بقلم الشيخ/ د. جاسم مهلهل الياسين

واقع مفروض:

يفرض الواقع نفسه على الناس، أو على كثيرين منهم، فلا يستطيعون أن يتجاوزوه أو أن يغضوا الطرف عنه، لأن الأحداث المتشابكة -في هذا العالم الذي انعدمت فيه الحواجز بين البشر- لا تجعل عاقلا يتجاهلها، فهي تؤثر على الجميع، شاركوا في صنعها أم لم يشاركوا، ومن هنا فإنه من اللازم للإنسان أن يلقي نظرة على الواقع من حين لآخر، ليرى أين هو من أحداث هذا الواقع؟ وما الأثر المترتب على هذا الواقع في حياة الأقربين وحياة الأبعدين على السواء؟

والواقع الكويتي مقدم على غيره، إذ يؤثر مباشرة على حياة الكويتيين، ويثير فيهم التجاوب والتعاون، ليعملوا على كسر حواجز الفرقة بكل أشكالها، ليبقى التكافل والتواصل والتوادّ سمة مميزة لأهل الكويت جميعهم، رغم اختلاف مناصبهم وتفاوت حظوظهم من مقدرات الحياة، وتعدد مذاهبهم وتوجهاتهم.

تواصل ومودة:

وأقرب مثال واقعيّ تجسّد لهذا التوادّ كان في لقاء سمو أمير البلاد مع أصحاب الكفاءات العلمية من حملة الدكتوراه وما يعادلها، وخطابه فيهم. وهو لقاء يعبر عن اهتمام القيادة السياسية ببناة الحركة العلمية التي لا يكون تقدم بغير جهدها وبحوثها، لتدفع بالوطن وأبنائه إلى الأمام في سلَّم الرقي والتقدم والازدهار، متخذة سلاح العلم أداة ومفتاحا لمغاليق كثيرة تحيط بنا وتجري من حولنا، وقد تعترض طريقنا، ولا حل لمثل هذه العوائق إلا بالعلم والجهد الذي يبذله العلماء في مجالاتهم المختلفة، تحت رعاية وعناية القيادة السياسية التي تمدّ للتواصل مع جميع أبناء الكويت يداً، فلم يكن اللقاء مع حملة الدكتوراه بدعا في التصرفات، ولا أمرا غريبا في مجال اللقاءات، لأن التواصل مع الشعب إحدى السمات المميزة للقيادة السياسية الكويتية، فمنذ حين كان لقاء سمو أمير البلاد مع الرعيل الأول، ثم لقاؤه مع رجال البحر والصيد، ثم زيارته لعدد من الدواوين، ثم بعد هذا اتباعه لسياسة الباب المفتوح، لكل من أراد من أبناء الكويت، وإيمانه بجدواها ونفعها.

هذا التواصل المتنامي بين أبناء الشعب وقيادته السياسية له ثمار عديدة من أهمها إقامة النسيج الاجتماعي الكويتي على

 لقاء سمو أمير البلاد مع أصحاب الكفاءات العلمية، يعبر عن اهتمام القيادة السياسية ببناة الحركة العلمية التي هي أساس التقدم والرقي.

الحب والسخيّ والنماء للكويت، بحيث تذوب كل المعوقات التي قد تمنع بعض الناس من الجهد والعطاء، فيأتي هذا التواصل لينعش الآمال، ويقضي على الفتن والشائعات، ويضع الحقائق أمام الناس فيزول الغبش، وينقشع الضباب، ويتجه الجميع نحو العمل الجاد، مدركين أن هذا المجتمع الصغير بمساحته لا مجال فيه للخلاف، وإنما المجال فيه للتوافق والوفاق.

