بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

المشاكل الكويتية تزداد تعقيدا لو حلت على غير طريقة الكويتيين، وبغير عقليتهم وتتضاعف آثارها، وينجم عنها مشاكل جديدة قد تكون أشد تعقيدا، وأقوى هدما للبناء الاجتماعي من المشاكل التي سببتها، وحل المشاكل الكويتية يقوم من قديم على التسامح وإقالة عثرات الكرام، والتناصر والتعاون أمام الشدائد، والتنازل -أحيانا- عن بعض الحقوق الحالَّة أو تأجيل تحصيلها في أوقاتها، والتماسك أمام التحديات الخارجية والوقوف في وجهها، حتى تنفرج الأزمة وتزول الكربة، وقد تجد من بين الناس من يتصدى لحمل أعباء أكبر من غيره، لأن قدرته ومنزلته تخوّل له أن يقوم بهذا الدور في الجانب المالي أو الاجتماعي، وهذا وغيره أضفى على الكويت قيمة، لم يكن النفط وحده قادرا على تحقيقها، حتى أطلق عليها فيما مضى: (جوهرة الخليج) أما اليوم فإنها غادرت منزلتها التي كانت من قبل وتخلت عنها.

أولا: حل المشكلات:

وحتى لا ندخل في عموميات يحار معها القارئ فإننا نتناول بعض القضايا، التي تظهر أحيانا على الساحة، ثم تختفي، لتظهر من جديد مرة أخرى مخلفة وراءها بعض الأقوال وبعض الأحزان، وبعض الضربات، التي تعمل على هدم البنية الاجتماعية الكويتية، وتترك فيها مِزَقا قد لا تكون كبيرة، ولكنها -إن طالت وتتابعت وكثرت- مؤثرة على الكويت وأهلها الذين يعتبرون التراث جزءا مهما في حياتهم، يسري من الماضي إلى الحاضر في رفق وتؤدة، مع احتفاظه بقيمته، التي قد تزداد على مر الأيام، والتراث ليس (قرقيعان أو صورة بيت قديم، أو سفينة قديمة) إنما التراث قيم فاضلة وأخلاق نبيلة، وعادات سليمة وتقاليد راسخة، وأعراف سائدة، قد صفت من الشر، وخلصت للخير، وقد تأخذ هذه الأشياء قوة القانون أو الشرع -ما لم تصادم نصا- لأنها مبنية ومؤسسة في الأغلب الأعم على وجود شرعي أو قانوني، يحرص على الخير، ويدفع الشر. ولو أننا أرجعنا حل بعض القضايا إلى هذا التراث بصورة أو بأخرى لأرحنا واسترحنا.

وعلى سبيل المثال -لا الحصر- فإن في سجن طلحة (سابقا) وهو خاص بأصحاب الذمم المالية من

سجناء الذمم ما أسهل ن تحل مشكلتهم وتسدد مديونيتهم من غير أن يسجنوا أو يهانوا.

شيكات وغيرها عددا من الناس -ليسوا قليلين- سجنوا في مبالغ لا تتعدى 4 آلاف، أو 5 آلاف دينار كويتي، وقد سجن أصحاب هذه الشيكات لأن مشكلتهم قد حلت بطريقة القانون وحده، دون نظر إلى الروح التعاونية المتسامحة القائمة في هذه الأرض من قديم، يسجن أمثال هؤلاء وهم أرباب أسر وأصحاب عمل ومسئولون عن زوجة أو زوجات وعن بنين وبنات، مقابل توقيعهم عمدا أو جهلا على شيكات قد لا يغطيها رصيدهم في وقت من الأوقات.

ولقد كان من الممكن أن يحصل صاحب الحق على حقه، وأن يسلم المدين من سجنه، لو أن الأمر استشعرنا فيه شيئا من المسامحة الدينية والتقاليد التراثية. فلو قسط هذا الدين على سنة -مثلا- أو على سنتين لأخذ صاحب الدين دينه، ولسلم المدين من سجنه أولا، ومن الحرج الذي يلحقه ويلحق أسرته ثانيا، ومن النفور الذي يقابل به مجتمعه أو يلقاه به المجتمع ثالثا، ولما أوقفنا عضوا عاملا في المجتمع شهورا أو سنينا.

