بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
أهمية النصيحة
لا يستغني إنسان عن نصيحة الآخرين، سواء كان كبيرا أم صغيرا، لأن النصيحة تنبيه وتكميل، تنبيه لبعض أوجه القصور التي قد لا يتبينها المرء لانشغاله بأمور أخرى، أو تنبيه لبعض الأولويات، أو تكميل لبعض الآراء ووجهات النظر، ومن ثم فإن أي إنسان في حاجة إلى أن يَنصح وأن يُنصح، فلا يستعلى على النصيحة إلا مخدوع بعمله، مغرور برأيه، مفتون بنفسه.
ولو كان أحد مستغنيا عن النصيحة لا استغنى عنها المشهود لهم بالعزم والحزم والتقى والهدى، ولقد كان الخلفاء الراشدون يقبلون النصيحة، بل ويدعون لمن قدمها لهم فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي. وقال له رجل ذات مرة: اتق الله. فقال له بعضهم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟!! فنهره عمر، وقال: لا خير فيكم إن لم تقولها ولا خير فينا إن لم نسمعها.
ولما أراد عمر أن يخرج لقيادة الجيش في فارس بعد موقعة الجسر نصحه بعض المسلمين أن يبقى على نفسه، لأن خروجه يعرض الأمة كلها للخطر، فوافق على ذلك.
وليس يحق لناصح أن يطلب على نصيحته أجرا، أو أن يكتسب بسببها فخرا. وقد قيل لبعض الصالحين: أتحب أن تنصح؟ قال: أما من ناصح فنعم وأما من شامت فلا، فلا شماتة مع النصيحة، ولا افتخار أو استعلاء.
ولو لم يكن للنصيحة من أثر إلا أنها ترفأ الخروق، وتكشف الإخلاص وتدل على محبة وغيرة لكفى. ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النصيحة هي الدين كله في قوله: “الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله: قال: لله ولرسوله ولكتابة ولأئمة المسلمين وعامتهم”.
والنصيحة غير الفضيحة، فالنصيحة إصلاح والفضيحة تشويه وإفساد. ولذا فإن النصيحة تبتعد عن العنف والحدة، وكلما كانت أقرب إلى اللين كلما قربت من القلوب، وتحقق لها القبول، ولذا قال الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” وحكى أن رجلا دخل على المأمون فأمره بمعروف ونهاه عن منكر وأغلظ له القول، فقال له المأمون: “يا هذا، إن الله أرسل من هو خير منك لمن هو شر مني، أرسل موسى وهارون إلى فرعون وقال لهما “فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى” وأمره أن يغلف نصيحته باللين حتى يسهل قبولها، ويخف وقعها.
والناصح اليوم منصوح غدا، لأن النصيحة لا تتوقف عند أناس بأعيانهم، ولا عند وظائف بذاتها، وإنما تعم كل أمر، وقد كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول عن سورة العصر: إنها تكفي الناس أجمعين، لأنها لا تستثني من بين المؤمنين أحدا من أن يتواصى بالحق والصبر. أي أن يوصي بعضهم بعضا بالحق والصبر. وهذا التواصي بالحق والصبر هو النصيحة في لبابها وجوهرها وهي واجب كل فرد متى عرف وجه الحق والصواب، ومن هذا المنطلق فإن رسالتي هذه لا تزيد عن قيامي بواجب النصيحة لمن أحبهم وأحترم آراءهم، وأحاول أن أصل معهم إلى الحق الذي يقربنا من الله سبحانه.
وتأتي هذه النصائح في ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، التي كانت صدوعا بالحق، وامتثالا للأمر، وتوجها خالصا لله –سبحانه- وقياما بواجب النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين كما جاء في الحديث الشريف.
وقبل أن أتوجه برسالتي إلى الذين أحبهم أود أن أبين محور صلاح الأمة.
محور صلاح الأمة
إنما يصلح الناس إذا صلح صنفان: الحكام والعلماء.
