بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
الاضطهاد الديني بين الحقيقة والواقع
في مساء 27/10/1998م وقع الرئيس كلينتون قانون الاضطهاد الديني، بعد أن وافق عليه الكونجرس الأمريكي، ويعطي هذا القانون للرئيس الأمريكي حق إنزال بعض العقوبات من بين خمس عشرة عقوبة، منها ثمانٍ دبلوماسية وسبع اقتصادية للدول التي تتهم بأنها تمارس الاضطهاد الديني للأقليات فيها، وتتراوح هذه العقوبات بين الاحتجاج الدبلوماسي، وقطع التبادل الدبلوماسي والحد من تراخيص التصدير، والتصويت ضد حصول تلك الدول على قروض من المؤسسات المالية الدولية، إلى غير ذلك. وهكذا تنصِّب أمريكا نفسها حامية الأديان في العالم، وتجعل من نفسها حكما وخصما في وقت واحد، بين بعض الرعايا في دولة ما وبين الدولة التي يعيشون في ظلها، مما يجعل ولاء أولئك الرعايا يميل إلى أمريكا أكثر من ميلهم لبلادهم، ومما يجعل هذه الوصاية الجديدة ذريعة للتدخل في شئون الدول الأخرى، وتشويه صورتها، وإثارة روح العداء ضدها، واستنهاض الآخرين عليها، وقد حاولت أمريكا استخدام هذا القانون حتى قبل أن يقره الرئيس الأمريكي حين أرسلت مندوبا إلى مصر للتحري عما يخص الأقباط في مصر بحجة أنهم مضطهدون، واستطاعت أجهزة الإعلام الغربية أن تشوه سمعة مصر، وأن تثير الرأي العام في أمريكا ضدها على نحو من الأنحاء، وقد استخدمت هذه الورقة -ورقة اضطهاد الأقباط في مصر- منذ عهد السادات حتى صارت أحد عناصر الضغط التي توجه ضد المصريين، وتشهر في وجوههم حينا بعد حين.
والغريب في الأمر أن تتصرف أمريكا في شئون البلاد الأخرى بموجب قانون داخلي يصدره الكونجرس ويقره
| هذا القانون يتيح فرصة للتدخل في شئون الدول الأخرى، ويستميل بعض الرعايا ليعملوا ضد مصالح بلادهم -إن لزم الأمر- من أجل الإبقاء على مصالحهم. |
الرئيس، ويصبح -بعد ذلك- تنفيذه رهنا بمجموعة من العلاقات المتشابكة، التي تقبلها دول فلا تتهم بشيء، وتأباها دول أخرى فيأتيها هذا الاتهام وتلاحقها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بحجة تطبيق القانون، دون أن تحتاج في ذلك إلى قرار من الأمم المتحدة أو غيرها من الهيئات الدولية الناشطة العاملة، ومن الطبيعي ألا يطبق هذا القانون على الدول الكبرى التي يضطهد فيها -دينيا- بعض الرعايا، لأنه مقصود به دول العالم الثالث في أفريقيا وآسيا، فالدول الكبرى لا تسمح مكانتها أن تطبق عليها أمريكا ما تطبقه على غيرها، وبعض الدول تسير عكس الاتجاه فلا يكملها أحد، فالصين تأبى ألا تتعامل نوويا مع غيرها من البلاد، ومع هذا تنال من أمريكا حق الدولة الأولى بالرعاية اقتصاديا، وإسرائيل تأبى التوقيع على اتفاقية خطر انتشار الأسلحة النووية ومع هذا تنال من أمريكا كل الرعاية السياسية والاقتصادية، وهذا يعني أن القوانين في عصر القطب الواحد تطبق على بعض البلاد دون الأخرى، وأن أمر تطبيق القوانين خاضع للهوى، غير منزه عن الأغراض السياسية.
