بقلم الشيخ/ د. جاسم مهلهل الياسين
البرهان تثبيت:
نزلت هذه الآية في حق رجل بلغ أشده، وأوتي شطر الحسن، وتهيأت له جميع الأسباب التي لو توفرت لغيره لربما زلت قدمه، وغاصت في أوحال الشهوة المحرمة نفسه، فقد راودته عن نفسه امرأة متميزة في مكانتها الاجتماعية، وهي ذات سطوة تستمد نفوذها من سلطان زوجها عزيز مصر، ولعلها تعودت وهي في هذه المنزلة أن تأمر فتطاع، وأن تطلب فتجاب مطالبها وتلبى رغائبها، ثم احتاطت للأمر فغلقت الأبواب وعرضت نفسها وقلت: “هيت لك”، ولعلها كانت في كامل زينتها وأبهى حالاتها. ولكن يوسف النبيّ الفتيّ الحفيظ العليم يأبى بشدة الوقوع في هذه الفتنة ويقول: “معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي” هذا موقفه الثابت ورفضه القاطع من الدعوة إلى ارتكاب الفاحشة مع توفر الأسباب .. ثم جاءته المؤيدات فرأى برهان ربه، ونستطيع أن نقول: إنه رأى من آيات الله ما يدعم موقفه ويثبّت عفته، ويصرف عنه السوء والفحشاء، لأنه كان من المخلصين، الذين يحفظهم ربهم، وإن لحق بهم في سبيل ذلك الأذى والضراء، وظل على موقفه رغم التهديد: “لئن لم يفعل ما آمره ليسجننَّ وليكونا من الصاغرين” وحين ثارت الأقاويل بين المترفات، ولاكت الألسن ما حدث، ووقفت النسوة مؤيدات امرأة العزيز وقلن التماسا لعذرها: “ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم” حين فعلن ذلك وبدت لهن براءة يوسف أصررن على سجنه “فلبث في السجن بضع سنين” والمهم أن برهان ربه ثبَّت موقفه، وقّوى إصراره، وجعل تحمله للأذى والسجن خاليا من الرهبة أو الركون للظالمين، وكان من حسن تقديره للأمور والأفضليات بينها أن قال: “رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه” فكان السجن أحب إليه من ارتكاب الفاحشة. وكان الأذى أطيب إلى نفسه من الوقوع في هذا المنكر الكبير، فإنه لم يكن متلهفا على رد هذا الأذى، بل كان همه نفي أي شك قد يلحق بسمعته، ولذا حين استدعاه الملك، وجاءه من يطلبه “قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن” وفتح باب التحقيق من جديد واعترفت النسوة: “ما علمنا عليه من سوء” وقالت امرأة العزيز: “أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين”.
حقيقة البرهان:
وبرهان الله أو آياته قد تظهر للمعتبرين في صورة من الصور فتردهم إلى الرشد وتصدهم عن الغيّ، وتمنعهم من الفساد، وتخرجهم من اللهو واللعب، إلى الجد والعمل، ليتحملوا المسئولية الموكولة إليهم، ويصلحوا في الأرض بعد أن طغى فيها الفساد، وانتشر بين العباد، وليس يعنينا البحث في نوعية هذا البرهان وحقيقته، لأن هذا أمر غبيي لا معرفة لنا به إلا من طريق الكتاب أو السنة، ولم يرد في الكتاب والسنة بيان لهذا البرهان، وكل ما جاء في كتب التفسير إنما هو آراء للمفسرين لا دليل عليها، وبعضها يدخل في باب الإسرائيليات التي تنسب ليوسف عليه السلام ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق كما يقول صاحب البحر في تفسيره، وقد عدد ابن كثير بعض الآراء حول المقصود ببرهان ربه ثم قال: “والصواب كما يقول ابن جرير: أنه آية من آيات الله تزجره عمّا كان همًّ به”
ما هي هذه الآية؟ ما طبيعتها؟ كيف رآها في هذا الموقف؟ فذلك كله خارج إطار النص ولا شأن لنا بتمحله ومحاولة استكناه ذاته.
ويكفي أنه رأى آية من آيات ربه.
آيات ونُذُر:
وآيات الله لا تنقضي ولا تنتهي، آياته في الكون وما فيه من خروج على المألوفات لتنبيه الغافلين الذين لا يملكون لأنفسهم حولا ولا طولا، لعلهم ينتبهون إلى ما هم فيه وإلى ما هم مقدمون عليه، مما قد يؤثر في حياتهم.
“ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله” فالحرائق التي تلتهم الآن آلاف الهكتارات من الغابات في بعض البلدان دون أن تستطيع قوة في الأرض السيطرة علها هي آيات من الله ونذر، تسير وفق الأسباب التي خلقها، لعلها تكون عبرة وعظة ومانعا من الاستمرار في الكفر والفسوق والعصيان. والزلازل والبراكين والفيضانات في بعض البلاد والجفاف في أخرى، والأعاصير والعواصف، وغيرها هزات تأخذ بمنكب الإنسان علّه يفيق من سكرته ويستيقظ من نومته، ويعود إلى ربه ولكن: “وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون” وبعض هذه الكوارث تحدث في بلاد المسلمين لتردهم إلى الله تائبين، وقد أخبر الله بذلك فقال: “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسب أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون” أي يرجعون عن الفساد والعصيان والتكبر والغرور إلى طاعة الله والاعتصام بحبله.
وكما تظهر آيات الله في كونه تظر في النفس البشرية، في صورة مرض خطير أو غير خطير أو جائحة مالية، أو كارثة أسرية أو غير ذلك مما يقطع على الناس طريق الغواية ويردهم إلى طريق الهداية.
والمجتمعات في ذلك كالأفراد سواء بسواء
نذير للدولة والأمة:
وحادثة الغزو العراقي رغم قسوتها وشدتها كانت آية لنا على مستوى المجتمع حتى تقضي على ما تسرب إلى بعض الأفراد من أنه مواطن كويتي يفعل ما يشاء، في أي مكان شاء، دون التزام أحيانا بالضوابط الصحيحة في الإنفاق أو في التصرف.
هكذا صنع الغرور ببعض الناس فما عاد يعنيهم شيء -أو هكذا ظنوا- بعد أن ظل الغرور ينتفش في النفوس، حتى جعل الأبصار لا ترى الأشياء على حقيقتها، مما دفع البعض إلى أن يتصرف في رحلاته الخارجية تصرفات بعيدة عن الرشد والمقاييس الإنسانية الصحيحة، فاكتسب لنفسه حقد الآخرين وكراهيتهم ونفورهم وأساء بذلك إلى دولته وشعبها أبلغ إساءة.
وجاء الغزو ليرد السادرين في الغيّ، ويزيل غرور المتكبرين، ويدفع بالناس إلى الاتصال الوثيق بالله، والابتعاد عن جحود نعمه وإنكار فضله، وقد عزم الجميع على شكر الله إن تحررت البلاد لأنه -سبحانه- قال: “لئن شكرتم لأزيدكم” وبالفعل عاد الناس بعد الغزو الذي شاء الله بفضله ورحمته ألا يطول، عاد الناس أكثر إدراكا للواقع، وأكثر اتجاها إلى الله، وأكثر تمسكا بالقيم والمبادئ. واستمر هذا حينا ثم بدأ يضعف أو يفتر فكانت الأزمة الحالية التي نعيش فيها الآن، والتي نحتاج في معالجتها إلى الإيمان والصبر والثقة، والتمسك بشرع الله قبل أي شيء آخر. وهذه بعض آيات ونذر تدفعنا نحو الفرار إلى الله كي يرفع عنا البلاء “وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله”.
نذير للأسرة:
وتأتي الآيات كثيرة على مستوى الأسرة مثل نفور بعض الأبناء أحيانا، ورفضه الانصياع لرغبات الأبوين أحيانا أخرى، ورفض الزوجة تلبية مطالب زوجها، ومحاولة الزوج التخلص من مطالب أسرته، وعدم القيام بواجباته نحوها، تأتي هذه الآيات وأمثالها لتجعل الأسرة تستقيم على المنهج الذي أراده الله لها: “وجعل بينكم مودة ورحمة” منهج المودة والرحمة الذي يربط أفراد الأسرة ويحيط بها ويجعلها قوية في وجه مشكلات الحياة ومتاعب الأبناء، وكثرة المطالب التي تواجهها، وهذا المنهج هو بعينه الكفيل بترميم التشققات في جنبات الأسرة، وهو الذي يعمل على تلاحم الأم والأب، ووقوفهما متكاتفين ضد الخلافات التي تبدأ ضيقة محدودة، ثم تصير -بعد حين- متسعة ممدودة تهدد كيان الأسرة وقد تقضي عليها .. وقبل أن تصل الأسرة إلى هذه النهاية المفجعة تأتيها آيات كثيرة ونذر عديدة، لتردها إلى منهج (المودة والرحمة) إن هي ابتعدت عنه، كلها أمارات دالة على أن هذه الخلية إن لم يصلحها أصحابها أصابها التحلل والفساد، وحين يحدث ذلك يكون كل أفرادها تقريبا قد أصبحوا عبئا على المجتمع، لأنهم لم يراجعوا أنفسهم حين جاءتهم النذر، ولم يعملوا على ترميم حياتهم الأسرية حين ظهرت فيها التشققات فأصابها الانهيار، ولو أنهم تنبهوا إلى النذر أو الأمارات أو الآيات وأصلحوا أنفسهم قبل الوصول إلى حافة الهاوية لسلموا وسلم مجتمعهم وأراحوا أنفسهم وأراحوا كذلك مجتمعهم من أعبائهم.
