بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

تشغل الأزمة الحالية بين العراق والأمم المتحدة الرأي العام في بلادنا ، وتستحوذ على اهتمامه الذي زاد في الأيام الأخيرة حتى غطى على كثير من الأمور الأخرى التي لم ترق درجة أهميتها لمستوى هذه الأزمة ، خاصة وان الناس عندنا قريبون من مواقع الأحداث ، يدركون أنها قد تؤثر فيهم ماديا كما تؤثر الآن فيهم شعوريا ومعنويا ، مما جعل البعض يصاب بالهلع والفزع ، فيبادر لأخذ وضع الاستعداد وتخزين بعض المتاع والعتاد داخل البيوت تحسبا لأي طارئ يطرأ أو خطأ يقع .

        ولسنا ننفي احتمال وقوع خطر ما هنا أو هناك ، فالأخطار ورادة في غير زمن الاستنفار ، ووقوعها اشد احتمالا في زمن الاستنفار ، ولكن الآمر لا يستدعي كل هذا الفزع وكل هذا الجزع ، فمازلنا والحمد لله في آمان ، ومازلنا في حال من الاطمئنان لا تتفق مع الفزع او الجزع ، وما سوف يقع من أحداث لا يخرج عن الإطار العام الذي يمتحن به المؤمنون الصادقون الذين يقع عليهم الابتلاء والاختبار ، { ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الله الكافرين }{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين }
{ احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }{ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ..
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين }

        ان الابتلاء سنة من سنن الله في خلقه ، جرت على الأنبياء والمرسلين وعلى أصحابهم وتابعيهم ، وهي تجري على المسلمين في كل عصر وفي كل مكان { ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة } وحين يقابل البلاء بالثبات والصبر والاحتساب والاعتماد على الله والركون أليه وطلب العون منه ، والثقة في أنه وحده هو الذي يرفع البلاء ، ويدفع البأساء والضراء ، وينزل النصر من عنده على الصادقين المخلصين فان هذه الأمور تكون سببا في تعلق السكينة بالقلوب ، فلا تجزع ولا تفزع ، لأنها تعلم وتوقن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : واعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك وان النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرا ))

 تماسك وثبات

        وقد كان الصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهم الأسوة والقدرة يأتيهم الضر فلا يفزعون ويحيط بهم الأعداء فلا يخزعون ولا يخافون ولا يرتابون او يشكون في أن نصر الله آت لهم ، وان الله مدافع عنهم { أن الله يدافع عن الذين آمنوا ان الله لا يحب كل خوان كفور}

الحيطة والحذر والضراعة

إن للصبر والثبات والتحمل وذكر الله جزاء لا يتخلف هو التمكين والنصر والفلاح : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم اصبروا ان الله مع الصابرين } ونحن أمام هذه الأحداث لا ينبغي لنا، أن نخرج عن هذا الإطار الذي به تنزل السكينة ، ويخف البلاء ، ويمثل الجزاء ، ونخرج منه ظافرين ان شاء الله دون أن يلحق بلدنا أو أهلنا ضرر ، وكل ما علينا ان نحسن الرجوع إلى الله بالضراعة والتوبة والإنابة { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا } ولنتذكر حال الضراعة التي كنا عليها في سنة 1990م فأثمرت نصرا ، وفتحا ، فعادت البلد لا صحابها وعاد الناس إلى بلدهم مقرين بفضل الله ونعمته ، مدركين قوله سبحانه { وما بكم من نعمة فمن الله } فليس المطلوب الآن تخزين الطعام ولا الفزع على الحطام ، وإنما المطلوب التوبة والأوبة والرجوع إلى الله والضراعة له وطلب التمكين منه ، وشكره على نعمه ، والصبر على البلاء والثبات أمامه حتى يزول وينقشع ، وسيكون زواله عما قريب إن شاء الله .

        هذا واجبنا في هذه المرحلة إلى جانب اخذ الحيطة والحذر ، ولكن الحذر شيء والخوف والجزع شيء آخر ، فلنأخذ حذرنا ، ولنحسن استعدادنا ولنلق ثوب الخوف والجزع عن ابداننا، ولنفوض إلى الله أمرنا ، ونحن به واثقون { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون }

نظرة واقعية

هذا ما ينبغي أن يكون عليه موقفنا من الأحداث أما الأحداث ذاتها فإننا يستوقفنا منها حديث اولبرايت وقولها : (أننا عازمون على حماية جميع شعوب المنطقة من التهديد الذي يفرضه نظام صدام حسين المسلح بأسلحة الدمار الشامل) لقد وردت هذه الجملة على لسان وزيرة الخارجية الأميركية في ختام زيارتها للقاهرة التي اختتمت بها جولتها الأخيرة في دول المنطقة.