أما الحكام فلأن بهم قوام الأمور وسياسة الدنيا بالعدل والإنصاف، ورعاية الناس، وتقويم اعوجاجهم وأخذهم بما يناسبهم من رفق يجذبهم، أو قوة تردعهم، مع توفير الأمان وحفظ الحقوق، ورد الجور والظلم إلى غير ذلك من سياسة الدنيا، وفوق هذه السياسة الدنيوية وقبلها وبعدها تكون حراسة الدين، بالمحافظة على أصوله، وتثبيت أركانه، ورفع شأنه، ورد كل دستور أو قانون يكون مخالفا لتعاليم الدين، والعمل على موالاة المؤمنين بتأييدهم، وتقديم كل عون معنوي أو مادي لهم ما أمكن ذلك، وعدم التخلي عنهم، فالمؤمن أخو المؤمن لا يظلمه أي نوع من الظلم، ولا يسلمه للشدائد ولا للأعداء، وهذا بعض ما يجب على الحكام.
وأما العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فالتعليم والإبلاغ والنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر، وكونهم قدوة للناس فلا يقولون ما لا يفعلون، ولا يكتمون ما يعرفون، ولا يلحدون في شيء من الدين: أصوله أو فروعه هو من صميم اختصاصهم وجزء من مهماتهم، التي يعتبر التخلي عنها أو عن شيء منها تراجعا عما أناطه الله بهم من حمل هذه الأمانة “وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه” (آل عمران 187) والعلماء إن حافظوا على هذا الميثاق وعملوا به، والتزموا منهجه كانوا سائرين على درب الأنبياء الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة ثم أخذ عليهم العهد والميثاق بأن يؤمنوا وينصروا الرسول الذي يأتيهم بالحق مصدقا لما معهم، فأقروا وشهدوا وقالوا ما سجله القرآن الكريم “وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمه، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرونه قال: أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري، قالوا أقررنا. قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون” (آل عمران 81-82)
فالتزام الحق وبيانه والدعوة إليه ودحض الشبه والمفتريات التي يلحقها به الشانئون الكارهون، ونصح الناس وإرشادهم إلى الصراط المستقيم جزء من مهمة العلماء العاملين، الذين لا يطلبون من الناس جزاء ولا شكورا، وإنما يطلبون من الله الرضا والثواب.
ولما كانت مهمة العلماء بهذه المنزلة فإن عليهم أمانة ثقيلة يلزم أداؤها والقيام بها، والعلماء –بحمد الله- يسعون بين الناس، ويتعاملون معهم، ويتبادلون الزيارات والأحاديث والمناقشات حول أمور كثيرة، ومن حق الآخرين على العلماء أن يبينوا لهم، وأن ينصحوهم، ومن حق الدعوة على العلماء ألا يروا منكر إلا حاولوا إزالته وتغييره بالوسائل المشروعة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا “فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها” ومن الوُسْع الذي كلفت به الأنفس والذي ستسأل عنه يوم القيامة أن لا تتقاعس في البلاغ وألا يردها عن الصدع بالحق مانع من قرابة أو صلة أو طمع في منصب من المناصب أو رغبة من رغبات الدنيا.
ومن ثم فإننا نرسل هذه الرسالة إلى من يهمه الأمر لعل فيها عظة وذكرى ينتفع بها المؤمنون، ويؤجر عليها العاملون.
إلى سمو أمير البلاد
من فضل الله على الكويت أن يشعر المسئولون فيها وعلى رأسهم سمو الأمير أنهم جزء من المجتمع لا ينفصلون عنه في شيء، وأنهم يشاركون الشعب أفراحه وأحزانه وآماله وآلامه، وأنهم يعيشون عيشة عامة الناس، لا يرفعون أنفسهم فوق الناس، ولا يتصرفون تصرفا غير كريم، يناقض ما فطر عليه هذا الشعب من تواصل وتواد ومحبة، إنه من السهل على أي شخص أن يصل إلى صانعي القرار ليعرض عليهم مشكلاته، ويتلقى حلا لها إن لم يكن فيها مخالفات للوائح أو القوانين. فهل تجد مثل ذلك في كثير من البلاد العربية أو حتى في قليل منها؟ لقد اعتاد الناس أن يلقوا أمير البلاد في بعض المناسبات حين يزور دواوينهم، ويستمع إلى مشكلاتهم، ويعرف أحوالهم ليطمئن بنفسه على سلامة العباد وأمان البلاد. فهل تجد ذلك في غير الكويت؟
وهذا الواقع المشاهد لا يمنعنا من أن نقدم –اليوم- بين يديه طائفة من النصائح قدمها العلماء السابقون للخلفاء، وقدمها العلماء المحدثون للحكام.