إن الجميع يدركون أن أي خروج عن التوجه العام الذي ارتضته الكويت لنفسها، يصيب كل الناس بأبلغ الضرر وأبلغ الآلام وأشدها، فسفينة الكويت لا تحتمل خرقا هناك أو خرقا هناك، بل لا بد فيها من سدّ الخلل في أي مكان يبدو، حتى لا يتسرب منه الماء فيغرقها. والجهود كلها تتكاتف وتتعاون من أجل الوصول إلى هذه الغاية التي تعمل لها القيادة كما يعمل لها الشعب، وتتلاقى الأكف وتتضافر الجهود من أجل ذلك ولو أن أفرادا قليلين، أو مجموعة صغيرة شذت عن هذا التوجه، وانحرفت عنه، لتحمل عبء فعلها وضرر جرمها جميع الكويتيين، فشأن الكويتيين جميعا هو شأن أصحاب السفينة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذونا، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا جميعا” (ص.ج.ص. رقم 5832).

وتأتي أهمية هذه اللقاءات بين القيادة والشعب، لتعيد للنسيج الاجتماعي بهاءه ورونقه. فإلى مزيد من هذه اللقاءات لأنها زيادة في التواصل والنماء والعطاء.

منظومة القيم عند المسلمين وغير المسلمين:

ونظرتنا إلى الواقع العالمي تجعلنا نخشى على البناء الأخلاقي للبشر، لأن التفلت منه أو من بعضه أصبح ظاهرة عامة تتفق عليها كثير من الدول والشعوب من غير اعتماد على دليل، اللهم إلا الأهواء المتبعة، التي تجعل الناس يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاءون، بحيث يفرغون الأخلاق من مضمونها متى أرادوا ذلك، فينثلم بناء القيم في النفوس، وتزول الضوابط النفسية والمعنوية من الصدور، مما ينذر بوقوع الخراب الذي عبر عنه الشاعر العربي بقوله:

وليس بعامر بنيان قوم           إذا أخلاقهم كانت خرابا

إن منظومة القيم شبكة متماسكة من الأخلاق، تقي الإنسان من السقوط في مهاوي الأوحال، فإذا انتقى الإنسان من بينها ما يروقه وترك ما لا يروقه فقد مزق حبال هذه الشبكة الواقية، فصار عرضة للسقوط عند أي هزة أو أي اضطراب.

وهذا ما يحدث في الدول الغربية كلها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يقف الناس هناك موقفا نراه

منظومة القيم والفضائل تحمي الإنسان من السقوط في هاوية الرذيلة وتحمي المجتمع من الدمار والخراب والأمراض.

عجيبا غريبا، بينما هم لا يرونه عجيبا ولا غريبا.

فالعيب كل العيب -عندهم- هو أن الرئيس قد كذب في بعض مراحل التحقيق معه، فصار الكذب جريمة يعاقب عليها الرئيس، أما الزنى فليس بجريمة عندهم ولا شيء فيه، لأنه يدخل في نطاق “الحرية الشخصية” التي أقرها قانونهم الوضعي، وانتقلت منه إلى القوانين الوضعية في بلاد المسلمين، التي تقرّ الزنى على فراش الزوجية، إن تنازل الزوج عن حقه في القضية. فتسقط بذلك آثار الجريمة.

القيم لا تتجزأ:

إنهم في الغرب يحلون ويحرمون ما به يرغبون، فأحلوا الزنى وحرموا الكذب، وكلا الأمرين في الشريعة الإسلامية منكر يأباه الإسلام ولا يقبله، فالزنى محرم، والكذب محرم، وغيرهما من الآثام النفسية والموبقات المعنوية محرم كذلك، ولا تهاون في شيء من المحرمات -صغر أو كبر- كما لا تهاون في شيء من الفضائل، فكل شعب الإيمان مطلوبة من المسلم ابتداء من أعلاها وانتهاء بأدناها، وإن اختلفت درجة طلبها بحسب أولويتها وما يترتب على وجودها.

إن الأخلاق إن تجزأت فسقط بعضها من حساب الناس واحتفظ بعضها بقيمته عندهم، فإن ذلك مدعاة لسقوطها كلها

الأحداث المتشابكة في هذا العالم الذي انعدمت فيه الحواجز، لا ينبغي تجاهلها، لأنها تؤثر على الجميع.

