بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

تتجه الحراب في مناطق متعددة من العالم نحو المسلمين ، وأخر هذه الحراب المسددة لهم ما يحدث في إقليم (كوسوفو) الذي يسكنه قرابة مليوني مسلم ، يتلقون الطعنات ممن حولهم، لسبب لم تصنعه أيديهم ، لأن عداوة الغير نحو المسلمين هناك ترجع 28 من يونيو 1389م تاريخ موقعة كوسوفو التي انتصر فيها العثمانيون بقيادة مراد الأول على الصرب بقيادة
لازار ، ورغم أن القائدين قتلا في هذه المعركة إلا أن النصر الذي كان حليف العثمانيين غرس في نفوس الأعداء حقدا يتوارثونه جيلا وراء جيل ، ويحاولون الرد عليه في كل مناسبة وفرصة تتاح أمام الصربيين لتوجيه العنف والقتل للمسلمين .

        وجاء ضعف الدول العثمانية ومحاولة الدول الغربية تفكيك أوصاله وانتزاع أملاكها من تحت أيديها منذ أواخر حرب البلقان التي نشبت عام 1912م وأدت إلى انسحاب الأتراك من معظم ما كان تحت أيديهم في جنوب شرق أوروبا مما أعطى للصرب فرصة كبيرة للاستيلاء على جزء كبير من هذه الأرض وجاء اتفاق لندن سنة 1913م ليقسم الأراضي ذات الأغلبية المسلمة من السكان الألبان إلى قسمين : ألبانيا وإقليم كوسوفو الذي أهدي إلى مملكة صربيا ، رغم أغلبية سكانها المسلمين الذين هم من أصل ألباني ، واستمرت القلاقل في هذا الإقليم حتى حصل على (الحكم الذاتي) سنة 1974م أسوة ببقية الجمهوريات الست التي كانت تكون الاتحاد اليوغسلافي آنذاك غير أن هذا الحكم الذاتي لم يحقق سوى الاضطراب ، ومزيد من العنف لأن السكان الأصليين ظنوا أن هذا الحكم الذاتي بداية للاستقلال ، وكان غيرهم من الصرب بعمل على إلغاء ما حصل عليه الإقليم من الحكم الذاتي ، فيلغي الرئيس الصربي حق الحكم الذاتي لكوسوفو من الدستور سنة 1989م ويفرض عليه الطوارئ ويزداد العنف في الشوارع ، ويلغي حق التعليم الإسلامي وتغلق المساجد تحت سطوة الدبابات الصربية ، ويتجدد العنف كلما تجدد المظاهرات أو استحدثت مستجدات تؤدي إلى ذلك .

        وكان آخر ما حدث هناك اندلاع مظاهرات يقمعها الجيش الصربي ، ويدك قرى بأكملها ويشرد ما يزيد على خمسة آلاف أسرة فرت من مساكنها إلى الغابات والجبال هربا من الذبح الجماعي الذي لا يسلم منه الأطفال ولا النساء ، ولا الشيوخ ، وهذا كله يتم تحت مرأى ومسمع من العالم الذي يقف من هذه الأزمة المستجدة موقفا قريبا من موقفه في بداية ما حدث في البوسنة والهرسك منا جعل الحرب تحصد آلاف المسلمين وتشرد مئات الألوف قبل أن تتوقف فهل تكون الأزمة الحالية في كوسوفو مثالا متكررا مما حدث في البوسنة ؟

        وإلى متى يظل المسلمون ـ وحدهم ـ في الشرق والغرب عرضة للمذابح الجماعية والهجرة والقسرية والاضطهاد المبيت من قبل الجماعات المنظمة ، أو الأحزاب القائمة ، أو الدول التي تتمتع بعطف المجتمع الدولي ، ومباركة منظماته الدولية ؟ وهل ما يحدث اليوم في كوسوفو وغيرها هو تحقيق واقعي لنظرة صدام الحضارات التي مازال كتاب الغرب يقننون أطرها ، ويحاولون أن يلتمسوا ين صحائف التاريخ وشواهد الواقع أسبابها ونتائجها ، وقد يؤيدونها بما يحدث هنا أو هناك من نزاع يستأصل المسلمين ، ويحاول أن يدمر (الهوية الإسلامية) حتى في بعض البلاد الإسلامية ؟

        وحينما نقول عن النزاع الحضاري القائم الآن ، تعدي في بعض المناطق مرحلة فرض النموذج الغربي للحياة ، إلى مرحلة الاستئصال ، أو على الأقل تذويب الهوية الإسلامية ومحاولة إلغاء وجودها فإننا نجد (كوسوفو) يحظى بالنصيب الأوفى الآن من هذه المحاولة ، على حين أن مناطق أخرى في العالم الإسلامي يحاول فيها الغرب فرض نموذج الحياة الذي أفرزته الحضارة الحديثة لديه بوسائل اقل حدة مما يحدث هناك في كوسوفو وبعض المناطق الأخرى البعيدة عن قلب العالم الإسلامي .

