الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
لقد وضع الإسلام وحده الأمة هدفا له وهيأ من التوجيهات والتشريعات ما يكفل التعاون بين أبناء الأمة الإسلامية مؤكدا على التعاون والتكافل لذلك لم تتخذ الأعمال الخيرية طابعا تبشيريا كما هو مفهوم العمل الخيري الغربي، لأنه موجه في الأساس إلى فقراء المسلمين وأيتامهم ومساعدة المحتاجين والمتضررين من الكوارث والحروب والمساهمة في التنمية والارتقاء بها فقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ذلك هو المبدأ والمنهج الذي سار عليه أهل الخير في الكويت فقد أسسوا صرحا ومعلما امتازوا به عن غيرهم، كما أنهم رسخوا مفهوم العمل الخيري داخل المجتمع الكويتي بسبب انتشار آلية استقبال التبرعات في جميع مناطق الكويت بلا قيود مجحفة ولا شروط منفرة.
كما ساهمت سهولة وتوفر وسائل الاتصال بالجماهير على الوصول لكافة شرائح المجتمع بأبلغ صورة وأصدق حديث لما يعانيه المسلم الفقير من جوع واليتيم من حرمان والمهجر من ضياع والجاهل من ظلام، والمريض من ألم. مما زاد من تفاعل وإحساس أهل الخير مع ما تطرحه اللجان من مشاريع اجتماعية وتربوية وصحية لرفع تلك المعاناة وإيجاد الحلول المناسبة ليعيش المسلم حياة كريمة كسائر المسلمين في أنحاء العالم.
فعندما يقوم المسلم بعمل صالح، إنما ينفذ ما أمره الله به “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة“، وقال تعالى: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون“.
فما يعمله المسلم مجزي به “من يعمل مثقال ذرة خيره يره، ومن يعمل مثقال ذرة شره يره“
فتلك الحقائق التي تنص على المحاسبة بشقيها تطبق في الدنيا والآخرة، حيث بشر الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام في الحديث الشريف “صنائع المعروف تقي مصارع السوء”. وذلك في الدنيا أما في الآخرة فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم “كل امرئ في ظل صدقته حتى يقض بين الناس“
وقد شاهدنا ولمسنا نحن أهل الكويت كيف تم ترجمة بشرى الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك إثناء الاحتلال العراقي الغاشم لوطننا الكويت، فما حدث طوال أيام الاحتلال وحرب التحرير من اعتقال ونهب وقتل وحرائق ودمار وآلاف الأطنان من الذخائر التي سمعنا دويها ومئات الصواريخ التي هزت الأرض بقوتها، لم يكن عدد القتلى والجرحى بالعدد المخيف أو الكبير من الجانب الكويتي الذي احتلت أرضه وأصبح أعز من السلاح، بينما كانت الخسارة والهزيمة والخذلان للظالم والمعتدي، فترك ورائه آلاف الجنود المستسلمين ومئات الآليات العسكرية والذخائر والأسلحة التي لا تحصى.
فنجى الله سبحانه وتعالى أهل الكويت بما صنعوه من معروف، ونصرهم بأعمالهم الصالحة وبصدقاتهم التي ترى معالمها في مشارق الأرض ومغاربها، وذل الظالم وهزمه شر هزيمة.
ومن هذا المنطلق الإيماني الذي أخبرنا عنه ربنا جل وعلا وبشر به رسوله الكريم، لا بد أن نحرص على السير على هذا الدرب الآمن والنهج السليم والمنصف العادل، وأن نتجنب مكائد الشيطان في نكوصنا عن فعل الخيرات باتباع شهوات النفس وحب المال والدنيا “قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها“
فالتبرعات والتكافل والتناصح والتوجيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، كلها أمور إن كان غرضها وجه الله قد أفلح صاحبها، ونجى برحمة ربه وإن كانت لغير وجه الله خاب وخسر الدنيا والآخرة، ولكن يبقى أن نشير إلى أن الكثير من تلك الأعمال الخيرية الإغاثية تقوم على كاهل الجمعيات الأهلية ولا تتبناها الجهات الرسمية مما يبقيها محصورة ضمن إمكانيات محددة ومجالات معينة، لذلك نرى من الضروري والأهمية أن تدخل الجهات الرسمية هذا المعترك لمزيد من العطاء وتأكيدا للطابع الإنساني الخيري لهذه الأمة ولكي ينالها رضى الرحمن وعفوه ويسبغ عليها نعمه وأمنه ويزيدها بركة على بركة.