صفحة من التاريخ القريب:
ومن حقنا في الشرق أن نرتاب في مثل هذه القوانين التي لم تنل دول الشرق من ورائها غير الإذلال والاحتلال، فليست هذه القوانين وأمثالها جديدة علينا في الشرق، إذ إن الدول الغربية ضغطت على الدولة العثمانية سنة 1839م لاستصدار قوانين جديدة بحجة حماية الأقليات (وكانت تريد منح الأقليات أو الأوربيين، أو غير المسلمين بصفة عامة حريات سياسية، وحقوقا تتحول إلى امتيازات، وذلك لتجعلهم طوائف منفصلة عن الدولة، متمتعين بمزايا لا تتمتع بها الأكثرية من المواطنين، وقد صدر هذا القانون في 2 نوفمبر سنة 1839م) (انظر تباشير النهضة في العالم الإسلامي ص106، 107 د. محمد ضياء الدين الريس) ثم يقول في موضع آخر مؤكدا صحة استخدام ذريعة الاضطهاد الديني للتدخل في شئون الدولة العثمانية. (أرسل القيصر “قيصر روسيا” إنذارا إلى الباب العالي أي “السلطان العثماني” يطلب فيه الاعتراف بحقوق روسيا في حماية رعايا الدولة المسيحيين، ولما رفضت الدولة العثمانية ذلك سارع “القيصر” بإرسال جيوشه لمحاربتها سنة 1853م) (نفس المصدر ص113).
ثم بعد هزيمة روسيا في تلك الحرب على يد إنجلترا وفرنسا، انعقد مؤتمر الصلح في باريس في فبراير سنة 1856م
| طريقة صندوق النقد الدولي في قروض بعض الدول المحتاجة تماثل طريقة استخدام الديون في القرن التاسع عشر، مما أوجد مبررات قانونية للاستعمار. |
بعد أن كانت إنجلترا قد ضغطت على السلطان العثماني ليصدر مرسوما آخر يكون أكثر وضوحا أو صراحة في إعطاء المسيحيين وأهل الملل الأخرى من رعايا الدولة حقوقا أو ضمانات خاصة.
فصدر في 18 فبراير سنة 1856م مرسوما بذلك، وقد كان بمثابة إعلان دستور خاص للرعايا غير المسلمين من الأوربيين وغيرهم جعلهم في مركز كأنهم يكونون دولة داخل الدولة) (نفس المرجع ص117) وكان من شأن هذه الامتيازات التي تسلحت بها الأقليات أو الطوائف نتيجة ضغط الدول المباشر، كان من شأنها أنها ستجعل مركز الأقليات أحسن وأقوى من مركز الأغلبية نفسها، وأن مساوئ هذه الامتيازات كانت ستظهر فيما بعد في مجالات القضاء والاقتصاد والتعليم وغيرها وتكون وبالا على الدولة نفسها وعلى الشعوب التابعة لها) (نفس المصدر ص119).
صور جديدة لوسائل قديمة:
قوانين الاضطهاد الديني لبعض الرعايا، واتخاذها وسيلة من وسائل تدخل الدول الكبرى في شئون الآخرين ليست جديدة، كما أن الوسائل الأخرى المصاحبة لهذه القوانين والتي تأخذ صورة اتفاقات أو معاهدات (الجات مثال على ذلك) ليست جديدة فهل قرأت عن شركة الهند الشرقية التي كانت بأسلوبها التجاري وتغلغلها الاقتصادي في الهند من أكبر الأسباب التي أدت إلى استعمار الهند في القرن التاسع عشر. ثم هل جاءك نبأ قرارات صندوق النقد الدولي. أليست سياسته هي نفس سياسة الديون القديمة التي كانت سببا مباشرا في احتلال مصر سنة 1882م.
إنها سياسة واحدة ووسائل واحدة تلبس ثيابا عصرية لتوافق الزمان، أما الأهداف فواحدة، ترمي إلى تحكم الدول الكبرى في غيرها من الدول. واستخدام بعض الرعايا أتباعا، وإعطائهم مزيدا من الامتياز عن غيرهم من مواطنينهم.
مشهد من الواقع:
وليس أدل على ذلك من الواقع الذي تشهد أحداثه بأن الأقلية المسلمة في عديد من بلدان العالم أصابها من الاضطهاد والتقتيل والتشريد والتهجير ما لم ينل غيرها من الناس. أليست كشمير يشهد واقعها الأليم الذي تعرفه الدول الكبرى قبل غيرها أن سكانها المسلمين يلاقون الأهوال حينا وراء آخر، من أجل رغبتهم في انضمامهم لإخوانهم في باكستان؟
أليست البوسنة والهرسك نالها من الصرب العذاب الأليم، وقامت فيها مذابح جماعية للمسلمين، واستخدمت فيها أسلحة بيولوجية لمنع المسلمين من الهجرة أو الفرار من القتل كما ذكرت الصحف أخيرا؟
ثم ماذا تقول في كوسوفا والدماء هناك ما تزال تنزف، والجراح الإسلامية تشكو إلى ربها ظلم البشرية وقسوتها.
ولا أظن أن أحدا يجهل مأساة 4.5 مليون فلسطيني أغلبهم مسلمون شردوا في الأرض.
