بقلم الشيخ/ د. جاسم مهلهل الياسين
الفردوس المفقود:
لاقت صيحة طارق بن زياد في جنده: “البحر من ورائكم والعدو من أماكم وليس لكم -والله- إلا الصبر والنصر” نفوسا توّاقة للجهاد، ترى في الحرص على الموت حياة العزة والكرامة، لأن ذلك في سبيل إعلاء دين الله في الأرض، لا يخيفهم عدو بكثرته، ولا يكترثون لقلة عددهم، فصاروا يزحزون العدو عن مواقعه، ويتقدمون في سرعة على الجزيرة الأندلسية حتى تجاوزوا حدودها الشمالية، ثم استقروا هناك، وانشغلوا بالعمران المادي والمعنوي حتى صارت الأندلس فردوسا أرضيا، ينعم سكانه بكل الطيبات من الرزق، يؤمه القاصدون من بقاع الأرض للتعلم والتأدب، ورؤية ثمار الحضارة الإسلامية الراقية في كثير من مجالات الحياة المعروفة في ذلك الحين، وبلغت الحضارة والرقي أعلى مكانة لهما خاصة في عهد عبدالرحمن الثالث، الذي استمر أميرا من سنة 912 حتى سنة 929 ثم أعلن نفسه خليفة على البلاد حتى سنة 961م، مؤسسا بذلك عهدا جديدا في حياة الأندلس، هو عهد الخلافة الذي استمر حتى سنة 1025، حيث قامت ثورات داخلية أعلن زعماؤها الاستقلال في إدارة ما تحت أيديهم من مدن وبلاد، محدثين طورا آخر في حياة الأندلس، سمي عهد ملوك الطوائف.
مقدمات الضياع:
وقد تميز هذا العهد بالانقسام والفرقة والشقاق بين هذه الدويلات، والغفلة عما يدبره الأعداء لهم جميعا، بل إن بعض ملوك الطوائف هؤلاء كانوا يستعينون على إخوانهم المسلمين بالنصارى ويدفعون لهم جزية سنوية معلومة، واكتفى هؤلاء بأن أطلقوا على أنفسهم ألقابا فخمة ضخمة، ظانين أنها تغني عن القوة والمنعة شيئا، مما جعل أحد الشعراء يقول:
ممـا يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيهــا ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد
وعمل الأعداء المتربصون على اقتلاع ملوك الطوائف من الجذور.
|
كانت الأندلس قبلة القاصدين للعلم والمعرفة والحضارة والترف والنعيم ثم دبّ فيه التنازع والتفرق فصار أثرا بعد عين. |
“الحروب الصليبية هنا بدأت قبل أن تصل المشرق سنة 490هـ/1097م، صارت قشتالة تستذل أولا هؤلاء الملوك الصغار، وتفرض الجزية عليهم بقوة السلاح والقهر، وهم في ضعفهم يشترون منها السلم قطرة قطرة.
كان كل مخزون هذه الممالك من التبر السوداني المتدفق ومن خفق الأشرعة بين المغرب والأندلس وأوربا بالبضاعة والزراعات يصب جزية سنوية ومثاقيل ذهب وجواهر في يد قشتالة .. ومعدة هذه الدولة كجهنم. “يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد” (على جناح طائر د. شاكر مصطفى ص171)
تماسك الأعداء:
وبينما كان التنازع والتقاتل والتمزق سمة البلاد الإسلامية الضعيفة كان (الكفاح إحدى مقومات الوجود الأسباني الجديد، وتناسي الأحقاد والنزاعات الداخلية والخلافات الشخصية في محاربة العدو المشترك “المسلمين” وتلاشت كل النزاعات التي كانت موجودة من قبل، وحل محلها وحدة في الصف ووحدة في الرأي والاتجاه وحتى في الوسائل) (مأساة انهيار الوجود العربي بالأندلس. عبدالكريم التواتي ص474 بتصرف)
السقوط والنكال:
وبدأت المدن الإسلامية تسقط تباعا في أيدي الأعداء، الذين تتزايد قوتهم كل يوم، ويعملون على إثارة القلاقل والمنازعات بين المسلمين، فيتنازعون فيما بينهم، وتضعف شوكتهم وتذهب ريحهم، ويأتي الأعداء ليستولوا على البلاد تلو الأخرى غنيمة باردة بدون جهود كبيرة، وتحولت الأحوال فبعد أن كانت المدن الأسبانية تسقط -من قبل- في أيدي المسلمين، صارت مدن المسلمين تسقط في يد الأعداء، بعد أن وقف سيل الحركة الإسلامية عن الفتح (وكان الذي أوقفه – إلى جانب ما ذكرنا- هو جبهة التعصب النصراني التي امتدت ما بين روما وايكس لاشابيل وباريس وطليطلة في حلف واحد. ولم يكن وقوف الحركة الإسلامية في مطالع القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي أمام شارل مارتل، ولكنه كان في القرن الثالث عشر للميلاد / السابع الهجري. حين نصب التعصب الديني الإسباني “وامتداداته الصليبية في المشرق” جدار محاكم التفتيش في أوربا، فأهلكوا دونه أربعة ملايين مسلم هناك ما بين مطرود، وقتيل، ومرغم على تغيير الدين، ومنهار تحت العذاب الأليم. (على جناح طائر ص173).
