بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
هل يمكن أن ننسى:
لا أريد أن أجدد الأحزان أو الآلام، ولا أريد أن أنكأ جرحا لم يندمل، ولا أريد أن أعيش في الماضي، رغم أن هذا الماضي ترك لنا من الآثار ما يزال قائما بيننا، لا نستطيع أن نتخلص منه، وهو يذكرنا كل يوم بتلك الجريمة النكراء التي اقترفها النظام العراقي، فكيف ننساها وآثارها تعيش بيننا؟ كيف ننسى دماء الشهداء على أرض الكويت؟ وكيف ننسى الأسرى الذين في حوزة النظام يحتجزهم، ويثير الزوابع والقلاقل بين أسرهم، الذين لم يعودوا يعرفون إن كان أسيرهم بين الأحياء أو هو في عداد الموتى؟ كيف ننسى ما خلفه الغزو من آثار في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية؟ إننا نود من كل قلوبنا أن ننسى ذلك، ولكننا لا نستطيع، إذ يصدق علينا قول الشاعر
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل
إن كل جزء في أرض الكويت، وكل بناء وكل طريق، شاهد صدق على ما اقترفه النظام العراقي من إجرام، وهذه
| كيف ننسى آثام الغزو العراقي وآثاره ما زالت باقية؟ فدماء الشهداء وغياب الأسرى عن أهلهم ووطنهم، وإثارة الزوابع كل حين تذكرنا –كل حين- بالغزو الأثيم. |
الشواهد تذكر من يريد أن ينسى ما حدث. فكيف ينسى؟ وكيف يتأسى؟
كشف الخفاء:
كان الغزو العراقي مفاجأة غير متوقعة لأهل الكويت، نظرا لأن الكويت لم تدخر وسعا في الوقوف مع العراق في حرب الخليج الأولى .. وحقا كانت العلاقات قبل الغزو مباشرة فيها بعض التوترات، نتيجة اتهام العراق للكويت باستغلال حقل الرميلة النفطي، واتهامها كذلك بضخ مئات الآلاف من براميل البترول إلى الخارج، بحجة ملء الأسواق، مما يعيق العراق أو يؤثر على تصديره للنفط. وهذان الاتهامان لم يرقيا في ذهن أحد إلى درجة يظن معها أن العراق يحرك آلته العسكرية لدخول الكويت والاستيلاء عليها، لأن كثيرا من التوترات تحدث بين بعض البلاد العربية المجاورة، ثم تخمد نيرانها من غير حرب، ومن غير أضرار .. ولكن العراق كان استثناء في تصرفه فبيت للأمر ونفذه مع طلائع الضوء الأولى في صباح الخميس 2/8/1990م وأصاب الكويت كلها بشواظ من الحقد والضغينة، وتعامل مع الناس فيها بغلظة وجفوة، وأظهر مطامعه في استغلالها ونزع خيراتها، مما يدل على أن أمر الغزو كان مبيتا من زمن، وأن هذه الاتهامات لم تكن إلا لذر الرماد في العيون، وإثارة نوع من الضباب، وساتر من الغبار يسير من تحته جنود النظام العراقي. وهم يسارعون لالتهام (الكعكة) الكويتية، ويتلذذون بتذوقها وأكلها. ولكن معدتهم لم تهضمها، بل كانت الكويت غصة في حلوقهم وحلوق نظامهم، الذي استمر في غيه حتى أذاقته قوات التحالف الدولي النكال والعذاب، فخرج من الكويت مدحورا مأزورا، تلاحقه المسبّات، وتتعقبه التفتيشات، ومع هذا فإنه كان في بعض الأحيان يثير المنازعات، ويعلن التهديدات، فإذا ما جاءته
| كان أمر الغزو مدبرا مع سبق الإصرار والترصد، والدعايات التي استخدمت لتغطيته حينذاك لم يكن لها أساس. |
الضربات صمت وخنس، وتراجع عن تهديداته. ويبدو أن الغلظة والقسوة طبع غالب في هذا النظام، فإنه إما أن يقتل شعبه أو يعتدي على جيرانه في إيران أو في الكويت، وهو بذلك يعمل لصالح العدو الحقيقي للمسلمين (إسرائيل) التي لم يصبها منه شيء، وجنت من وراء بضعة صواريخ سقطت في صحرائها 10 مليار دولار أمريكي، وفتح لها الطريق لتمتد وتقيم نوعا من العلاقة حتى مع بعض دول الخليج، وانقسم العالم العربي بسبب فعلته ما بين أغلبية رافضة لفعله، مشمئزة من تصرفه، وبين أقلية تقف معه وتسانده فزاد من التشققات في جسم الأمة، التي تعاني من الكبوات.