كتاب الحسن البصري
كتب عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن رحمه الله كتابا نقتطف بعض ما جاء فيه:
اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنها من أذى الحر والقر. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها ووضعته كرها، وربته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالقلب بين الجوارح: تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملَّكك الله عز وجل كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال، وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله.
واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه؛ فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر (العقد الفريد ج1 ص33)
كلمة الإمام الندوي
في حفل جمع نخبة من المفكرين بحاكم إحدى البلاد العربية تكلم الأستاذ أبو الحسن الندوي رحمه الله فقال: “إني أكتفي بالتحية التي علمنا إياها نبينا الأعظم أعني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكذلك أكتفي لكم بالدعاء الذي يدعوه الخطباء في يوم مبارك في ساعة مباركة وعلى منابر المساجد كل يوم جمعة أعني: “اللهم انصر من نصر دين محمد صلى الله عليه وسلم واجعلنا منهم”.
إنني أسعد بتبليغ رسالة كريمة إليكم، أراها أمانة في عنقي ومسئولية على عاتقي، وهي أن المسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها ينتظرون بفارغ الصبر أن يطلع من أفق العالم الإسلامي نجم جديد، يعلّقون به آمالهم، إنهم يعيشون وضعا مرديا عصيبا عجيبا، يحتاجون فيه إلى قائد عصامي، مؤمن ألمعي، يمتاز بإخلاصه ويقينه، وعزمه الراسخ وقلبه الواثق، وقد صور القرآن هذا الوضع تصويرا بينا معجزا فقال: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه).
إن المسلمين يعيشون مثل هذا الوضع ولا يرون ملجأ من الله إلا إليه، وقد كان يطلع من أفق العالم الإسلامي في الماضي شخصية عملاقة عصامية، تحول مجرى التاريخ لكن ذلك يحتاج إلى الإيمان والإخلاص، والشهامة والغيرة، وصدق الولاء والوفاء وإنما ينهض بذلك من يريد أن يخدم الإسلام ويرضي ربه، ويقنع ضميره، ويؤدي مسئوليته ساميا عن الأغراض السياسية والأغراض الشخصية، ومن يدري إذا كان الله قد كتب لكم هذا الشرف، ويريد أن يسوق إليكم هذه السعادة” (أسبوعان في المغرب العربي 128-129)
وخطاب الحسن البصري وكلام الإمام الندوي رضي الله عنهما كلام عام يصلح لأي حاكم مسلم، يعرف أنه سيقف بين يدي الله سبحانه، وبقي هناك كلام خاص لا يصلح إلا للكويت وشعبها وأميرها، الذي يتحمل مسئولية عظيمة أمام الله بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيّعه حتى يسائل الرجل عن أهل بيته” وقوله: ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة”
وقولنا لك “اتق الله” خير لك في دينك ودنياك من المديح الذي تسمعه كل يوم ، وقد خاطب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: “يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ..” (الأحزاب 1)
ونحن نقول في آخر الرسالة: اتق الله في أبنائك وبناتك شباب الكويت فقد أبيحت لهم المسكرات تحت مسمى “البيرة الخالية من الكحول” وكثيرون منهم أتيحت لهم المخدرات وسهل عليهم الوصول إلى أوكارها، وتجرأ الفتيان والفتيات على قيمنا وأخلاقنا تحت شعار الحرية، والابتعاد عن الضغط النفسي، وتمادت وسائل الإعلام في غيّها، فالمجلات مليئة بالصور الخليعة، والمقالات والقصص الفاضحة التي يندى لها الجبين، تنشر وتوزع في كل مكان ولا يكف التلفاز عن عرض الأفلام والمسرحيات والمسلسلات المليئة بكل ما يشين ويخزي، ولا يسأم العاملون فيه من تقديم الأغاني الهابطة.
كل هذا تحت عبارة الصحافة الحرة والإعلام الحر والترفيه على الناس.