واستمر حال المسلمين في الضعف والتناحر والانكماش، وحال النصارى في القوة والتوحد
|
تتكرر في عالمنا الإسلامي المعاصر أندلسيات أخرى بصورة عصرية في كوسوفا وألبانيا والبوسنة وكشمير وبورما وبعض أجزاء أفريقيا وكذلك في فلسطين. |
والامتداد وخاصة بعدما تزوج فرديناند ملك الأرجون المسيحي ايزابيلا ملكة قشتالة وتوحدت بذلك المملكتان القويتان واستطاعت جيوشهما أن تدخل غرناطة آخر المعاقل الإسلامية بالأندلس سنة 1492م، وضربوا عرض الحائط بالاتفاقات التي تمت بين الطرفين قبل تسليم المدينة ولم يرقبوا في مؤمن إلاًّ ولا ذمة. (انظر تاريخ العرب لمحمد أسعد طلس. الكتاب الأول ص257 بتصرف)
أندلسيات معاصرة:
ورغم هذا الدرس القاسي المرير، الذي كان من الواجب أن يتعلم منه المسلمون الكثير، فإنهم أغفلوه كما أغفلوا غيره من الدروس، ولم يعتبروا بأحداثه، وساروا على نفس الطريق من التمزق والتفرق مما جعل أرض المسلمين تشهد أندلسيات أخرى كثيرة، في صور عصرية تتناسب مع مستجدات العصر التكنولوجية، وتحيط بها سحب من الشكوك تصنعها الأجهزة الإعلامية، حتى لا ينتبه النائمون من المسلمين فيجدّون في المقاومة، ويرفضون شريعة الغاب التي تحيط بهم وتعمل على تذبيحهم بأقل سلاح مستخدم … حدث ذلك في بورما، وكشمير والبوسنة ويحدث في كوسوفا،وألبانيا، وجنوب السودان، وبعض أجزاء أفريقيا، بل هو يحدث في فلسطين في قلب العالم العربي، وتضيع المقدسات، وتتم المعاهدات ولا ينفذها اليهود، ونحن ملزمون بتنفيذها، وضرب كل يد تجاهد أو ترفع سلاحا في وجه اليهود، أو تكتب كلمة في حقهم.
هل وفَّى فريناند بعهوده لأهل غرناطة أم قامت هناك محاكم التفتيش، بوسائل تعذيبها التي يعجز
|
النخبات العسكرية العربية تشترك جميعها في التمسك بالحكم الفردي وكبت المعارضة السياسية. |
العقل عن تصورها، وتمَّ للأندلس التنصير القهري أو الاقتلاع القسري من البلاد؟!!