نذر الجماعة:
ولا تقل النذر والآيات التي تلحق أي جماعة عن النذر التي تلحق المجتمع والأسرة. فالجماعات الإسلامية تأتيها نذر كثيرة، لتتدبر أمرها، ولتصلح عوجها، ولتعود إلى السير في الخط المرسوم.
وأبرز هذه الآيات أو النذر تتمثل في بعض الاختلافات التي تجعل فردا أو أفرادا يخرجون من الإطار العام للجماعة، لسبب من الأسباب، ويشكلون جماعة صغيرة، أو يكتفون بانفضاضهم عن الجماعة الأم، كما أن هذه الآيات تتمثل في فتور بعض الأفراد، أو قلة عطاء بعض العاملين مما يؤثر على صورة العمل العام، وقد تتمثل الآيات في صورة بعض الاتهامات التي توجه لبعض الجماعات، وقد تأتي في صورة بعض البلاءات التي تصيب جماعة من الجماعات قليلا أو كثيرا .. وقد تكون في صعوبة العمل، أو في الحيرة أمام موقف مستجد طارئ لم يكن في الحسبان، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة والنذر العديدة التي تجعل جماعة ما تراجع منهجها وتراجع مواقفها، وتوازن بين آمالها وواقعها، وتعرف مقدار ما يمكن أن تحققه الآن أو بعد الآن. وهل هو مناسب لقدراتها أو أقل مما يجب.
إن في ذلك لعبرة:
فالنذر هنا مفيدة عظيمة حين ينتبه لها الناس. أما إن أغفلوها أو أهملوها فإنها تحدث أثرها في تفكك البناء وضعفه مما يؤدي -إن استمر- إلى القضاء عليه فيصبح تاريخا بعد أن كان واقعا.
وهذه النذر أو الآيات أو (البراهين) التي يراها الناس إحدى سنن الله في خلقه “وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير” فقبل نزول المصيبة وحلول الكارثة تكون قد ظهرت للناس أمارات كثيرة وعوائق تصدهم من الوصول إلى نهاية المنحدر، فإن هم توقفوا عن الانحدار سلموا من الوصول إلى قاع الجب، وإن هم أصروا على انحدارهم أصابهم العذاب وحلت بهم الكوارث، “ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون”، وكم كان أحد الصالحين صادقا في قوله: “إني لأعرف أني ارتكبت بعض الذنوب من عصيان زوجتي ونفور دابتي وإعراض خادمي” ومعنى ذلك أنه يعتبر هذه نذرا تدله على أنه ارتكب بعض الآثام فتصده عن التمادي أو التغاضي ويعود إلى ربه بالتوبة والأوبة.
وما لم تحدث النذر والآيات والبراهين التي يرينا إياها ربنا هذه التوبة والأوبة على مستوى الفرد أو الأسرة أو الجماعة أو المجتمع فلا مفر من الوصول إلى الهاوية، ولا مهرب من استحقاق العذاب، الذي لا ينزله الله على الغافلين إلى حين يعرضون عن نذره، ويبتعدون عن هديه.
وإنه لمن نعم الله وفضله على الناس عامة، والمؤمنين خاصة أن تأتيهم أمثال هذه الآيات لتكون لهم بمثابة المنبهات التي تجعلهم يحاسبون أنفسهم ويراجعون مواقفهم قبل أن يأتيهم حصاد ما صنعت أيديهم .. وقد بيّن الله لنا ذلك حين كشف لنا عن أنه يملي للكافرين ليزدادوا إثما فقال: “ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين” وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
فآيات الله ونذره ينبغي أن تجعل الناس يقطعون حبل الظلم حتى لا تحل بهم النقمة وتطاردهم اللعنة. وهذا من فضل الله على المؤمنين، وأولى بنا أن نكون من المعتبرين، الذين قال الله في حقهم: “فاعتبروا يا أولي الأبصار”.