وإني لأعرف أشخاصا يتعبدون لله سبحانه بقضاء دين أصحاب الذمم المالية الذين ضاقت ظروفهم عن سداد دينهم، وقد كان سلفنا الصالح يتعبدون الله بعتق الرقاب، وهؤلاء المعاصرون يتقربون إلى الله بعتق أصحاب الذمم المالية، الذين وقعوا في الحرج، فيسددون عنهم ديونهم القليلة، ويعفونهم بذلك من السجن ومن الوقوع في الحرج، ويفرجون كربهم. وكم من غني في بلدي يستطيع أن يفعل ذلك .. ورمضان كريم يا بلدي.

مذلة ومهانة لا يرضاها الغيورون:

وعلى ذكر سجن طلحة فإننا ننبه إلى منظر لا يليق بأناس متحضرين أن يقعوا فيه، أو أن يأخذوا به ويمارسوه.

إنك ترى عند زيارتك إلى هذا المكان أسرة تزور عائلها، يلتقون به في ساحة صغيرة ويجلسون متلاصقين، في منظر غير حضاري، وكأن المقصود من الزيارة إظهار ذل هذا الذي وقع في الإعسار، وأصابته المتربة، فجيء به إلى هذا المكان، ليزوره بنوه فيرون بأعينهم هوانه على الناس، الذين هم أولى الناس بإنصافه، وإبعاد الذل عنه.

وقد يكون من بين هؤلاء السجناء من هو في سن الشباب، وزوجته كذلك شابة فتية حيل بينها وبين

مكان زيارة السجناء المعسرين، فيه إظهار لذلهم وتهوين من شأنهم، ووقوعهم في الحرج بخدش حيائهم وجرح فؤادهم.

زوجها، فلماذا لا تكون هناك غرف مخصصة للقاء الأسرة، بعيدة عن أنظار الناس، ومعدة بنظام خاص يحفظ لهؤلاء كرامتهم وعفتهم بشكل لا يخدش حياء، ولا يحرج فؤادا.

وإني لعلى ثقة من أن الشباب الموكول إليه المحافظة على السجناء ورعايتهم قادرون على وضع نظام خاص بهذا الشأن، يحفظ كرامة السجناء، ويحقق في نفس الوقت هيبة السجن من غير إفراط هنا أو تفريط هناك .. ورمضان كريم يا بلدي.

ثانيا: تكتلات القوى السياسية

القوى السياسية في بلدي بمختلف فصائلها وتكتلاتها تجتمع وتلتقي من أجل الانتخابات وتصفية الحسابات، والحصول على صفقات، وتتبادل المصالح فيما بينها، وتحرص على المكاسب الذاتية لأفرادها، وتسير في هذا الطريق، كثير المنعرجات والمزالق، وهي تدرك أو لا تدرك أنها -بعملها هذا- تخطو نحو المنحدر، الذي قد يسبب الهلاك.

وأولى بهذه التكتلات أن تلتقي لوضع استراتيجية تراعى فيها الأولويات، ويقدم فيها الأهم على المهم، ويتخلى فيها المجتمع عن المظهرية في الاستهلاك أو التصرفات، ويلتف الجميع حول مصلحة هذا الوطن الصغير، الذي تهب عليه الأعاصير من كل ناحية، وتأتيه المعضلات في بعض الأحيان من حيث لا يحتسب.