المحنة والمنحة:
على أن هذه المحنة القاسية أظهرت ما كان خافيا في الشعب الكويتي، فسجل أبناؤه بطولات تحدثت عن بعضها بعض الكتب التي كتبت عقب التحرير، بطولات قتالية سجلها الذين استشهدوا وبعض الذين ما زالوا على قيد الحياة، وبطولات اجتماعية تكافلية سجلتها لجان التكافل، التي أخذت على عاتقها توصيل الخدمات لكل إنسان، وخاصة ما يتصل منها بالمطعم والمشرب، وكان الشباب الكويتي يعمل بيده في الأعمال التي كان يأنف أن تمتد إليها يده من قبل، وظهر الحب بين الناس، وتآلفت قلوبهم، وتوحدت مشاعرهم على رفض العدوان، وتلاقت أيديهم على التمسك بالقيادة الشرعية للكويت، وظهر الإجماع على ذلك في مؤتمر جدة، الذي جدد البيعة للقيادة الشرعية، ورفض العدوان.
إن الشدائد جمعت أهل الكويت وصهرتهم في بوتقة واحدة، وصدق عليهم قول الشاعر: “إن المصائب يجمعن المصابينا” فصاروا أشد شكيمة وأقوى عريكة، وجالدوا المأساة، واستمسكوا فيها بوعيهم وحرصهم على بلدهم، ولم تكن روحهم هذه غائبة، ولكنها كانت –من قبل- مختفية تحت ثياب الراحة والأمان، فلما مزق الغزو هذا الثوب ظهرت القوة، والتماسك والتكافل والتعاون، والبعد عن الطائفية والقبلية والعنصرية وما إلى ذلك.
وإذا كانت هذه الأخلاق موجودة في أبنائنا وإخواننا فلماذا نعمل على تضييعها والتفريط فيها مع أننا أحوج ما نكون إليها الآن وكل آن؟!!
وقد نترك الحديث عن الغزو، من غير أن نستطيع أن نمحو آثاره من مشاعرنا وقلوبنا بعد أن حفر فيها أخاديد من
| إن محنة الغزو جمعت أهل الكويت، وصهرتهم في بوتقة واحدة، فصاروا أشد شكيمة، وجالدوا المأساة، وصبروا حتى حررت بلدهم. |
الآلام والأحزان، وأشاع فيها الندم على ما قدمته الكويت إلى النظام العراقي من خير وقت الشدة في حرب الخليج الأولى، ثم استدار نحو هذه اليد المعطاءة ليعضها، لا ليشكرها على ما قدمت، فكان جزاء الإحسان –عنده- الإساءة، بل الغلظة في الإساءة.
القوة الحقيقية:
ونحن لا نطلب من الناس أن ينسوا ما حدث وكأن شيئا لم يكن، ولكنا نطلب منهم أن يعوا الدرس جيدا، وأن يدركوا أن قوتهم في وحدتهم، وأنهم إن تدابروا حققوا للنظام في العراق مطلبا عجز عن تحقيقه بالغزو العسكري، وعليهم كذلك أن يعلموا أن مطامح ذاك النظام في الاستيلاء على خيرات الكويت لم تضعف أو تفتر، بل ربما ازدادت توهجا وتوقدا، خاصة بعد أن عجزت قواته عن أن تصيب من الكويت غرضا، أو تنال منها مأربا.
إن الذين يبحثون ويثيرون عوامل الفرقة بإحياء الطائفية، وبعث العنصرية، والتعصب للمذهبية وإثارة القبلية إنما يعملون على إضعاف شأن الكويت، وتوهين عقدتها أمام الأخطار الخارجية أو الداخلية، إن تركيز الاهتمام بحل مشاكل الكويت وتجميع أبنائها، وإحياء روح التعاون والتآلف بينهم ضرورة لازمة لتفادي كل المعوقات.
ولقد وصل النواب إلى المجلس، ولم يمض على وجودهم فيه غير شهر واحد لتواجههم ذكرى الغزو الأثيم. وكأنها
| إن قوة الكويت في وحدة أبنائها وتماسكهم، وعلى نواب المجلس أن يدعموا هذه الوحدة، ويزيدوا هذا التماسك، حتى تظل البلاد في مأمن من كل الأخطار. |
تقول لهم: إن عليكم عبئا عظيما وجهدا كبيرا في سبيل إعلاء الصرح الكويتي عاليا، ولا يكون ذلك إلا بالتعاون بين السلطتين فيما فيه مصلحة البلاد، والعمل الجاد على حل مشاكل البلاد الاجتماعية والاقتصادية، والتعالي عن الخلافات الشخصية.
والمشاكل التي تمر بها الكويت –بعد الغزو- كثيرة، وكفيلة بملء وقت المجلس لو أنه حاول التصدي لها، من غير إظهار بطولات معينة من هذا العضو أو ذاك، ومن غير مظهرية لجذب الأنظار أو الأسماع، وحل هذه المشكلات أو بعضها كفيل بالتفاف الناس حول الأعضاء، وتمسكهم بهم وهذا خير لهم من كثرة الكلام وتوجيه الاتهام.