        ولو صح هذا القول لرحبت شعوب المنطقة بهذه الضربة المتوقعة للعراق فشعوب المنطقة التي عانت سنة 1990م مما فعلة صدام حسين لا تنسى انع شرد الكثيرين ، وأرهق دولا عديدة وشهدت ارض الكويت من عبث جنوده وضباطه مالا يخفى على أحد ، ومازالت بقايا أفعال هؤلاء الجنود ممثلة في عدد من الأسرى الكويتيين ، اختطفوا من الشوارع وابتلعهم اليم العراقي ، ثم أنكر وجودهم وأصر على الإنكار ، ولم يقتصر الامتهان العراقي على ذلك ، بل امتدت يده الباطشة بالسوء لكل من كان في الكويت من الرعايا الغربيين أو الشرقيين ، العرب وغير العرب ، المسلمين وغير المسلمين ، فما سلمت من شروره رعايا دولة ، وشهدت الصحراء آلاف حالات القهر والظلم والجبروت .

        إذن فشعوب المنطقة تود لو أنها استراحت من هذا النظام الذي طغى وبغى ، وعاث في الأرض فسادا ، وجحد كل نعمة وأنكر كل منة ، وفي مقدمة شعوب المنطقة التي تود ان تستريح من صدام ونظامه الشعب العراقي ، الذي حاق به الظلم وأحاط به القهر ، واشتد به القتل في ( حلبجة ) وغيرها دون أن يجد من بين الناس نصيرا ولا معينا ، شعب العراق الذي اشتد به الجوع والحرمان ، وهو الغني بما أفاض الله عليه من نعم في ظاهر الأرض وباطنها ، ولكنها نعم مسلوبة ، سلبه النظام الصدامي وسخرها لخدمة أغراض لا نفع فيها لشعب العراق ولا لشعوب المنطقة .

        تريد أمريكا أن تريح شعوب المنطقة من التهديد الذي يفرضه نظام صدام حسين ، فليكن الأمر كذلك على أن يكون في مقدمة الشعوب التي تستريح من هذا النظام الشعب العراقي .. ولن يستريح الشعب العراقي ولا شعوب المنطقة إلا بزوال صدام حسين ونظامه .

النظم الطاغوتية والضربات العسكرية:

        فهل الضربة القادمة التي تمهد لها أمريكا ألان هدفها إزالة صدام ونظامه ؟ وقبل ان نجيب بالنفي أو الإثبات نقول : إن الضربات العسكرية التي تأتي من الخارج لا تحدث تغييرا في نظام ما لم يكن الشعب في الداخل مهيئا وقادرا على استغلال الضربة الخارجية لإزالة النظام الجاثم على صدره وقد يكون الشعب مقيد الحركة ، غير قادر على التصرف أو التحرك، لكن الجيش في داخل البلد يستطيع بمساعدة الضربة الخارجية لانقضاض على أركان الحكم ، والاستيلاء عليها وإزالة القابعين فوقها ، والمعادين للشعوب .

        وإذا لم يوجد شعب قادر ومعبأ ، أو جيش متربص منتظر فان الضربة العسكرية الخارجية تصبح عبئا ضافيا على الشعب المقهور تزيد من قهره والتحكم فيه بحجة إزالة الاعتداء والرد عليه والاستعداد له ( لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ) ويظل النظام يفعل ما يشاء وقد حدث هذا من قبل مع نظام صدام نفسه سنة 1991م فلم يتغير هذا النظام رغم آلاف الأطنان من المتفجرات التي ألقيت فوق الأرض العراقية .

        ومازال الشعب العراقي مستكينا مغلوبا على أمره ، ومازال الجيش العراقي في قبضه صدام ، فهل مازالت أمريكا مصره على القول : أنها تريد حماية شعوب المنطقة من التهديد الذي يفرضه نظام صدام ؟

        أكاد اشك في ذلك كثيرا ، لان أمريكا ذات التاريخ العريق في صنع الانقلابات العسكرية في البلاد العربية ابتداء من حسنى الزعيم لا تجهل كيف تعمل على إزالة نظام في دولة من دول العالم الثالث ، وأمر إزالة هذا النظام اقل كلفة وايسر حركة من هذا الحشد العسكري الهائل الذي تتجمع فيه حاملات الطائرات ، وتستعد له الأرض الكويتية باستقبال 2000 جندي أمريكي إضافة إلى الموجودين فيها من قبل ، وتتحمل شعوب المنطقة تكاليف هذه الحشود الهائلة ، وتظل مدينة لسيدة العالم ، تتمتم بشكرها وتقبل أياديها على ما فعلت .. لو أمريكا ان تقتلع نظام صدام لفعلت ، ولو أنها شعرت أنها أخطأت في حسباتها سنة 1991 م حين لم تقض عليه ، ما عدمت حيلة في استدراك الخطأ ن ولكنها لم تفعل رقم وجود عديد من الفرص لتنفيذ هذا المطلب لو انه كان ضمن تكتيك الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ، وهذا يجعلنا نعود فتقول : نكاد نشك في أن هدف الضربة المتوقعة هو إزالة صدام ونظامه ، بل ان كلينتون نفسه قال منذ يومين عندما سئل عما إذا كان يفكر في شن هجوم على صدام حسين نفسه ك ( ليس هذا ما أذنت لنا الأمم المتحدة بعمله ، وليس هذا ما ينصب عليه اهتمامنا المباشر )