إننا في سفينة صغيرة تتلاطمها الأمواج، وما لم يكن الربان ماهرا، والأيدي متعاونة والوجهة واحدة، والعمل متواصلا ضاعت السفينة، وضلت طريقها في البحر، إن لم يبتلعها اليمّ. فما بال هذه التكتلات كل منها يعتبر السفينة ملكه، وهو ربانها يسيرها كيف شاء؟

وإذا لم يكن أمر هذه التكتلات كذلك، فما هذا التخبط بين الكتل البرلمانية؟

وما هذا التخبط بين الحكومة والمجلس؟ وما هذه الصراعات التي تظهر حينا وتغلف بأغلفة

التكتلات السياسية التي تلتقي من أجل الانتخابات أو تصفية الحسابات أو تقسيم المصالح متى تلتقي لخدمة الوطن وتقديم مصلحته؟

دبلوماسية حينا آخر؟ وما المشاكل التي حلت في ضوء النظرة الضيقة التي لا ترى إلا المصلحة الشخصية؟ إننا من أجل نقل حارس أو موظف يستجوب وزير. ومشاكل آلاف الشباب الذي ينتظر الوظيفة في المستقبل القريب لا ينظر لها.

فهل مصلحة الفرد مقدمة على مصلحة المجموع؟ وهل مصلحة (الكتلة أو التكتل) مقدمة على مصلحة الوطن؟ وهل يستقيم الوطن بهذا ويسلم من الأخطار ويتحقق له الأمان؟ ورمضان كريم يا بلدي.

ثالثا: الأمن قبل الرزق.

الأمن لا غنى عنه لفرد أو جماعة في أي وقت من الأوقات، لما له من أثر فعال في حياة الناس، فبدونه لا ترقى حضارة ولا يتم تقدم، ولا يسلم الإنسان أو الوطن من غائلة الأشرار، وقد امتن الله على قريش بالأمن فقال: “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” وكان من دعوات إبراهيم عليه السلام “رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات وحين دخل أخوة يوسف مع أبويه إلى مصر كان أهم ما يشغل يوسف نحوهم أن يبث في نفوسهم الأمن، فقال ما سجله القرآن الكريم: “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين وحين أعلنت قريش أو الملأ منها أنهم إن اتبعوا الإسلام ضاعوا وهلكوا جاءهم الرد الكريم بأنهم يعيشون في جوار الحرم الآمن: “وقالوا إن نتبع الهدي معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون.

ولقد شعرنا بقيمة الأمن وقت الغزو، وتذكرنا بعض أقوال السلف الصالح التي ذكر فيها أن أحدهم -من شدة الخوف- ما كان يستطيع أن يقضي حاجته، وأدركنا أن نعمة الأمن والسلامة لا تعدلها نعمة، لأن الخوف أساس كل اضطراب وقلق ومصدر كبير لكل خلل أو فساد، فإذا أضيف إليه التسيب عمت الفوضى، فضاعت مصلحة العباد والبلاد.

وعندما يركز سمو ولي العهد على الأمن، فليس ذلك من باب صرف الأنظار عن المشاكل الأخرى، بل هو من باب الأخذ بالأولويات التي لا غنى عنها، والتي ينبغي أن تكون محل بحث ونظر من كل من يعيش فوق أرض الكويت .. ورمضان كريم يا بلدي.

رابعا: أصحاب الأوزان الثقيلة:

الناظر في مجتمعنا الكويتي قبل أربعة عقود يجد كثيرا من الرموز التي لها تأثير كبير ووزن ثقيل في الحوارات وتبادل الآراء، واختيار أنسب المسالك للوصول إلى شاطئ الأمان الاجتماعي أو غير الاجتماعي، ويجد ديوانيات ذات أهمية تتداول فيها الآراء، وتلاحق الجديد من مصادره، وتفرز معطياته، وتحكم له أو عليه، وتوجه الرأي العام، وتكون أشبه بورش العمل الشعبية التي تتصل بالمسئولين وتضع أمامهم خلاصة ما توصلت إليه، مما يعني الشأن العام ليقوموا هم بدورهم بتنفيذه، وتحقيق أمل الجماهير، أو تحقيق ما يمكن تحقيقه منه. فأين هذا مما هو موجود اليوم في الديوانيات من لعب الورق، ورؤية التلفاز،والحديث عن هذا أو ذاك.

وحديثنا عن الأوزان الثقيلة -ونحن في رمضان- يشدنا إلى النواحي التعبدية، التي كانت تسير على

تركيز سمو ولي العهد على موضوع الأمن ليس صرفا للأنظار عن المشاكل الأخرى، ولكنه وضع للأولويات في مكانها الصحيح.