فماذا فعلت الدول الكبرى التي تتحدث عن الاضطهاد الديني وتسن قوانين داخلية لتتعامل بها في الخارج إزاء هذه
| معاناة الأقليات المسلمة في البلاد غير الإسلامية متعددة ومتنوعة يعرفها البعيد والقريب، فهل يحمي هذا القانون تلك الأقليات المسلمة؟! |
الحالات الصارخة .. ثم لماذا يضيق على المسلمين وحدهم في الغرب؟ ولماذا تضيق الولايات المتحدة على المسلمين هناك، ولو حدث انفجار في اليابان مثلا لتخوف مسلمو أمريكا من أن يتهموا به؟ .. ولماذا يثير منظر بضع طالبات محجبات المجتمع الفرنسي وتقف الهيئة التعليمية ضدهن، فلا يدخلن المدرسة لولا حكم القضاء؟ من يحمي هؤلاء؟ ومن يدافع عنهم؟ ومن يتبنى قضيتهم من أمم الأرض؟ غير أن المسلمين في بلاد العالم لا مدافع عنهم ولا نصير لهم من بين الناس.
قانون الدفاع عن الفساد:
قديما كان الحياء يدفع الناس إلى التستر والخفاء عند ارتكاب المحظورات، وكانت الحكومات تقاوم الفساد ولا تسمح بوجوده علانية، فضلا عن أن تدافع عنه، غير أن العصر الحديث سار الناس فيه في اتجاه مضاد، نتيجة المغالاة في الاستمتاع والتخلص من الضوابط الدينية الشرعية، والمبالغة في استخدام الحرية، واعتبار الإنسان سيد نفسه لا دين يوجهه ولا رقيب يحاسبه ولا وازع يردعه، فدفعت هذه الأسباب الناس إلى العبّ من الشهوات عبا، والرتع في الملذات رتعا، وحاولت الحكومات في البلاد الغربية تيسير سبل الاستمتاع، فسنت من القوانين ما أتاح للناس هناك فرصا عديدة للانحلال الخلقي، فوافق (البرلمان) في إنجلترا منذ حين على الشذوذ الجنسي، فصار قانونا يسير عليه من يرغب من الناس، ووافقت عليه الكنيسة هناك. وانتشرت موجة الفساد في كل أرض غربية وتبنتها بعض الحكومات.
وأحدث حكومة فعلت ذلك هي الحكومة الجديدة في ألمانيا إذ أعلنت وزيرة شئون الأسرة والمرأة والمسنين أن الوضع القانوني للعاهرات ضعيف “إذ لا يوجد لديهن ملجأ قانوني يكفل حصولهن على المقابل” وبدلا من أن تحاول الحكومة هناك إيجاد أعمال مناسبة لهذه الفئة وانتشالها من الفساد الواقعة فيه إذا بها (الحكومة) تبحث لهن عن ملجأ قانوني، ليأخذن المقابل المالي للعهر والفجور، ثم لا تكتفي الحكومة بإقرار هذا الفساد الخلقي ومحاولتها تقنينه والدفاع عنه، بل تتجاوز ذلك حين تعلن: أنها ستدرس تقنين حيازة كميات صغيرة من المخدرات الخفيفة كالحشيش.
ولن يقف أمر الفساد عند هذا الحد، إذ سرعان ما تبادر الحكومات هناك إلى إتاحة كل لذة محرمة، وإباحة كل شهوة
| السياسة الحالية للدول الكبرى تقوم على تخفيض أثمان السلع التي تبيعها دول العالم الثالث، وفتح أسواقه لشراء السلع الأساسية التي تنتجها الدول الكبرى بالأثمان التي تريدها. |
عارمة، ومساعدة الناس على أن يغرقوا في وحل المنكرات والمخدرات، وماذا تنتظر غير ذلك من أناس يشرّعون لأنفسهم ما يشتهون، ويسيرون في حياتهم وفق ما يريدون، لا يعرفون من الحرام إلا ما حرموه، لأنه لا يناسب أهواءهم؟
فالهوى هو المقياس، كان الهوى في الشذوذ فأباحوه، وساد عندهم العهر فأردوا أن يقننوه، وانتشرت المخدرات فلا بأس بها إن كانت خفيفة .. فأين العقل المانع من التردي؟ إن ذلك كله يجعلنا نؤكد ما نؤمن به أن الإنسان بدون شرع الله الذي يضبط حركته في الحياة حيوان ضال، بل هو شر من الحيوان. “أولئك كالأنعام بل هم أضل“.
