هذا نداء إلى الذين يختلفون معنا في فهم حقيقة الحياة الدنيا، وهو نداء واجب علينا نحوهم من باب النصيحة في الدين:
لقد مثّل رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الحياة الدنيا وموقفه منها بقوله: “إنما أنا كراكب استراح تحت شجرة ثم راح وتركها“.
فالدنيا وإن امتد عمرها طويلا بالنسبة لبعض الأفراد فإنها تبقى في النهاية مدة زمنية يسيرة يتركها الإنسان خلفه ويرحل عنها إلى الدار الآخرة ليجني هناك ثمرة ما غرست يداه هنا من خير أو شر “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره“ والمسلم الذي وعى الإسلام يدرك مدى الاتصال بين الدنيا والآخرة فيجتهد في الغرس في الأولى ليحصد في الآخرة التي هي خير وأبقى، وهو ليس حرا في أن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، بل إنه مقيد بتعاليم الله في كتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يسير في دنياه على هدى منهما لتكتب له النجاة في الآخرة، لكن فريقا من بين المسلمين المعاصرين أغفلوا هذا الفهم لطبيعة الحياة، أو غفلوا عنه فجعلوا الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم، فكل ما يزيد رصيدهم فيها من المال أو الجاه أو السلطان أو المتاع مقدم على غيره بصرف النظر عن موقعه من الدين، وقبول الدين له أو رفضه إياه.
ولهؤلاء وأمثالهم أقول: تعالوا نؤمن ساعة، نتدبر فيها قيمة الدنيا بالنسبة للآخرة ونعطي كل واحدة قدرها وما تستحق من أعمارنا، فلا نهمل الدنيا وننصرف إلى الاهتمام بالآخرة، فنخرب دنيانا ونتركها لغيرها يعمرها بجهده، ويصنعها بعلمه، ويؤثر فيها بقدرته وطاقته.
ولا نهمل الآخرة وننشغل بالدنيا -وحدها- وكأنها وحدها الدار ولا دار بعدها، وإنما نأخذ من هذه ومن تلك ونعمل لهذه ولتلك ونوازن في حياتنا بين الأولى والآخرة، لأننا نؤمن أنه ليس بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار. تعالوا إلى الطريق، فمن سار على الدرب وصل.
د- نداء لأصحاب المناهج الأرضية:
من بين المسلمين أناس ارتضوا لأنفسهم أن يعيشوا حياتهم ويكيفوا أمورهم تبعا لأصحاب المناهج الأرضية، وخاصة فيما يتصل بأمور المعاش والتعامل وحركة الحياة، ففي هذه الجوانب وغيرها يستظلون بظل المناهج الأرضية والقوانين الوضعية دون أن يمر في أذهانهم أن عليهم أن يتمسكوا في كل ذلك بالشريعة الإسلامية، ولذا فهم يجعلون من دنياهم شيئا لله وأشياء لغير الله، وهم بذلك يفتحون بابا للصراع بينهم وبين المسلمين الذين يردون كل شأن من شئون حياتهم لله ولرسوله، ويحاولون أن يكون منهجهم في الحياة كلها الخضوع المطلق لله ولرسوله، والعمل الملتزم بالكتاب والسنة.
ولا أحد من المنصفين ينكر أن الحق في الكتاب والسنة، وأنهما ما تركا من صغير أو كبير إلا بيناه ووضحاه وكشفا عن حكمه للناس، ومن هنا يتسع الفرق بين الذين يدينون في كل حياتهم لله، وبين الذين يدينون في معظم حياتهم لأصحاب المناهج الأرضية، مما يجعل هناك قابلية للصراع يمكن أن يحدث الآن كما حدث من قبل الصراع بالكلمة المسموعة والكلمة المقروءة، والتطاول الذي يصل أحيانا إلى حد السباب، أفلا نوقف هذا الصراع ونغلق بابه بالرجوع إلى الله والاحتكام لكتابه وسنة رسوله “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما“
فتعالوا أيها الأخوة إلى هذا الفهم للكتاب والسنة، حتى تسلم حياتنا من الصراع الذي يمكن أن ينشب في أي لحظة. وكان أولى بنا أن ندعوكم إلى أن تخافوا الوقوف بين يدي الله سبحانه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلى من أتى الله بقلب سليم، لولا أنكم لا تقيمون للآخرة في أعمالكم ميزانا، ولا تجعلون لها في قلوبهم مثقالا.
ولأجل ذلك فإننا ندعوكم إلى ترك المجاهرة بالعداء للدين وترك مهاجمة المسلمين، والعمل على الوصول إلى الفهم السليم، وموازنة منافع الدنيا وهي ذاهبة بما في الآخرة من نعيم أو عذاب مقيم، ونسأل الله لنا ولكم الهداية والرشاد والمعونة والسداد، ونقول ذلك ونحن نتفاءل بمجيئكم وأن منكم من سيكون له في نصرة الإسلام شأن –إن شاء الله- نقول ذلك ونحن ندرك أن يكتب حرا من متابعات وقضايا.