خلاف المعهود في معظم مساجد البلاد في هذه الأيام، إذ كان الإمام يعني بأداء العبادة على نحو يشعر معه أنه قد أدى واجبه، وأفاد الناس، فما كان يهتم برأي (الجمهور) لأننا -الآن- نجد الأئمة أو بعضهم يسير على حسب رأي (الجمهور) و (الجمهور) يريد التخفيف في صلاة التراويح، فلا بأس بذلك عند البعض، وتحولت صلاة التراويح، ومعها صلاة القيام إلى جزء من برنامج ليلي فيه مرور على الديوانيات والتقاء بفلان أو فلان، وفيه أيضا وقت للتراويح أو للقيام ولكنه وقت محدد لا يزيد، فلو أطال الإمام قليلا وجد الناس التبرم والضيق، وربما الطلب بأن يقتصر على كذا وكذا، وقد يمتد الأمر لشكوى هذا الإمام عند المسئولين.

بينما نحن كنا نجد ملا عثمان رحمه الله تعالى في المنصورية يختم القرآن بالمصلين مرتين في رمضان دون أن نسمع شكوى أو نشعر بتبرم أو قلق، وكان المسجد يمتلئ بالمصلين، ولا مكان فيه لأصحاب الشكوى أو للمتبرمين.

وكان مسجد ثانوية الشويخ الذي يخطب فيه الأستاذ الدكتور / علي عبدالمنعم رحمه الله يمتلئ بالمصلين ويؤمه المثقفون من جميع الاتجاهات ويؤمه غيرهم، ويخطب فيهم الخطيب يوم الجمعة ساعة وأكثر فلا يضيق أحد ولا يتبرم. أما اليوم فإن للخطبة مدة معلومة إن تجاوزها الخطيب لاحقته مساءلة المسئولين، ولم يسلم من ألسنة المصلين. ولم يسلم الأمر من أن ينتقل هذا الشأن إلى المجال السياسي، مجال الحكومة ومجلس الأمة ومع احترامنا للمسئولين اليوم وتقديرنا لجهودهم إلا أننا نقول إن المسئولين في الستينات كانت لهم أوزان ثقيلة عظيمة الأثر في توجيه دفة السياسة على نحو لا نراه اليوم في بعض القضايا المعروضة.

فنحن اليوم نفتقد أصحاب الوزن الثقيل، ونفتقر إلى إيجاد نوعيات منها في حوارنا وديوانياتنا ومعظم أوجه نشاطنا، حتى لا تجرف سفينة الكويت التيارات المتضاربة. ورمضان كريم يا بلدي

خامسا: حكيم من الأهل

قال لي حكيم من الأهل: ما كان الثراء الكبير المفاجئ الذي تحقق للكويت بزيادة أسعار النفط بعد أكتوبر سنة 1973م في صالح الكويت من كل الأوجه. لماذا؟

لأنه أخرج جيلا لا يتحمل مسئولية على مستوى نفسه أو على مستوى أسرته فضلا عن مستوى وطنه .. فكم أبناء لآباء أثرياء لا يؤتمنون على دراجة نارية ولا على أرواحهم، فكيف سيؤتمنون على ثروة كبيرة في الداخل أو في الخارج أو فيهما معا؟ ومن يضمن ألا تضيع هذه الثروة في سنوات معدودة، تمر في لهو ولعب ثم لا يجد صاحبها شيئا بعد ذلك غير الكفاف؟

قلت: قد يكون هذا الذي ذكرنا صحيحا بالنسبة للبعض ولكنه غير صحيح بالنسبة للبعض الآخر.

قال: هو صحيح بالنسبة لأغلبية الجيل الناشئ الذي لا يعنيه إلا تحقيق رغباته.

قلت: إن الكثيرين يتحدثون عن حق هذا الجيل الناشئ في ثروة البلاد. وعن المحافظة على هذا الحق.

قال: الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية تراعي المستجدات التي تحدث كل يوم، وتوقظ عقول الشباب وتنبههم إلى مواضع الخطر وأماكن الخلل.