        ومنذ انتهاء الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفياتي وظهور النظام العالمي الجديد ، والعالم الغربي يرى ان العدو الجديد لديه هو العالم الإسلامي ، ويرى أنه يمثل الحظر الأخضر، الذي ينبغي أن تتجه الجهود لمقاومته والتغلب عليه ، وإلغاء مظاهر وجوده من الحياة ـ إن أمكن ذلك ـ فهذا جاني ديميلكس الذي كان رئيسا للمجلس الوزاري الأوروبي يقول (ثمة مواجهة أخرى بين العالم الغربي والعالم الإسلامي) واعتبر هذه المواجهة بديلا عن المواجهة التي كانت قائمة بين الغرب وبين العالم الشيوعي ، وأكد أن الصدام قائم إلا إذا (حلت أوروبا مشاكلها ليصبح النموذج الغربي اكثر جاذبية وقبولا من جانب الآخرين في مختلف أنحاء العالم)

        ويخلص د. محمد عمارة بعد أن ينقل عددا من أقوال مفكري الغرب إلى القول : (قال خبراء الفكر والثقافة عن الإسلام : إنه الهدف الأول للحرب الغريبة ، لا لشيء إلا لتحديه الخضوع للنموذج الغربي ورفضه التنازل عن خصوصيته المستعصية على العلمنة الغربية) (عالمنا حضارة أم حضارات . د. محمد عمارة)

        هذه الأقوال وأمثالها مما يعلنه خبراء الاستراتيجية هي الأساس النظري الذي يستند عليه الصرب وغيرهم ممن يعملون على فرض النموذج الغربي على الحياة المعاصرة ، فإذا ما أضيف إليها الأحقاد القديمة ، والنظرة القائمة على وحدانية الحضارة ، وأنها ينبغي أن تستأصل من طريقها كل ما يعوق حركتها ، أو يوقف مدها ، أو يهدد وجودها أدركنا لماذا يعامل المسلمون أسوأ معاملة في المناطق المتاخمة لبعض الحضارات الأخرى فمن تايلاند والصين إلى كوسوفو والبوسنة مرورا بمناطق ساخنة وبؤر قابلة للاشتعال ، تجد المسلمين ـ في الأغلب الأعم ـ هم وقود المعارك وحطب النار ، دون أن تمتد يد سريعة لإنقاذهم ، لأن الإنقاذ لا يأتي إلا بعد تحقيق الأغراض والأهواء ، كما حدث مع البوسنة من قبل .

        أما لماذا المسلمون مستهدفون ؟ فلان النموذج الإسلامي للحياة يغنيهم عن أن يأخذوا عن غيرهم في نظم الحياة المختلفة ، ويعطيهم القوة والمناعة ضد كل ما يفد عليهم من الغرب مما يتناقض مع مبادئ الإسلام وقيمه ، بل ولأن الإسلام بقوته الذاتية قادر على أن يصل إلى الآخرين ويؤثر في سلوكهم وحياتهم ، وقد يؤمنون به ويصبحون جندا من جنده ، بعكس أي حضارة أخرى قائمة في الشرق أو الغرب .. والغربيون يدركون ذلك ، ويتخذون من النزاعات القائمة في بعض المناطق ستارا يفعلون من ورائه ما شاءوا . ولذا فإن تدخلاتهم لا تأتي إلا بعد إجهاد المسلمين ، وتحقيق الأغراض الخفية من رواء الحروب الدائرة .. ورغم أن كتاب الله قد بين لنا الهدف الحقيقي من وراء مثل هذه الحروب المستعمرة في قوله : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } وأمرنا باتخاذ القوة ليرتدع المعتدون فقال : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ، الله يعلمهم ..} رغم هذا البيان الواضح والآمر الجازم إلا أننا لم نفعل شيئا من ذلك ن فلم نأخذ حذرنا ، ولم يجد الأعداء  عندنا ما نرهب به عدو الله وعدونا فلماذا يهابوننا ؟ ولماذا لا يحققن أغراض خبراء الاستراتيجية ومنظري فكرة صراع الحضارات أو صدامها ، وهم في النهاية يقصدون الحضارة الغربية الحديثة في موقفها تجاه الإسلام ؟ فبينما يؤمن المسلمون بالتعدد في كل شيء سوى الله سبحانه ، يؤمن الغربيون بالتوحد الحضاري في النموذج الغربي وحده ، وما عداه فإما أن يذوب فيه مختار فيسير في التيار أو يذوب فيه اضطرارا  تحت وطأة الشرر والنار .. فهل ينتبه المسلمون ؟