وهذا ما سيفعله اليهود في نهاية المطاف وما يفعله كل من صنع في أرض المسلمين أندلسا جديدة حديثة. فهل استيقظ المسلمون وتركوا خلافاتهم أو الاعتداء على بعضهم ليتجهوا نحو عدوهم وليستخلصوا مقدساتهم؟
اعتداء أثيم:
إن الإجابة عن هذا السؤال تجعلنا نتذكر سنة 1990 حين اعتدى العميل الخائن للدين وللأمة صدام على الكويت، فأحدث انشقاقا خطيرا في الأمة ما زالت جراحها تنزف منه حتى الآن، مما جعل الصهاينة يستكبرون في الأرض المباركة، ويستعلون فيها ويستجدي منهم العرب شبرا من الأرض فيرفضون ولا يقبلون بشيء من ذلك إلا بعد أن تعيا الدولة العظمى، وتقبل أن تجعل من جهاز استخباراتها (سي.آي.إيه) مطية لإسرائيل، على أن تكبل أيدي العرب بالأغلال إلى الأعناق، وعلى أن تمتلئ المعتقلات والسجون في فلسطين بالمناوئين والمعارضين لـ (واي بلانتشين)، ويتقلص الظل الفلسطيني فيبقى فوق 40% من كل مساحة الضفة الغربية وغزة هذا إن تم الانسحاب من 13% كما تقول المعاهدة. فهل يحدث هذا؟ ومتى..؟ ومن وراء ذلك؟
إن للتمزق الذي أحدثه صدام بالاعتداء على الكويت سنة 1990م أثرا كبيرا في إحداث هذا التفرق والتمزق، وبعثرة الجهود وإضاعة الأموال، والقضاء على الأمن في الخليج، وإثارة الحزازات بين الدول العربية.
لقد أراد صدام أن يخفي فشله في حرب الخليج الأولى التي لم تحقق للعرب شيئا يذكر، بعد أن استمر نزيفها ثماني سنوات، فاتجه إلى الكويت في حرب الخليج الثانية ليحقق لنفسه نصرا سريعا ينسى به الشعب العراقي آلام حربه مع إيران ولكنه لم يحقق غير مزيد من الكوارث والآلام للعراق أولا وللعرب ثانيا وللمسلمين ثالثا.
إن هؤلاء هم الخاسرون الوحيدون في حرب الخليج الثانية.
عيوب حكم العسكر:
لقد كان الأولى والاجدى أن يعمل على تلافي عيوب الحكم العسكري التي استقرت في العراق منذ سنة 1958م حين تخلى الجيش هناك عن إسقاط الوزراء أو تبديلهم أو تعيينهم وقام بثورته التي تولى بها عبدالكريم قاسم مقاليد الحكم الفردي المتسلط المتوجس خيفة من غيره، ثم انقلب عليه عبدالسلام عارف الذي احترقت به طائرة في الجو، ثم جاء من بعده عبدالرحمن عارف فما مكث غير قليل حتى أزاحه أحمد حسن البكر، الذي بقي حتى عزله صدام، وكل هؤلاء ساروا في العراق سيرة غير مرضية أشاعت الطائفية وأحيت القبلية، وكرست العنصرية وضربت القوميات، وأماتت التوجهات الدينية، وأهملت شئون الزراعة والصناعة، وأشاعت الفساد والانحلال والرشوة، وقربت الأقارب ولو لم يكونوا أكفاء، وارتفع معدل الجريمة، وخفت كل صوت سوى صوتهم، واختفى كل رأي إلا رأيهم، وقد صور (مورو بيرجر) طبيعة الحكم العسكري في أي بلد عربي وبين أهم سمتين من السمات التي تميزه حين قال: (وتشترك النخبات العسكرية العربية عميقا في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعي السريع وهذا الاعتقاد بالذات يدفع بها إلى الحكم الفردي، وكبت المعارضة السياسية( (ص306 من كتابه: العالم العربي اليوم ترجمة محي الدين محمد)
بل إن هذا الكاتب لمس جراح الشعب العراقي وكل الشعوب التي ابتليت بحكم العسكر، وبين أن هذه
|
التغطية على المشكلات الداخلية والانصياع للنوايا العدوانية كانت وراء حرب الخليج الأولى والثانية. |
الشعوب يحيط بها الظلم، وتعيش في قلق، بعيدا عن الأمن الداخلي والسلام والاطمئنان النفسي وذلك حين قال: (ولست أشك لحظة في أن الكتل الشعبية تريد شيئا لا تستطيع تسميته وهو تلك الدرجة من العدالة والاستقرار والأمن الداخلي والسلام المدني، والتحرر من الحكم المطلق ومن السيادة الوهمية اللاصقة باسم حكم القانون العتيق) (المرجع السابق ص307)
المشكلات الداخلية هي أساس نجاح المشكلات الخارجية، وهي السوس الذي ينخر في عظم الأمة أو المجتمع حتى يقضي عليه في النهاية، وينزله من عليائه إلى الحضيض، وقد يتلاشى هذا المجتمع ويزول من الوجود.