إننا نحتاج إلى التأكيد على ما يقوم به وزير الداخلية من ملاحقة المفسدين والمدمرين للأخلاق وذلك بالقضاء نهائيا على كل صور وأشكال وأوكار وشقق ومزارع الفساد التابعة للكبار والصغار، ففي هذا نفع وعفة للمجتمع وإن غضب البعض عند ممارسة وزير الداخلية لدوره على الجميع بدون استثناء فإن هذا البعض سيجد أن هذا هو الأنفع له ولأولاده وللمجتمع على المدى البعيد، أما المشاكل الاقتصادية والاجتماعية العامة فتوجيه منكم للمؤسسات القائمة من مجلس الأمة إلى مجالس الأحياء بأهمية إعادة الثقة في مجتمعنا وبيان أهمية إظهار الهوية الإسلامية له، هذا التوجيه كافٍ بأن تعرف هذه المؤسسات الرسالة الأميرية لتبدأ بعد ذلك بوضع برامجها وفق هذا الأمر، وفي الختام أعرف أن هذا الأمر ليس بالهين وأنه سيحاربه المفسدون في الداخل والخارج، ولكن هذا هو الطريق للنجاة من الوقوف بين يدي الله سبحانه يوم القيامة، وهو الطريق لبقاء الوطن خاليا من أسباب الدمار الداخلي، ونحن نعرف أنه لن ترضى عنك مجاميع الأنس الحرام والمناصرين له ولن ترضى عنك اليهود والنصارى ولا من والاهم، ولكن هذا هو طريق التقوى والنصح للأمة وهذا أمر لا يُعين عليه إلا الله فاستعن بالله ولا تعجز والله الله في البطانة الصالحة فكما قال صلى الله عليه وسلم “ما من أمير إلا وله بطانتان من أهله، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وُقِيَ شرها فقد وقى” (صحيح الجامع الصغير ج2 ص993)
وأسأل الله أن تترسخ خطواتك على العمل لصالح الإسلام وصالح الرعية، وألا تدخر وسعا في تحقيق كل ما تراه نافعا في هذا الشأن، وفقك الله ورعاك وسدد على طريق الحق والخير خطاك.
إلى الوزراء والمسئولين.
الوزير له مهمة محددة بينها القرآن الكريم حين طلب موسى عليه السلام من الله ما حكاه القرآن الكريم في قوله: “واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا“
فالوزير قوة ومعونة للسلطان يشرف على جانب من اختصاصات الدولة ويعاونه في ذلك جهاز مؤلف من عدد من الأشخاص أو المكاتب الاستشارية أو التخطيطية أو غيرها، وتختلف مسئولية الوزارة بحسب نظام الحكم القائم في أي بلد.
وقد حدد المأمون الصفات التي ينبغي توفرها في الوزير حين كتب كتابا بذلك جاء فيه: إني التمست لأموري رجلا جامعا لخصال الخير: ذا عفة في خلائقه، واستقامة في طرائقه، هذبته الآداب، وأحكمته التجارب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها، يسكنه الحلم، وينطقه العلم، وتكفيه اللحظة، وتغنيه اللمحة، له صولة الأمور، وأناة الحكماء، وتواضع العلماء وفهم الفقهاء، إن أحسن إليه شكر، وإن ابتلى بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه” (عبقرية الإسلام في أصول الحكم ص168 نقلا عن الماوردي)
ومثل هذه الصفات والمهمات التي يصعب تحقيقها اليوم إلا على الذين أعانهم الله ووفقهم لسلوك الطريق القويم، طريق الدين، ومثل هذه الصفات لا تتحقق إلا في رجل بينه وبين الدين صلة حسنة وثيقة. وهذا ما أكده المواردي في كتاب “أدب الوزير” قال: “اعلم أيها الوزير أنك مباشر لتدبير ملك له أسّ: هو الدين المشروع، ونظام هو الحق المتبوع، فاجعل الدين قائدك، والحق رائدك، يذل لك كل صعب، ويتسهل عليك كل خطب، لأن للدين أنصارا، وللحق أعوانا، إن قعدت عنك أجسادهم لم تقعد عنك قلوبهم، وحسبك أن تكون القلوب معك” (عبقرية الإسلام في أصول الحكم ص183)
إن المرجعية العليا في عمل أي وزير في بلد إسلامي هي الدين الإسلامي، وعلى الوزير أن يتحرى في وزارته روح الدين قبل أي شيء آخر، ولذا فلا اعتبار عنده لمصلحة شخصية أو قبلية أو فئوية أو حزبية على حساب مجموع الناس، لأن هذا يخالف دين الله، ويخالف الحق المتبوع، ولا اعتبار عنده لكل ما يغير هوية الأمة، وينزع شخصيتها، ويجعلها لا غربية ولا شرقية، فالشعب الكويتي المسلم لا يرتضي قيم الغربيين، ولا يرتضي لنفسه أن تدب بين أبنائه عادات الغربيين، التي تنحرف بهم في السلوك والتعامل، ولا تحافظ على الأعراض، ولا تؤدي إلى التقدم الحضاري، فالغربيون لم يتقدموا بالتحلل الأخلاقي، أو الانهيار الاجتماعي القائم في بلادهم، وإنما تقدموا ببذل كل جهد في العمل، ومحاولة اتقانه، وبشيوع روح العلم وجَوّه الذي تنفق عليه الدولة بسخاء من أجل أن يظل التقدم العلمي والانتاجي الذي يستر التدهور الخلقي الاجتماعي.
