواصم أوربا، أو إلى المدن الكبرى في أمريكا لممارسة البغاء، ولا يتحقق هذا إلا بتوفير الحد الأدنى -على الأقل- للإغاثة، وفي مقدمته الإيواء المناسب، لقد فتح صاحب إحدى العمارات في ألبانيا عمارته لإيواء المهجرين فمن الذي سكنها؟ سكنتها 180 امرأة وفتاة وبعض الرجال من كبار السن، وبعض الأطفال الصغار. وسر ذلك أن الشباب والرجال القادرين إما أن يحتجزهم الصرب لاستخدامهم –عند الضرورة- كدروع بشرية، وإما أن يخرجوا إلى الحدود مع أسرهم ثم يعودون مرة أخرى إلى داخل كوسوفا للالتحاق بجيش تحرير كوسوفا، والنتيجة في كلتا الحالتين بقاء عدد من النساء والفتيات بدون عائل وهؤلاء يكنّ صيدا سهلا في يد “مافيا” البغاء التي تنتشر كالجراثيم الضارة في الجراح المقيحة المهملة، واللجان الخيرية والمؤسسات التي تعمل على إيواء هؤلاء صونا لهن وحفظا عليهن، تقوم بعمل طيب وتقطع خيوط الشباك في أيدي الصائدين، الذين يصيدون البشر ويتاجرون في الأعراض.

ونخرج من هذا الموضوع –مؤقتا- لنلقي نظرة على الساحة الداخلية في الجانب السياسي، ونرى من خلالها موقفين هما:

  • الاستجواب والحركة الإسلامية:

قبل أن نرسل مقالنا للوطن في موعده المعتاد قرأنا في جريدة الوطن هذا العنوان على الصفحة الأولى “قرارات الكليب لإصلاح أمانة الوقف اليوم بدعم حكومي” وحتى كتابة هذه السطور صباح الأربعاء –لا ندري حقيقة هذه القرارات، ولا من تمس من الأشخاص ولكننا ندري أن هناك عمليات مقصودا بها أشخاص لهم توجهات إسلامية، بحيث تقلل من تأثيرهم أو تحجم دورهم، أو تحجبهم عن العمل للإسلام والمسلمين، ويقال إن صدور القرارات اليوم لا يمنع من الاستمرار في استجواب الوزير “الكليب” لأن هذا الإجراء النيابي لا يوقفه قرار وزاري قد يدين بعض الأشخاص، الذين لم يكن خطؤهم متعمدا مقصودا به ذات القرآن الكريم، وإنما كان خطؤهم إجرائيا بحسب اللوائح والقوانين، وبالتالي ينبغي أن يكون الحساب على قدر الخطأ دون تجاوز. ولكن هذا لا يكفي من هم وراء الاستجواب الذين ليس من منهجهم أو طريقتهم اللجوء إلى الاستجوابات.

ومن الخير لنا جميعا ألا نزج بالمصحف الشريف في خصومات سياسية أو منازعات حزبية أو طائفية أو قبلية، وأن ننأى بكتاب الله عن المزايدات السياسية، وليس رأينا هذا جديدا نقوله الآن، بل إننا نادينا بهذا الرأي في المجلس السابق حين جعل تدريس القرآن الكريم مادة لاستجواب وزير التربية آنذاك د. أحمد الربعي.

إن المصحف أعز شأنا وأعلى قدرا من أن يوضع في مثل هذه المواضع، وكل ما يجب علينا جميعا نحو المصحف هو ضرورة المطالبة بسن تشريعات لتحكيم القرآن في حياتنا والمحافظة على تطبيقه كاملا، بشموله وعمومه في جميع جوانب الحياة. هذا ما يجب علينا أن نفعله، أما أن نهمل تشريعات القرآن ثم نرفعه على أسنة الاستجواب فهذا يضر بنا ولا يفيدنا في شيء ويجعلنا كالمتلاعبين بهديه ونوره، ونعوذ بالله من ذلك.

وهذا الاستجواب موجه في الأساس للحركة الإسلامية، التي تتمثل في هيئات ومؤسسات مثل بيت الزكاة ولجنة استكمال الشريعة، والأمانة العامة للأوقاف، وبيت التمويل وكثير من جمعيات النفع العام وغيرها من المؤسسات، والذين وراء الاستجواب يدركون صعوبة هدم هذه المؤسسات أو إيقاف عملها، وخاصة ما صدر منها بمرسومات أميرية، ولذا فإنهم يركزون عملهم على تحطيم بعض الرموز الإسلامية بإيقافها عن عملها أو تحجيم دورها أو عزلها من مكانها.

ومن الألم والحسرة أن نجاري هؤلاء فيما يقولون وفيما يشيعون، أو أن نسقط نحن في شباكهم ونشاركهم في عملية الهدم التي يسعون إليها، ثم لا نفيق من موقفنا هذا إلا بعد فوات الأوان “إن لنا أعداء كثيرين لا ريب، ولكننا نتصرف أحيانا تصرفات نبدو فيها وكأننا أعداء لأنفسنا، وأننا نتطوع لتحقيق مراد أعدائنا منا”

وكل ضرر يصيب الحركة الإسلامية فإنه يؤثر حتما على نحو ما في قوة الدولة، لأن على الحركة

على كل إنسان أن يتحمل المسئولية المنوطة به والموكولة إليه وألا يتنصل منها؛ لأنها جزء من الأمانة التي ائتمنته الأمة عليها.