مشكلات تقتضي التوحد والمجابهة:
ونحن -بحمد الله- في الكويت لم تصل مشاكلنا الداخلية إلى هذه المرحلة، وندعو الله ألا تصل أبدا إلى ذلك، وعلينا ألا نكتفي بالدعوات وإن كانت حارة وصادقة، وإنما علينا أن نواجه مشكلاتنا في شجاعة وثقة، وأن نعمل على معرفتها ومحاصرتها والقضاء عليها، وأن تتكاتف الجهود الحكومية والشعبية من أجل القضاء على المشكلات قبل أن تتفاقم، والذين يدّعون أن كل شيء على ما يرام إما أنهم يتجاهلون الحقيقة أو أنهم لا يعرفونها؛ لأن الحقيقة تعلن بوضوح عن وجود الفساد الخلقي السائد، والذي يظهر أثره في إدمان المخدرات وما ينتج عن ذلك من جرائم اجتماعية تصل إلى حد القتل أحيانا، أو الانتحار أحيانا أخرى، وقد بلغ عدد المتهمين في جرائم المخدرات في العام الماضي 1042 متهما، وتعدى الأمر إلى جرائم الاعتداء على الأعراض التي ينتج عنها قضايا وخصومات تعرفها أروقة المحاكم وملفاتها، وكذلك قضايا الطلاق المتفشي، والذي يصل أحيانا إلى حالة طلاق واحدة من بين كل ثلاث حالات زواج، ومثلها قضايا التسيب في العمل والسير في الشوارع، وقد نتج عن التسيب في السير في الشوارع في سنة 1997م وحدها 26426 حالة بما في ذلك من وفيات وإصابات بليغة وغير بليغة، وهذا نزيف آخر يستنزف شبابنا، وهم ثروة الكويت ومستقبلها.
ومع مظاهر الفساد وانتشارها يأتي دمار القيم، فيضيع التراحم والتعاون والتكافل ومشاركة الآخرين في آلامهم وآمالهم، وتحقيق العدالة، ونشر الفضيلة، واحترام الكبير وتقدير المجدّ ومكافأة المخلصين الكادحين، وغير ذلك من الأسس، التي إن فرطنا فيها نكون قد قطعنا العلاقات التي تربط أبناء المجتمع وتصهرهم جميعا في بوتقة واحدة.
وبضياع القيم يأتي التكالب على المال والجاه، ولا يألو الإنسان جهدا في سبيل تحقيق رغباته على
|
تعاون الحكومة والمجلس ضروري لمواجهة الفساد الخلقي، وللمحافظة على القيم وللقضاء على كل انحراف أو استهتار. |
حساب الآخرين، ويعم هذا التوجه، ويختفي من بين الناس الإيثار، وحينئذ ما الذي يمنع المجتمع من الضعف المؤدي به إلى الهلاك؟
وهذه الأمور تفرض على السلطتين (التنفيذية والتشريعية) في الكويت التعاون التام من أجل سلامة المجتمع وأمنه، وتحقيق أكبر قدر متاح لإصلاح كل فاسد، وتقويم كل معوج، ولا يتم ذلك إلا إذا أدرك كل إنسان دوره وواجبه نحو مجتمعه، وآمن بأن أي ضرر يصيب المجتمع في أي ناحية إنما يصيب الجميع ويؤثر على الجيل الحاضر وعلى الأجيال القادمة.
والحكومة الحالية ومجلس الأمة الحالي كلاهما يرسم طريق الكويت في القرن القادم، ويضع العلامات التي تسير عليها الأجيال القادمة. فهل يتسنى ذلك من غير القضاء على مظاهر الفساد المالي والاقتصادي والاجتماعي؟ وهل يتسنى ذلك مع دمار القيم؟ وهل يتسنى ذلك من خلال السعي المتكالب وراء المال أو الجاه أو المنصب؟ إن ذلك كله لا يحقق غير الدمار والهلاك. وإن علينا أن نحارب الفساد، وأن نحيي القيم كلها ونحافظ عليها، وأن نحتكم إلى الحق أينما كان. فالرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.