وإذا كنا في الكويت والبلاد الإسلامية في حاجة إلى إحياء روح العمل الجاد الدائب، وشيوع العلم وازدهاره، فلسنا في حاجة إلى غير ذلك من عادات الغربيين وتقاليدهم.
وأكثر ما يشيع في الوزارات ذات الصلة المباشرة بتوجيه الجماهير هو الأخذ بالعادات والتقاليد الغربية ومحاولة نشرها وتسويقها في الكويت، دون نظر إلى الجانب العلمي، أو دون اهتمام كافٍ بالجانب العلمي، الذي يؤدي بالفعل إلى التقدم الحقيقي الذي نريده.
نم هنا فإن رسالتي للوزراء والمسئولين أن يتقوا الله في شعب الكويت، وأن يعملوا على اصلاح كل خلل في وزاراتهم، حتى يكونوا –بذلك- قد قاموا بالأمانة التي قبلوا راضين القيام بها، والله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيّع، فليعملوا على ضبط العمل ومتابعته، وليتجهوا إلى الأصلح عند اختيار المعاونين، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة: أرأيتم لو أنني نظرت وتخيرت ووليت هل أكون قد أديت الأمانة؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، قال: لا، حتى أنظر ما صنعوا وماذا فعلوا. فالمتابعة للقرارات والقوانين أساس العمل، وما نحن فيه من تسيب وتدهور إنما هو من تجاوز القوانين وتجاهل الدراسات ووضعها في الأدراج، وهذا في أحسن الأحوال، دليل صارخ على إهمال القوانين الصادرة من الجهة التشريعية –مجلس الأمة- فموضوع الاختلاط في الجامعة يتأكد، في كل دورة ثم لا ينفذ شيء، فنحن في كل فصل دراسي يزداد عندنا الاختلاط، وتزداد نتائجه المخلة في أبنائنا وبناتنا، هذه صورة، وصورة بسيطة أخرى تبين عدم المتابعة وتسيب الأمور، فقانون منع التدخين في المستشفيات والمطارات وصل الاستهتار به أنك في المستشفيات وبالقرب من الأجنحة الخاصة بالقلب ترى عامة المراجعين والزائرين، بل وترى الفراش الذي راتبه لا يكفي لشراء كرتون السجائر، يُدخن من غير حياء ولا خوف، فأي تسيب وصلنا له!!! أما الرشوة فقد أخذ الوافدون يتندرون لها، حتى أني رأيت إجازة قيادة عند أحد الهنود وهو لا يعرف أبجديات المرور والقيادة، وعند سؤاله أخبرني بأنه اشترى الإجازة من ……… بمبلغ ……… فالتسيب الذي وصل إلى بعض جالية في الكويت يُعطي انعكاسا واضحا عما وصلنا له في مؤسساتنا الحكومية، أما المحسوبية وأخواتها فحدث ولا حرج، والبطالة المقنعة لا تحتاج إلى تدقيق فيكفي أن ننظر في البلدية والتجارة لنعرف كيف أن أبناء الوطن في ضياع، فهل يعمر الوزير على الانتباه عليها
وأسأل الله أن يهدينا أجمعين إلى طريق الخير والفلاح.