        ما الهدف إذا من الضربة القادمة إن تمت بالفعل ؟

ما الهدف:

إنه ليس هدفا واحدا وإنما أهداف متعددة منها:

أولا : ضعضعة قوة الدولة العراقية وقدرتها وشل حركتها مع بقاء صدام حسين قابعا فوقها ليظل الأمن والاستتباب معدوما في المنطقة ، ويظل الخطر موجودا ، يمكن تحريكه في أي وقت ترفض فيه أي دولة في المنطقة هذا الوضع الموجود الآن .

ثانياً : تصبح هذه الضربة العسكرية ـ في حال حدوثها ـ إنذار عمليات لإيران تدفعها لتلاحق خطوات التقارب التي بدأت مع أمريكا ولا تتباطأ فيها أو تتوقف أو تتشدد .

ثالثاً : طمأنه إسرائيل على أن الجبهة الشرقية نائمة أو فاقدة الوعي لمدى غير محدود من السنين مما يعني المزيد من الاستكبار والغطرسة في وجه دعاة السلام العرب ، والانصراف عن مطالبهم والتركيز على الخليج العربي بمد الهيمنة الاقتصادية .

رابعاً : مكافأة تركيا على تحالفها مع إسرائيل بتوسيعها في الشريط الحدودي القائم الآن ـ في شمال العراق على غرار الشريط الحدودي في جنوب لبنان ، وإعطائها حق التصرف المطلق في المياه ، بحيث يمكن أن تقطع من نصيب العراق جزء ليذهب إلى إسرائيل ، وقد تتساهل في موضوع قبرص بشكل أو بآخر ، ويكون هذا التصرف بمثابة تعويض لها عن رفض الدول الأوروبية لانضمامها .

خامساً : زيادة الاعتماد على القوة الأمريكية في المنطقة والركون لهيمنتها ومنع أي حديث عن انسحابها من المنطقة فهل الضربة العسكرية لحماية شعوب المنطقة من تهديد نظام صدام ؟

        لو كانت كذلك لقلنا : نعم وكرامة ولكنها ليست كذلك كما يظهر والمعطيات إلى الآن تقول ان أمريكا لا تريد زوال الطاغية مادام يحقق أهداف الأسياد في المنطقة فهي إن كانت تريد أن تزيل صدام ونظامه من موقعة فما قيمة الضربة لشعوب المنطقة إذاً ؟ أنها لزيادة القيود وزيادة الأعباء وزيادة الخوف وإثارة شيء من الفزع في المنطقة فما نفع الشعوب في هذا كله ؟ وأي فائدة تجنيها ؟ .

شيء من الدقة:

في هذا الأجواء نحتاج إلى ميزان دقيق للتعبير عن الآراء من خلال البيانات أو الخطابات ، وان نبتعد عن التعميم الذي لا يحمل حقا ويثير باطلا .

        فالناس تجاه هذه الضربة فريقان : فريق يرى أنها ستجعل المنطقة العوبة في يد أمريكا فلا ينبغي أن تتم وفريق يرى أن العراق مصدر الشر كله فينبغي ضربه دون أن يفرق هذا القسم بين النظام الطاغوتي الصدامي وبين مقدرات الشعب العراقي .

        وكلا الفريقين يميل نحو الإفراط والمبالغة في موقفه وينبغي أن نفرق بين العراق كأرض وشعب ن ونمنع عنه الضربة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، وبين النظام العراقي الذي نبارك ضربة ونؤيد أزالته ، لان الشر سوف يبقى قائما ببقاء هذا النظام ، ولن يزول الشر ألا يزوله .

        نحن نتصور ان الضبط والدقة في العبارة مطلوبة في مثل هذه الأوقات ، والتأكيد أن العداء يكون على النظام وأعوانه ورأسهم ، أما الشعوب فهي مغلوبة على آمرها كما انه لا يمكن للشعب الكويتي أن يعش مع جار عربي مسلم بصورة عداء ومقاتلة لهذا لابد أن يكون شعارنا ( نحن مع ضرب النظام العراقي وإزالة كابوس صدام ، وضد ضرب الشعب العراقي والإبقاء على صدام فأما أن تكون الضربة منهية للنظام ورأسه وإلا فليست هناك إلا مضرة للشعوب الإسلامية وتجسيد للنظام الطاغية )

        وفي الختام نسأل الله العافية في الدين والدنيا .