الإسلامية واجبا كبيرا في قوة الدولة. فإذا تحملت الدولة أجزاء من القوة عبر عنها القول المأثور: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فإن الحركة الإسلامية باعتبارها الحركة ذات القوة بين الحركات الأخرى في المجتمع، عليها جزء من هذه القوة، وهي (الحركة الإسلامية) ذات برنامج إصلاحي معروف تسعى لنشره في المجتمع كله، وحين تفعل ذلك تضيع الفرص على كثير من المؤسسات الأخرى المنتشرة في بلدنا. والتي تجعل همها الأكبر عداء الحركة الإسلامية وعرقلة سيرها. مع أن الحركة الإسلامية لا تعادي أحدا، إذ تعتبر كل مؤسسة إسلامية أو إصلاحية دعما لها، تفرح بها، ويفرح بها كل مسلم غيور على دينه، ويغار منها ويقف ضدها أهل الفسق والفجور والعصيان، فالمؤسسات الإصلاحية “كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلط فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار” فهل تنتبه الحركة لما يراد لها؟ وهل تعيد ترتيب أوراقها حتى لا تخدع من غيرها .. خاصة وأنها مرصودة ينتظر العدو كبوتها لا في الجزائر وحدها أو تركيا معها أو شرق أوربا، وإنما في كل مكان. فهل نعي هذه الحقيقة في ضوء الأحداث الجارية؟ خاصة ونحن لا ندري من صاحب الافتعال الحادث الآن؟ ولا من المستفيد منه؟ ولكن سيأتيك بالأخبار من لم تزود.

لا بد للحركة الإسلامية من إعادة الترتيب، والعمل بجد من أجل الاهتمام بالبناء الداخلي في حقيقته وترك المظاهر والأشكال.

المجلس والأزمة:

لم ينجز مجلس الأمة الحالي شيئا يتفاخر به أمام الناخبين في الانتخابات القادمة، والأزمات التي يثيرها من حين لآخر مع الحكومة لا تشفع له عند الناخبين، لأنها أزمات تنتهي غالبا بإقرار الحكومة على رأيها، وتطويع المجلس لها، أو تأجيل ما هو مختلف عليه، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تثار الأزمة من الأصل، إلا أن يكون ذلك لخدمة أغراض خاصة والعمل لأهداف ذاتية، ولا تخرج الأزمة الحالية عن ذلك، إلا إذا أرادت الحكومة خدمة المجلس فصدر قرار بحله، وهو قرار -إن صدر- ينقذ المجلس من الدوامة التي هو فيها، ويجعله يقدم مبررا كبيرا أمام الناخبين في الانتخابات القادمة، ولا أظن أن الحكومة غير عالمة بهذه الحقيقة، وعلى فرض أن هذا الاستنتاج غير صحيح فإن التصادم بين المجلس والحكومة ليس في صالح الكويت ولا في صالح الكويتيين.

وبدلا من التصادم فإننا في حاجة إلى وقفة العقلاء، الذين يعرفون الأمور ويوازنون بين المصالح ويدركون خطر التصادم والاختلاف.

إن هذه الوقفة تجنبنا الزلل والسقوط والتيه والضياع والتصادم، فإذا كانت الديمقراطية خيارا لا رجعة عنه، فلنجعلها نورا يضيء وحرارة نستدفئ بها بدلا من أن نجعلها نارا محرقة.

إن الديمقراطية أشبه بحافلة كبيرة (باص) يقودها الراكبون جميعا، فهل نتصور مصير هذا (الباص) لو لم يتفق الراكبون على خط السير وطريقته والسرعة اللازمة له وغير ذلك من الأمور؟

وهل ندرك مصير المجتمع إن لم يتفق فيه الناس أصحاب الرأي والنفوذ والقرار على القضايا الأساسية والاستراتيجية التي تحافظ على بنية المجتمع ووحدته وترسم له طريقه وتوضح غايته؟

إن الديمقراطية مقرونة بالمسئولية ولا بد أن يتحمل الجميع هذه المسئولية وألا يتنصل منها أحد، وبقاء المجتمع وعدم ضياعه مسئولية ولي الأمر ومن جعلهم له عونا من الوزراء والمستشارين ورؤساء الهيئات والمؤسسات، وتحمل المسئولية جزء أساسي من مفهوم الأمانة التي هي إرادة الأمة التي ينبغي الحفاظ عليها كل حين

وأخيرا فإني أقول ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن حج وهو خليفة وجلس في الأبطح واتكأ اتكاءة حزينة مطرقة وبجواره ابنته حفصة أم المؤمنين فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنه قد رق عظمي وشاب رأسي ودنا أجلي وضاعت رعيتي فاقبضني غير مفرط ولا مفتون” هذا ما قال ابن الخطاب وإني لأقول هذا القول مبدلا بـ “وضاعت رعيتي” وضاعت أمتي. وأسأل الله أن يلطف بالمسلمين وأن يرحمهم وأن ينصرهم.