قلت: إن المسئولين يضعون في الاعتبار عند أي قرار حق الجيل الناشئ في ثروة البلاد وليس المثقفون وحدهم.

قال: فليكن حديث المسئولين وغير المسئولين غير مغفل لعنصر التربية الصحيحة التي تغرس أخلاق الصلابة والصبر والتحمل والبذل والتضحية وغيرها من الأخلاق الأساسية في نفوس الشباب، ولا تعمل على تدليلهم، حتى إذا جد الجد وجدنا رجالا يعملون ويصبرون ويضحون ولا يفرطون.

قلت في نفسي: إن دولا غنية تأخذ نفسها بتربية أبنائها وتسلك بهم هذا المسلك ثم تدفع بهم إلى الحياة دون خوف، فلماذا لا نسلك هذا المسلك فيكون أبناؤنا بذلك رصيدا مضافا إلى ما عندنا، وثروة لا تقوّم بمال في وطننا. ورمضان كريم يا بلدي.

سادسا: علاقة بلدي بجيرانها

“جوهرة الخليج” لقب الكويت الذي كانت تعرف به في البلاد المحيطة، وقد كان الجميع في تلك البلاد ينظرون إلينا نظرة تقدير وحب واحترام وثقة. ولأسباب عديدة من أهمها خروج 60% من الكويتيين من بلدهم أثناء الغزو واستقرارهم في البلاد المجاورة، ونفوسهم ملتاعة لفقد وطنهم، وظلمة مستقبلهم، وإحساسهم بالقهر والظلم لضياع ممتلكاتهم أدى ذلك لأن يتصرف البعض منهم تصرفا مخالفا لما استقر في أذهان الناس عنهم، مما كان سببا في فقدان شيء من الحب لهم والثقة بهم، وما زال هذا الإحساس موجودا حتى الآن .. فحقيقة الواقع هو الخطوة الأولى في سبيل

احترامنا لكل العاملين في الحكومة والمجلس تقديرنا لهم لا يمنعنا من أن نقول: إن أداءهم خلا في بعض الأحيان من وجود أصحاب الأوزان الثقيلة كما كان في الستينات.

استعادة هذه الثقة وذلك الحب، والمكابرة في هذا الجانب لن تفيد شيئا.

فهل نعمل على استعادة هذه المكانة التي كانت للكويت؟ .. ورمضان كريم يا بلدي

سابعا: نحن بين القليل والكثير.

أصبح القليل كثيرا والكثير قليلا.

أصبح التفسخ والتحلل من القيم والأعراف كثيرا وقد كان من قبل قليلا، فقد كان من النادر سابقا أن ترى وجه امرأة تسير في الطريق، لأنها حريصة على تغطية جميع أجزاء جسمها، أما اليوم فمن النادر أن تغطي امرأة وجهها، إذ سادت (الموضات) المصدرة إلينا أذهان كثير من السيدات والفتيات، وساعد على انتشارها التلفاز بأفلام عروض الأزياء أو نقلها من أماكن عرضها، بحيث تتسع قاعدة المشاهدات لها المقلدات لما يدور فيها، ليعرضنه -بدورهن- في الشوارع والأسواق وأماكن التجمعات، فصرت ترى (كرنفالا) عجيبا، وخليطا غريبا من الأزياء المتنافرة ما بين قصير وطويل ومفتوح الصدر أو مفتوح الظهر، وملتصق بالجسم، وغربي أو شرقي، وباختصار صرت ترى كل شيء غريب عن تراثنا وتقاليدنا يكثر في بلدنا، ليكون دليل التخلي عن قيمنا وبرهان التأثر بالآخرين.

أصبحت الجرأة على المجاهرة بالمنكر كبيرة بعد أن قليلة، وإني أعرف رجلا كبير السن رأى بعد الغزو شابا مع فتاة تكاد تكون متجردة من ملابسها فنصحه بأن هذه ما ينبغي أن تكون هكذا، فما كان رد الفتى عليه غير لكمة في وجهه أفقدته الوعي خمس دقائق، مما جعل هذا وأمثاله من الناس يشاهدون المنكر ولا ينكرونه، بل إنهم كادوا يألفونه.