هل هي سمة القرن القادم؟
السيطرة الاقتصادية المتخفية في ظل المكانة السياسية للدول الكبرى تكاد تكون من أبرز سمات النظام العالمي الجديد، إذ لا يسلم منها مكان ذو أهمية عالمية. فما بالك بدول الخليج التي تنفرد بميزة اقتصادية خاصة إذ يقوم اقتصاد الدول الخليجية على “النفط” بصورة أساسية، مما يجعل ميزانية هذه الدول في مهب الريح إن نقصت أسعاره عن حد معين، ويؤثر ذلك في الحياة الاجتماعية وفي المقدرة السياسية، وفي الحركة الاقتصادية بطبيعة الحال، وقد يغير من طريقة حياة الأفراد والأسر، ويعمل على إدخال أنماط وسلوكيات جديدة في الحياة.
وقد بدأت بوادر الأزمة الاقتصادية مع حرب الخليج الأولى، ثم ظهرت مع حرب الخليج الثانية وتبلورت بوضوح بعدها، وما تزال الأزمة تتطور وتتضح، مما يؤكد أن آثار حرب الخليج الثانية ستظل قائمة طالما أن جار الشمال قابع فوق قبة نظامه صدام بتوجهاته البعثية، وحركاته اللولبية، وادعاءاته الكلامية. مما جعل الدول الخليجية عموما، والكويت من بينها خصوصا تندفع في شراء صفقات أسلحة من هنا ومن هناك لتقف في وجه المعتدي صدام إن لزم الأمر. فأكلت هذه الصفقات قدرا كبيرا من الميزانية، كان من الممكن أن يختفي أثره لو أن أسعار النفط بقيت كما كانت من قبل.
لكن تدهور هذه الأسعار أدى إلى خفض اضطراري في الميزانية من ناحية الدخل، وأدى شراء الأسلحة إلى زيادة اضطرارية في الإنفاق، مما أوجد الحالة الراهنة التي تمر بها البلاد، وتستدعي استنفار المخلصين لمعرفة أقوم السبل لتجنب مشكلة قد لا تكون صغيرة أمام هذه الصفقات الكبيرة، وما يتعلق بها من ضياع أموال، وما يحيط بها من شكوك في أفضلية أنواعها ومراعاة مصالح البلاد التي أنتجتها ومجاملتها على حساب اختيار أفضل الأنواع المعروضة.
وهذا نموذج للتعامل التجاري والنمو الاقتصادي المنتظر مع مطلع القرن القادم فيما يسمى العالم الثالث، حيث تنخفض
| الدفاع عن الانحراف الخلقي وتبنيه وتقنينه دخل في برنامج بعض الحكومات. |
فيه الميزانيات نتيجة تدني دخول الدولة من التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو المواد الخام، وتكثر نفقاتها في شراء سلع عديدة من الدول الغربية، فتظل لتلك الدول الهيمنة الاقتصادية القوية التي تدعم مكانتها السياسية، بحيث تبقى هذه الدول مسيطرة على الآخرين ومستغلة لمواردهم، وقد مهدت الدول الكبرى لهذا الذي يتم الآن منذ بضع سنين، فتمَّ تحالف الدول السبع الصناعية الكبرى “أمريكا، اليابان، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، كندا، إيطاليا” وطرحت تلك الدول في مؤتمر القمة السابع عشر لها، طرحت فكرة مبادلة ديون الدولة النامية بالبيئة، بمعنى الهيمنة على الموارد الطبيعية من مياه وغابات، وعلى النشاط البشري بالدول النامية.
وفي محاولة قانونية مبدئية للسيطرة على البيئة، عقد مؤتمر قمة عالمي في 1993م، في ريودي جنيرو، وكان من أهدافه -عير المعلنة- تحقيق مركزية السيطرة على البيئة العالمية، والحقيقة أن تحالف الدول الصناعية الكبرى ليس من أجل الحفاظ على البيئة، ولكنه من أجل فتح فرص عمل جديدة أمام شعوبها، وفتح أسواقنا أمام سلع وخدمات تحقق لهم المزيد من نهب الثروات، وجاءت اتفاقية الجات والتي تستهدف حرية حركة السلع وحركة رأس المال والخدمات، لتفتح الباب أمام القوى العظمى التصديرية – الولايات المتحدة – لتحقيق الهيمنة على الاقتصاد العالمي. (المجتمع العدد 1326).
أفلا يحق لنا أن نعمل على الابتعاد عن هذا المصير؟