إلى أعضاء مجلس الأمة
لقد اختاركم الشعب لتنوبوا عنه، ولتعملوا على تحقيق مصلحته؛ لأنه وقف خلفكم وصوّت لكم، واختاركم من بين عدد من الناس، لتكونوا لسانه المعبر، وعينه المبصرة، ويده التي يكف بها الأذى، ووسيلته لتحقيق الخير ونفى الشر، فأنتم إذن لا تعملون لحسابكم الخاص، ولا تعملون لحساب قبيلة، ولا لحساب طائفة ولا لحساب مذهب، إنكم تحملتم أمانة القيام بخدمة الوطن كله بجميع من فيه بغير استثناء، فلا تنحرفوا عن غايتكم ولا تفرطوا في أمانتكم، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وليس معنى هذا أن يتخلى العضو عن خدمة الذين وقفوا معه واختاروه، ولكن معناه ألا يجعل خدمة هؤلاء مانعا وحائلا من تقديم خدماته لجميع أبناء الكويت، وإذا تعارضت المصلحة الخاصة مع مصلحة المجموع تجاوزنا المصلحة الخاصة، وعملنا على تحقيق المصلحة العامة، التي ينتظرها منكم الناس، ويراقبون أعمالكم وأقوالكم ويحاسبونكم عليها في الدورات القادمة، وقبل رقابة هؤلاء فإن هناك رقابة أوفى وأشمل وأدق، هي رقابة الله المطلع على قلوبكم وأفعالكم، العليم بمرامي أقوالكم ودلالتها، فاحذروا أن يعلم الله منكم تقصيرا أو تهاونا في عمل، أو تهوينا لأمر من الأمور، أو توهينا للروابط الوثقى، التي ينبغي أن تظل بينكم وبين الله أولا ثم بينكم وبين الناس ثانيا، ولا شيء يتفق عليه المخلصون ولا يختلفون إلا كتاب الله وسنة رسوله r، وقد كفل الإسلام للإنسان حرية القول بلا إسفاف، وحرية الفعل بلا اعتساف، ونحن ننتظر منكم أن تقولوا للناس حُسْنا، وأن تكونوا مناصحين للمسئولين، عاملين على إعلاء شرع الله، ما نعين كل افتراء عليه، حتى يكون عملكم مقدرا من الناس، وتكونوا مأجورين عليه من الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إن مجلس الأمة دخلته مجاميع الحركة الإسلامية مع ما فيه من مخالفة، تحت قاعدة السياسة الشرعية في موضوع المصالح والمفاسد، وعلى هذا فكل يوم لا يُسن فيه تشريع جديد يوافق الشرع أو يُغير قانون يخالف الشرع هو مسئولية أمام الله سبحانه يوم تكون الأمانة التي لم تؤخذ بحقها حسرة وندامة، وحق أمانة مجلس الأمة إقرار وتأكيد التشريعات الإسلامية، وما تأخير المجلس –والذي فيه كوكبة من أبناء الحركة الإسلامية- ما تأخيرهم عن إقرار أو إنفاذ ما تم في لجنة استكمال الشريعة إلا نوع من تضييع المسئولية، ووضوح الهدف من وجود المسلم في المجلس يُسهل المهمة ويحقق التصحيح الذي هو مؤتمن عليه شرعا، ومن النماذج التي نراها واضحة في العمل على تحقيق المشروع الإسلامي –ولا نزكي على الله أحدا- الأخ الدكتور وليد الطبطبائي، الذي يحاول ما استطاع إصلاح الخطأ وتقويم المعوج، إن وجود أعضاء من أبناء الحركة الإسلامية أو من محبيها في المجلس يساعد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم إن لم يتمكنوا من تحقيق ذلك على النحو المطلوب فحسبهم أنهم يحاولون ويبذلون في سبيل ذلك كل ما يستطيعون، ويكفي أن ينطبق عليهم قول الله: “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب“
إلى قادة العمل الإسلامي
العمل للإسلام له ضريبته التي يعرفها العاملون ، من تضحيتهم بالمال والوقت والجهد في سبيل نشر الدعوة على وجهها الصحيح ، ومحاولة رد الناس إليها رداً جميلاً ، بعد أن تسربت إلى كثير منهم مفاهيم خاطئة نتيجة عوامل كثيرة.