وأصبح الإسراف كثيرا بعد أن كان الاعتدال هو الأصل، وغالى الناس في الإنفاق في أشياء مظهرية، حتى اهتموا بالحيطان الخارجية لبيوتهم، ربما أكثر من الحيطان الداخلية، وتجد الواحد يقترض من هنا ومن هناك من أجل شيء مظهري لا يسمن ولا يغني من جوع، وانعكس ذلك على الأولاد، فنشأوا على الإسراف في كثير من التصرفات.

والتبذير مضر بالإنسان لأنه يجعله غير مالك زمام نفسه، بل يجعله تابعا للشيطان، وكأنما هو أخوه ورفيقه “إن المبذرين كانوا إخوان الشيطان” فهلا عدنا إلى الاعتدال في الإنفاق، واعتبرناه أحد مسالك النجاة.

وفي مقابل هذا الكثير الذي كان من قبل قليلا نجد أمورا قليلة كانت من قبل كثيرة.

فقد أصبح الوفاء قليلا بعد أن كان كثيرا، ولا أريد أن أذكر قصصا في ذلك، وكل واحد منا له موقف أو مواقف يلمس فيها قلة وفاء الآخرين نحوه، وله كذلك مسموعات منقولة عن الآباء والأجداد في عظيم الوفاء الذي كانوا يلمسونه ويدركونه.

وأصبح احترام الكبار وتقديرهم قليلا بعد أن كان كثيرا، والقصص التي تسجلها البلاغات الرسمية وتنشرها الصحف اليومية في هذا الجانب كبيرة، فضلا عن القصص التي لا تنشر ولا تسجل، والناظر في بنية الأسرة اليوم يجد هذه الظاهرة غالبة في كثير منها، حتى إنك صرت ترى الولد يدخن ويمد رجله، ويعلو صوته في حضور والده دون أن يكترث لذلك أو يشعر بأنه ارتكب جرما. وهكذا صارت علاقة الصغار بالكبار في كثير من الأمور. فهل نعالج هذه الظاهرة قبل أن تستشري؟

وأصبحت صلة الرحم قليلة وكانت من قبل كثيرة، يمارسها الناس تعبدا لله، لأنهم يعلمون حديث

“جوهرة الخليج” لقب الكويت المميز الذي أضعناه. أيمكننا أن نعيده مرة أخرى.

رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس الواصل بالمكافئ وإنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها”، أما اليوم فقد صارت صلة الأرحام مقطوعة عن الدين ملحقة بالعادات الاجتماعية وكأنما الناس يقولون من وصلنا وصلناه، ومن قطعنا قطعناه. فأين الحاضر من الماضي؟!!!

وأصبح الحياء قليلا بعد أن كان كثيرا، فقد كانت المرأة إذا خلعت عباءتها في بيت زوجها قالوا: لا تلبسها بعد. كناية عن عدم خروجها إلا لضرورة، أما اليوم فحدث ولا حرج حتى إن إحدى الدارسات في بعض دور العلم فوق الثانوية العامة تذهب إلى الدراسة بلباس فوق الركبة، ولما اتصلت الإدارة بزوجها لتخبره أن هذا لا يليق حضر إليهم وسفّه آراءهم، ورماهم بكل غليظة من القول. فهل تتعدل الأحوال؟ .. ورمضان كريم يا بلدي.

وأخيرا رمضان شهر التغيير.

في رمضان تتغير حياة الإنسان التي ألفها وخاصة فيما يمسك رمقه ويحفظ نوعه، فيمتنع مختارا عن شهوات البطن والفرج يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويثبت بذلك أنه قادر على امتلاك نفسه، فلا تستبد به شهوة ولا تستعبده لذة. وهو قادر على تغيير كل ما هو قبيح أو مستنكر أو مرذول مذموم إلى الصلاح والخير والمعروف، فهل نعمل جميعا من أجل هذا التغيير الذي فيه صالح الفرد والأسرة والمجتمع؟