والاستغناء عنها جملة وتفصيلا إن اقتضت الظروف ذلك، وهو ما يحدث أحيانا في غير بلاد المسلمين حين لا تكون منظومة القيم الأخلاقية بكاملها مطبقة. وإذا كان الكذب محرما عندهم الآن، والزنى حلالا في قانونهم بناء على رغبتهم، فما الذي يمنع -بعد حين- أن يحلوا الكذب ويحرموا غيره؟ ولماذا يحلون شيئا الآن ويحرمونه فيما بعد؟

أهمية القيم:

إنها المصلحة الآنية والنظرة المادية هي التي تحرك القيم لتختار من بينها ما يحقق هذه المصلحة، ولغير ذلك جاءت القيم للناس، إنها جاءت لتكون هي النظام الواقي من السقوط في هاوية الرذيلة والخيانة وغيرها، فالقيم -لا المصالح- هي التي تضبط مسار الإنسان، وتقف في وجه نزواته وشهواته، فإذا احتكم مجتمع ما إلى المصلحة ضاعت منه القيم، وسقط كل رجاله ونسائه في دائرة الأهواء والرغبات، وفي مقدمتها الرغبات الجنسية، التي تأخذ الآن من حياة الناس الكثير من المتابعة والاهتمام، خاصة بعد أن سقط في وسطها الرئيس الأمريكي، وإذا كان المجتمع الأمريكي قد فاز بالسبق على جميع المجتمعات الأخرى في التحرشات الجنسية من الرجال أو من النساء، كما ذكرت بعض الصحف، فإن مصير القيم كلها لديه آيل للسقوط، ليحدث بعد ذلك الانفلات الذي لا يوقفه غير انتشار الدمار والأمراض المستعصية على الشفاء.

وليت المسلمين كلهم يتمسكون في حياتهم بكل القيم التي جاء بها الإسلام، ولا يفرطون في شيء منها، خاصة بعد أن

القيم والفضائل لا تتجزأ و لا يغني بعضها عن بعض، لأنها كلها ضرورية للابتعاد عن الآثام النفسية والموبقات المعنوية.

بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أهميتها في قوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وليس للمسلم أن يختار من بين مكارم الأخلاق ما يروقه، وأن يترك ما لا يحب، لأنه ملزم بها كلها فإن خرم فضيلة بارتكاب رذيلة، فقد وجب عليه أن يتخلص منها وأن ينفض ثيابه من غبارها بالتوبة، وإلا زاد إثمه، وعظم جرمه، ولم يتوقف في سقوطه عند حد بعينه، ولقد شاع بين المسلمين قصة المأثور الشعبي، التي طلب فيها الشيطان من أحد المتعبدين أن يسجد له فأبى، فخيره بوسيلة من الوسائل المدسوسة بين شرب الخمر، أو قتل النفس، أو الزنى، فاختار المتعبد أقلها -في نظره- إثما، وهو شرب الخمر، ثم لم يلبث بعد أن غاب عقله أن زنى ثم قتل النفس ثم سجد للشيطان؛ ليساعده في الخروج من جرائمه، والقصة رمزية تهدف إلى أن التخلي عن حكم شرعي، والتهاون في ارتكاب معصية من المعاصي كفيل بالوصول بالإنسان -ما لم يتب- إلى أحط دركات الشرك. وهذا يفرض على الإنسان المسلم التمسك بكل القيم والآداب والأحكام الشرعية، حتى لا يزداد رصيده من المعاصي التي لا تقف به عند حد.

وإذا كنا نقلد الغربيين -رغما عنا- في أمور كثيرة فإنه من الواجب أن تظل القيم الإسلامية كلها في حصانة من الترك أو النسيان أو الاختيار، لتبقى لها قيمتها ومكانتها في نفوس المسلمين. وحبذا لو أن بعض رجال الشريعة والقانون أجمعوا أمرهم في دراسة جامعة تبين زيف ما لدى الغربيين مما يدعونه من القيم، وهو من الهوى قبل أي شيء آخر.