وهذه الغاية (نشر الدعوة ، ومحاولة رد الناس إليها بالحسنى) تتطلب جهود كثيرين ، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل في الوقت الراهن أن يقوم فصيل واحد من فصائل الحركة الإسلامية .
فساحة المسلمين تحتاج إلى جهود جميع الفصائل الموجودة ، التي قد لا تكفي إلا لتغطية جزء من واحد من هذه الساحة المديدة المعبأة بأكثر من مليار وثلاثمائة ألف مسلم … إن الجهود المبعثرة لا تغني فتيلاً، ولا تروي ظمأ المتعطشين لثقافة الإسلام الصحيحة في هذه الساحة الفسيحة . وتكتل جهود العاملين – اليوم قبل الغد – أمر لا محيص عنه ، إن أردنا أن نخطو خطوة على الطريق الصحيح، وأنتم أيها الإخوة الكرام الكبار تعرفون – جميعكم – ما أقول ، فلماذا لا تتغير صورة الجهود المبعثرة ؟ وإلى متى يظل هذا الوضع ؟ إننا ما لم نستفد من تجربتنا في السنين الماضيات ، ونتقارب بل نتلاحم فإن العوادي ستعدو علينا وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .
ونحن لا نعرف عن أحد تقصيراً في مهمته التي نذر لها نفسه ، ولا تراجعاً في جهده الذي يقدمه أو ماله الذي لا يضن به ، أو وقته الذي يحجزه عن أولاده وأسرته لعمله في نطاق الدعوة والحركة ، ومن ثم فإن النتائج الكثيرة التي يجنيها كل فصيل على حدة تظل في حيزها الضيق المحدود فتكون أشبه بمجموعة من الينابيع التي لا تصب مياهها في مجرى واحد ، فهي وإن روت بعض المخلوقات فإن مياهها لا تتدفق باستمرار ولا تمتد إلا إلى مدىً محدود، فإلى أي مدى يظل هذا الأمر؟
إننا بحاجة إلى جهد يبذله أي مسلم في أقاصي الأرض ، ونحن بحاجة إلى أن تتسع الصدور لكثير من التوجهات التي لا تخالف روح الإسلام ، ولو أننا مددنا أيدينا لهؤلاء فلربما كانت لنا اليوم صورة أفضل وأحسن مما هي عليه الآن .
إن الصحوة الإسلامية لا تقتصر على مكان من بلاد المسلمين دون غيره لأن لها في كل بلد تقريباً فتية آمنوا بربهم ، ومن الخير أن تتعدد أوجه الربط بين هذه الفئات بحيث يتناصحون ويتعاونون ، وأظن أن الروابط في الثمانينات وبداية التسعينات كانت أقوى وأعمق مما هي عليه الآن ، مما يوحي بأن شيئاً ما قد حال دون أن تنمو الحركة الإسلامية في أماكن جديدة ، ومن واجب قادة الحركة الإسلامية أن يزيلوا العوائق التي بينهم ، ويرفعوا الحواجز التي تحول دون ترابطهم بإخوانهم ، وأن يعملوا جميعاً في تآلف وتوادّ حتى يكونوا كالبنيان المرصوص . فهل وصلت الرسالة ؟
وأخيرا فإني أحب لكل المسلين ، بل لكل البشر الخير والهداية ، وأود لنا – المسلمين – أن نعرف طبيعة العصر ومشاكله العديدة ، ومغرياته التي تفوق الحصر والعد، وأن نحدد موقفنا بوضوح أمام التيارات التي لا تتوقف عن الحركة في ليل أو نهار، أو شرق أو غرب، وأن ندرك عظيم المهمة التي نتحملها فنعمل على:
1- الاستفادة من كل الطاقات الموجود في جسم الحركة الإسلامية.
2- تحديد قضية الولاء والبراء وفق قواعد الشرع وأدلته.
3- مسابقة الأحداث والتواجد الدائم بالرأي والموقف الإسلامي في كل مستجدات الحياة.
4- الجدية في كل الأعمال التي تقوم بها الحركة.
5- الاعتناء بالقيادات الشابة وإعطائهم الثقة في التكليف وتحمل المسئولية.
6- التنمية العلمية لكل الأفراد المنتمين للحركة.
7- الابتعاد عن التعميم في مخاطبة الناس، سواء أكانوا في الحركة أم كانوا بعيدين عنها.

